الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

الانتصارُ للعلمِ والعلماءِ مِنَ الحزبيةِ العمياءِ (2) الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 14 / 10 / 2009
                                

الانتصارُ للعلمِ والعلماءِ مِنَ الحزبيةِ العمياءِ (2) 

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: نكمل ما بدأناه في العدد الماضي من نقد ثقافة المخالفة من الأقوال والأفعال، وبيان قوادح الفتية ودرها، والتي لا يكاد يسلم منها طلبة العلم والمشايخ والعلماء، حتى إن شيخ العلماء ابن باز رحمه الله لم يسلم من القوادح المزعومة، وهذه بداية لإنهاء تلك المخالفات بإذن الله فتحمل نقدا للطريقة ونصحا للناقد، ودعوة للمسلمين لسلوك سبيل الحق والصواب:


وقفة مع أصحاب السؤال في أمريكا ولماذا السؤال؟!


وقبل الشروع في الرد والتنبيه على قول الأخ الكويتي أريد أن أقف قليلاً على سؤال الطرف الذي يعيش في أمريكا:


قالوا من أمريكا: [ونرغب بمعرفة المزيد عنه، وإذا كان بإمكاننا الذهاب والجلوس معه والاستفادة منه؟ اسمه الشيخ سالم الطويل، فالأخوة يودّون منك أن توضح بعض الأمور المتعلقة بهذا الفرد من الكويت؟]


قالوا: [و نرغب بمعرفة المزيد عنه]


قلت: من كان يريد المزيد؛ فلديه أصل معرفة عن الشيخ، والحجة من قولهم: (نرغب بمعرفة المزيد). فإن البِدْعِيّ لا يَرغَب السِنِّيُّ بمعرفة المزيد عنه. وفي ذلك قرينة على سلامة الشيخ عندهم، وأنه سُنِّيٌ سالم من البدع، وأنهم راغبون في الاستفادة من دروسه، والحجة: أفلم يقولوا: (وإذا كان بإمكاننا الجلوس معه والاستفادة منه؟!).


وهنا ستلاحظ أيها القارئ اللبيب! أموراً منها:


-1 إنهم تركوا كل من له علاقة بالعلم في أرض الله الواسعة، وذهبوا إلى حصر السؤال في شخص معين، وإني سائل فأجيبوا؟ لماذا تجعلون الإسلام في شخص رجل؟! أهي الشبكة الحزبية؟ ولذا أعود مذكراً بقول شيخ الإسلام: ولا يتعين ذلك في شخص معين، ولا يحتاج الانسان في ذلك إلى أن ينتسب إلى شيخ معين... وقال: وليس لأحد أن ينتسب إلى شيخ يوالى على متابعته، ويعادى على ذلك.اهـ


-2 وكذلك لديهم علم بحال الشيخ، بل ورغبة للاستفادة منه: [نرغب بمعرفة المزيد عنه، وإذا كان بإمكاننا الذهاب والجلوس معه والاستفادة منه؟]، أهو التنقيب والتفتيش عن الأخطاء والعيوب؟ إن القدر الكوني لهذا السائل وغيره؛ أنهم لم يقعوا في أيد أمينة تأخذ بهم، وتحسن توجيههم، ولذلك أصبحت العقول معلبة غير قادرة على التفاعل الإيجابي.


-3 طلب هؤلاء الذين عاشوا في بلاد الكفار الإذن والرخصة من أخٍ في الكويت لحضور دروس الشيخ سالم الطويل!


إذا لم تكن هذه حزبية وتعصب لرأي الرجال؟ فعرّفوا لنا: ما الحزبية وما التعصب؟!


وفي النهاية قوبل طلب الإذن والسماح؛ للاستفادة من درس الشيخ سالم الطويل، بالموانع المشبوهة من الجهة الأخرى في الكويت، وهذا صد عن الحق، قال تعالى: {وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 47].


قالوا: [فالأخوة يودون منك أن توضح بعض الأمور المتعلقة بهذا الفرد من الكويت؟].


