الشيخ محمد موسى آل نصر

تحريف الكلم عن مواضعه سبب العذاب والهوان - الشيخ محمد موسى نصر

أضيف بتاريخ : 03 / 08 / 2008
                                

تحريف الكلم عن مواضعه سبب العذاب والهوان




يقول مولانا الحق : { وإذ قلنا ادخُلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً وادخلوا البابَ سجداً وقولوا حِطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقُون }.

هذه آيات عظيمةٌ تحكي قصّة بني إسرائيل ونكولهم عن الجهاد وعدم دخولهم الأرضَ المقدسة لمّا قَدِموا من بلاد مصر في صحبة موسى عليه الصلاة والسلام(1) ، ذماً لهم ، وتبكيتاً لصنائعهم .

... وكان هذا الأمرُ منهم بعد خروجهم التيه بعد أربعين سنة مع يوشع ابن نون عليه الصلاة والسلام ، وفتحها الله عليهم عشية جمعة ، وقد حُسَت لهم الشمس( 2 ) يومئذ حتى تمّ الفتح .

ولما فتحوها أُمروا أن يدخلوا الباب ( باب البلد ) سجداً ( أي : ركعاً ) . ولكن اليهود كعادتهم لا يطيعون أمراً ، ولا يلتزمون عهداً ، فدخلوا زحفاً على أدبارهم ، وقيل لهم : قولوا : حطة ( أي : احطط عنا خطايانا فقد أقررنا بذنبنا ، ولكنهم بدلوا ما قيل لهم أقبح تبديل سخرية منهم واستهزاءاً وعلوّاً واستكباراً .

فبدّلوا الفعل والقول ؛ بدّلوا الفعل بدخولهم زحفاً على أدبارهم ، وبدّلوا القول بقولهم : حَبَّة في شعرة ، أو حنطة في شعيرة .

فذلك قول الله تعالى : { فبدَّل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيلَ لهم } .

فوصفهم الله بالظلم ؛ بسبب تبديل ما أُمروا به ، وكل من بدّل ما أُمر به فقد ظلم نفسه ، لأنَّ المخالفة عن أمر الله وأمر رسوله سبب اللعنة والعذاب .

أرأيت كيف لعن اللهُ إبليسَ وطرده من رحمته لما رفض السجود لآدم وفسق عن أمر ربّه ؟! قال تعالى : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدمَ فَسَجدوا إلاّ إبليس أبى واستَكبَر وكانَ مِنَ الكافرين } ، وقال : { وإنَّ عليكَ لَعنتي إلى يوم الدّين } .

واليهود – إخوان القردة والخنازير – قوم بهت ، تاريخهم أسود ، بل أظلم من الليل البهيم ، يتعمَّدون مخالفة ربهم ومعبودهم ، كيف لا وهم قتلة الأنبياء { فريق كذبوا وفريق كذبتم وفريقاً تقتلون } ؟ !

والذي حكاه الله عنهم من التبديل غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة ؛ لذلك أنزل الله بهم بأسه ، وسلط عليهم جنده يسومونهم سوء العذاب إلى يوم القيامة { فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون } .

فهؤلاءِ يهود من أعرق الناس نسباً ، أبناء أنبياء خلفاً عن سلف ، ولكنهم لما بدّلوا وحرّفوا وغيّروا وقدّموا وأخروا : أخرّهم الله ، وضرب عليهم الذلّة والمسكنة ، ومسخ طائفة منهم قردة وخنازير ، فالله ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب أو واسطة ، والتفاضل لا يكونُ إلاّ بالتقوى .

وأمة الإسلام إذا اتبعت سنن اليهود في التحريف والتبديل أصابها ما أصابهم ، فاليهود بالأمس بدّلوا حِطة بحنطة ، فزادوا النون ، وبعض أفراد هذه الأمة – ممن اتبعوا خطوات الشيطان – بدّلوا – من ضمن ما بدّلوا – " استوى " بـ " استولى " فأيّ فرق بين نون اليهود ولام الجهمية وإخوانهم ؟ !

ولله در ابن القيم حيث يقول :

أُمِرَ اليهودُ بأن يقولـوا : حطَّةٌ فَأبَواْ وقالوا: حِنطةٌ ، لِـهَوانِ

وكذلك الجهميّ قيل له : استوى فـأبى وزادَ الحَرفَ للنقصـانِ

نـون اليهود ولا جهميٍّ همـا في وَحيِ ربَّ العرشِ زائدتـانِ

وإنْ تعجب فعجبُ أن تسمع بعض الدعاة يقول : إذا قال أحدنا : استوى ، أو : استولى لا فرق ! ولا يترتب على هذا القول زيادة إيمان أو نقصان !!

ليت شعري أفلا يتدبرون قول الله : {فبدَّل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم }؟ !

وليسَ مثلُ هذا التبديل والتحريف مقصوراً على مثل هذا الصنيع ، بل إنه في الأُمََّة – اليوم – على صُورٍ شتَّى ، وألوانٍ متعدِّدة ، لا يُستطاعُ حصرها ، ولا يُقدر على سَردِها !!

إنَّ تحريف الكلم عن مواضعه وتبديل حقائق كلمات الله ظلم وفسق وعذاب وهوان ، وقد يُؤدي بأصحابه إلى الكُفر والمُروقِ ، عياذاً باللهِ .

فاللهم سلَّم سلّم . وإنًّ واقع أمتنا الإسلامية لأَكبَرُ شاهد على ذلك ، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا تبايعتم بالعينة ، وأخذتم أذناب البقر ، ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد في سبيل الله ؛ سلّط الله عليكم ذُلاًّ ، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ".


_______________________

( 1 ) انظر " تفسير القرآن العظيم " ( 1 / 98 ) للحافظ ابن كثير رحمه الله . ( 2 ) انظر " سلسلة الأحاديث الصحيحة " ( رقم 202 ) لشيخنا ناصر السنة الإمام محمد ناصر الدين الألباني .


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127