الشيخ محمد موسى آل نصر

بطراً ورئاء الناس - الشيخ محمد موسى نصر

أضيف بتاريخ : 03 / 08 / 2008
                                

بطراً ورئاء الناس


 


لمّا كان غمط الناس مستلزماً لبطر الحق الذي جاءوا به، جمع النبي –صلى الله عليه وسلّم- بينهما تحت مظلة الكبر(1) عند تعريفه له بقوله: «الكبر: بطر الحق وغمط الناس –أو غمص الناس-».

فأمّا بطر الحق فهو دفعه ورده، قال الصحابي الجليل النعمان بن بشير –رضي الله عنه- وهو على المنبر: «إنّ للشيطان مصائد وفخوخاً، وفخوخه البطر بأنعم الله، والفُجور بإعطاء الله، والكبر على عباد الله، واتباع الهوى في غير ذات الله».

والبطر على أربعه أنواع:

1- بطر الغنى: قال –تعالى-: {إنّ الإنسان لَيَطغَى} [العلق:6].

2- بطر المُلك:قال –تعالى-: {فَحَشَرَ فَنادى فَقَالَ أناْ ربُّكم الأعلى} [النازعات:23-24].

3- بطر المنصب.

4- بطر الجاه والمكانة.

وأمّا غمط الناس: فيقول الإمام ابن كثير: «والمراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم وهذا حرام، فإنه قد يكون المحتَقَرُ أعظم قدراً عند الله –تعالى- وأحبَّ إليه من الساخر منه المحتقِر له، ولهذا قال الله –تعالى-: {هَمَّازٍ مشَّاءٍ بِنَميم} [القلم:11] أي: أنه يحتقر الناس ويهمزهم طاغياً عليهم، ويمشي بينهم بالنميمة»(2).

ولقد جمع أهل البدع –قديمهم وحديثهم- بين هاتين الخصلتين الذميمتين، فتراهم لا يقبلون الحق إلا من أربابهم، ورؤوس بدعتهم، ومشايخ طرقهم الرديّة، بل يعادون أهل العلم والسنّة، ويحتقرونهم، ويلقبونهم بألقاب السوء للتنفير عنهم.

قال الإمام أبو عثمان الصابوني –رحمه الله-: «وعلامات البدع على أهلها بادية ظاهرة، وأظهر آياتهم وعلاماتهم: شدة معاداتهم لحملة أخبار النبي –صلى الله عليه وسلّم-، واحتقارهم لهم، واستخفافهم بهم، وتسميتهم إياهم حشوية، وجهلة، وظاهريّة، ومشبهة، اعتقاداً منهم في أخبار رسول الله –صلى الله عليه وسلّم- أنها بمعزل عن العلم، وأنّ العلم ما يلقيه الشيطان إليهم من نتائج عقولهم الفاسدة، ووساوس صدورهم المظلمة، وهواجس قلوبهم الخالية من الخير، العاطلة، وحججهم بل شبههم الداحضة الباطلة {أولئك الذين لَعَنَهم الله فأصمَّهم وأعمى أبصارهم} [محمد: 22]، {ومن يُهن اللهُ فما له من مُكرم إنَّ الله يفعل ما يشاء} [الحج:18]»(3).

وقال الإمام ابن قيم الجوزيّة –رحمه الله-: «وقد ذمّ الله –تعالى- من يردّ الحق إذا جاء به من يبغضه، ويقبله إذا قاله من يحبه، فهذا خُلُقُ الأمّة الغضبيّة، وقال بعض الصحابة: «اقبل الحق ممن قاله –وإن كان بغيضاً- وردَّ الباطل على من قاله وإن كان حبيباً»(4).

فيُخشى على هؤلاء أن يكونوا ممن

{اتَّخذوا أحبارهم ورُهبانهم أرباباً من دون الله} [التوبة:31] الآية.

سمعت النبي –صلى الله عليه وسلّم- يقرأ هذه الآية، فقلت –أي: عدي بن حاتم-: إنَّا لسنا نعبدهم. فقال –صلى الله عليه وسلّم-: «أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه، فتلك عبادتهم».

ولقد جمع الله ذَمَّ البطر والرياء –معاً- في قوله: {بطراً وَرِئاء النّاس}، فهنا ثلاثة أخلاق سيئة لا بد من اجتماعها: غمط الضعفاء، ومراءاة الكبراء، ورد الحق من المخالف.

أمّا الرياء: فهو إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمد صاحبها، وأمّا السمعة فهي نحو ما في الرياء إلا أنها تتعلق بحاسة السمع، والرياء بحاسة البصر.

وعليه يحمل حديث جندب بن عبدالله

–رضي الله عنه- في «الصحيحين» قال –صلى الله عليه وسلّم-: «من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به».