لست أدري كيف تجاسر الأخ الفاضل؟ وسمح لنفسه ورضى بالتَّنصيبِ سفيراً للمرشد العام، وركناً يلجئون إليه دون الأئمة الأعلام، ورحم الله رجلاً عرف قدر نفسه، فلا يقوم بزجها في مواضع هي في سعة منها، ولم يؤمر بها.


وإن أُلجئ من في الكويت على الإجابة؛ فعليه بالنصح لعامة المسلمين والتوجيه إلى ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك»، رواه مسلم (2664) في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. واحذر مما تقشعر له الأبدان وتشيب له رؤوس الولدان؛ من النصوص الشرعية التي جاءت في التحذير والنهي عن الصد عن سبيل الله.


وأقول: إن الواجب على كل حزبي- في مشارق الأرض ومغاربها - منح ولاءه رغبة أو رهبة للجمعيات والمراكز وغيرها؛ كالتَّنسكِ باتّباع ورضى الأولياء والمشايخ والمراجع، بمفارقة تلك التَّحَزُبات، ويَخْلُص بالنفس من هذا الرق.


ونقول نصحاً: عليك بالمسارعة إلى إنقاذ نفسك بالخروج من الظلمات إلى النور، والعيش في الفضاء الفسيح وترك الجحور، فلا تنتظر إنقاذاً أو جذوة قبس من الحزبيين، وأحذركم من الدخول في المصانع الحزبية، فإن صناعة الحزبي تكون بعاملين:


الأول: تساهل الرجل صاحب العقل بالاستغناء عن عقله، ليكون في متناول غيره فيُشَكِّله كيفما شاء.


والثاني: من وقع بين يديه عقلٌ لمستسلم أو صاحب غفلة.


فحاله بين أمرين لا ثالث لهما؛ إما أن يكون صحاب سُنَّة وديانة وورع، ويتَّقي الله ربه، فيوصله إلى طريق السلامة. أو يكون صاحب هوى، وعبداً لحظوظ النفس، فيجعله من دواب الحزب، يُروِّضُها بسِياط هواه.


وروى اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (1/60) بسنده:


- عن أيوب قال: إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله لعالم من أهل السنة. قلت: فاتقوا الله في الشباب والأعاجم.


- وعن ابن شوذب قال: إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك أن يواخي صاحب سنة يحمله عليها.


فهيا إلى الخروج من كل الأحزاب على اختلاف المسميات والأنواع؛ خروج من الظلمات إلى النور، فالحزبي غير مأمون على الدين.


مقارنة بين السائل والمسؤول في عصرنا


وما كان عليه المتقدمون من ورع وديانة عندما يُسألون


قاعدة: أنا أُسأل عنه؟!


تجمع تواضعاً وأدباً وعدلاً




مواقف من تواضع وورع أهل العلم عندما يُسألون عن أحد في باب الجرح والتعديل وسأذكر ثلاثة أمثلة: أحدهم بلغ الإجماع في الإمامة، وأما الآخرُ اختلف القول فيه، حتى أنه اتهم بالكذب. والثالث ثقة بعيد عن الاتهام بالكذب.


-1 أنا أُسأل عن أحمد؟!


روى ابن عساكر في تاريخ دمشق (5/287) من طريق علي بن خشرم قال: سمعت بشر بن الحارث رحمه الله، وسُئل عن أحمد بن حنبل فقال: أنا أُسْأَل عن أحمد رحمة الله؟! إن ابن حنبل أُدخل الكير فخرج ذهباً أحمر. وذكره المزي في تهذيب الكمال (1/454).


-2 أَنا أُسأل عن الواقدي؟!




قلت: وهو محمد بن عمر الواقدي، قال البخاري في التاريخ الكبير: سكتوا عنه، وفي الأوسط: تركوه. واتهمه إسحاق بن راهويه في الجرح والتعديل(8/21)، وعلي بن المديني في المجروحين لابن حبان (2/290) بوضع الحديث. ووثقه آخرون. وقال الذهبي الميزان (3/666رقم: 7993): واستقرّ الإجماع على وهن الواقدي.