ومعنى الحديث: أنّ من عمل عملاً على غير إخلاص، يريد أن يراه الناس ويسمعوه، يجازى يوم القيامة على ذلك بأن يشهره الله ويفضحَه، ويظهر ما كان يبطنه على رؤوس الأشهاد.

وما أكثر أمثال هؤلاء في زماننا –ممن يسمون بالمحسنين-، وكان ينبغي أن يحسنوا لأنفسهم بإخلاصهم لله وصدقهم مع الله، ومن أكثر هؤلاء –وللأسف- من يقومون على بناء المساجد، ورعاية الأيتام –زعموا-، ومن علامات تسميعهم ومراءاتهم تسمية المساجد التي يبنونها بأسمائهم، وربما أوصى بعضهم بأن يدفنوا في تلك المساجد.

ومن أقبح فعالهم وأشنعها هيمنتهم على تلك المساجد، ورغبتهم الجامحة في السيطرة عليها، والتدخل في شؤونها الدينيّة، ومحاولة إذلال الأئمة والمؤذنين فيها، وجعلهم أذناباً لهم، وأبواقاً يتحركون بإشاراتهم كالدمى، فإن لم يكونوا كذلك، فإنَّما تُشَنّ عليهم حملات شعواء كاذبة، وتهم شنيعة، وافتراءات فظيعة.

ولقد بلغت الوقاحة وقلة الدين والجرأة على الباطل ببعض هؤلاء أن يقول في أحد المساجد التي ساهم في بنائها -حينما اختلف مع المصلين-: (سيُحوّلُ المسجد إلى صالة أفراح)!، وآخر يقول: (سأغلق المسجد)!

كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً وزوراً وإجراماً.

فهل تبقى هذه الفوضى، وهذه العبثية في بيوت الله باسم الإحسان؟!

إنني أهيب بوزارة الأوقاف في بلدنا الطيب أن تضع أيديها على بيوت الله، وخصوصاً المساجد الأهليّة، ولا تكتفي -فقط- بتعيين الإمام، بل بالإشراف عليها كاملاً، والإنفاق عليها ولو من أموال المصلين، وأن يقوم عليها أئمة مؤهلون من ذوي الكفاءات الدينيّة والعلميّة، ومن العلماء الربانيين الذين يصلحون ولا يفسدون، ويبنون ولا يهدمون، ويجمعون ولا يفرّقون، يعرّفون الناس بربهم، لا بأشخاصهم وهيئاتهم، يتبعون السنّة ولا يبتدعون في دين الله ما لم يأذن به الله.

وإنك لتعجب أشد العجب حينما ترى هذه الفوضى تجتاح أطهر بقعة وأقدس مكان (بيوت الله) لتغدوَ بيوت الله في الحقيقة بيوتاً لمشيِّديها، ولو صدقوا الله لرفعوا أيديهم عنها بعد أن قامت وزارة الأوقاف باستلامها والإشراف عليها.

أقول: إنّ هذه السيئة الخطيرة تنتشر في بلادنا طولاً وعرضاً –إلا مَن رحم الله وقليل ما هم-، أولئك المخلصون الصادقون، الذين اكتفوا من تلك المساجد بدعاء المصلين، واحتساب الأجر والثواب عند الله، ولا ننسى أنّ العبرة ليست بتشييد المساجد وزخرفتها، لكنَّ العبرة بالحفاظ على رسالتها الإسلاميّة، والتي من أهمها توفير إمام صالح لها يقوم على نشر العقيدة الصحيحة، وإحياء السنن الميتة، ونشر العلم والوعي الصحيح بين المصلين، وحل مشاكلهم.

ومع تقصير هؤلاء المحسنين (زعموا) الشديد في رعاية تلك المساجد، إذ يمنعون عنها كل خير يأتي من غيرهم، ولو فيه خير للناس والمسجد، فالأرض جعلت كلها مسجداً لهذه الأمّة، وعمَّارها زوارها، فمن بنى لله مسجداً لم يخلص فيه لله كان وبالاً عليه، فمن أوائل من تسعر بهم النار ثلاثة وفيهم: جواد لم تكن نفقته وصدقته لله، وإنما ليقال: جواد كريم، وقد قيل.

فأقول لهؤلاء الذين يدّعون الإحسان: ارفعوا وصايتكم عن بيوت الله ليتقبّل الله عملكم في الصالحين، وجزى الله كل محسن مخلص كريم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، والحمد لله ربّ العالمين.

ـــــــــــــــــــــ

(1) قال الأحنف بن قيس: «عجباً لابن آدم يتكبّر وقد خرج من مجرى البول مرتين».

(2) «تفسير القرآن العظيم» (4/212).

(3) «عقيدة السلف أصحاب الحديث» (ص299).

(4) «مدارج السالكين» (3/522).



اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127