قال الذهبي في ميزان الاعتدال (3/665)، والسير (9/461): وسُئِل معن بن عيسى، عن الواقدي فقال: أَنا أُسأل عن الواقدي؟! الواقدي يُسألُ عنِّي.


قلت: معن بن عيسى القزاز، قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (8/278): سمعت أبي يقول: اثبت أصحاب مالك وأوثقهم معن بن عيسى القزاز. وقال ابن سعد في الطبقات (5/437): وكان ثقة كثير الحديث ثبتاً مأمونا. وقال ابن حبان في الثقات: وكان هو الذي يتولى القراءة على مالك وفي ترتيب المدارك للقاضي عياض (3/149) قال ابن عبد البر: كان أشد الناس ملازمة لمالك. وكان يتكئ عليه عند خروجه إلى المسجد حتى قيل له عصية مالك.


قلت: وهذا دليل على مكانته عند الإمام مالك، ولم يُهجر أو يُقلل من شأنه لتوثيقه للواقدي، كما يفعل بعض المعاصرين عندما لا توافقه في جرح رجل ما، ومنهم صاحب المكالمة الهاتفية.




-3 هو ينبغي أن يُسأل عني


وفي سؤالات الحاكم للدارقطني (ص101 رقم: 57): إسحاق بن الحسن بن ميمون أبو يعقوب الحربي اختلف فيه أصحابنا، وأثنى عليه إبراهيم الحربي، وهو عندي ثقة. قال لي أبو بكر الشافعي: سُئل إبراهيم الحربي عنه، فقال ما زلنا نعرفه بالطلب وهو ينبغي أن يُسئل عنَّا.


وقال الذهبي في السير (13/411)، وفي تاريخ الإسلام (21/19): قال الدارقطني: قال لنا أبو بكر الشافعي: سُئل إبراهيم الحربي، عن إسحاق بن الحسن، فقال: هو ينبغي أن يُسأل عنِّي.


قلت: وإبراهيم بن إسحاق الحربي أصغر سناً من إسحاق بن الحسن الحربي بثلاث سنين (تاريخ الخطيب البغدادي [6/382]). وكان إماماً.




قال السلمي في سؤالاته للدارقطني(28): والخطيب البغداي في تاريخ بغداد (6/39)، والذهبي في تذكرة الحفاظ (2/585)، والسير له (13/360)، والسبكي في طبقات الشافعية (2/257): ذكر أبو عبد الرحمن السلمي أنه سأل الدارقطني عن إبراهيم الحربي؟ فقال: كان إماما، وكان يقاس بأحمد بن حنبل في زهده وعلمه وورعه.اهـ




قلت: فانظر إلى تواضع الإمام مع من هو دونه، فقال عندما سُئل عنه: هو ينبغي أن يُسأل عَنِّي! وهي من عبارات التوثيق وكان يكفيه أن يوثقه، ولكن أُنظر بتَمَعُّنٍ إلى سلامة صدور أهل العلم.




قاعدة: هلاّ عذرت السني إذا وقع في خطأ




وادعو لك أيها الأخ السائل المُمْتَحِن! بأن ترزق علم الذهبي الذي اعتذر لمن أَوَّل، ولتقف على الحكم بالعدل، وتحكم كما حكم الأئمة الكبار.



قال الذهبي في السير (14/375): ولابن خزيمة عَظَمَةٌ في النُّفوس، وجلالة في القلوب؛ لعلمه ودينه واتِّباعه السُّنة، وكتابه في التوحيد مجلد كبير، وقد تَأَوَّل في ذلك حديث الصورة، فليعذر من تأول بعض الصفات، وأما السلف، فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكَفُّوا، وفَوَّضُوا علم ذلك إلى الله ورسوله، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه، وتَوَخِّيه لاتِّباع الحقِّ أهدرناه، وبدَّعناه، لقل من يسلم من الأئمة معنا رحم الله الجميع بِمَنِّه وكرمه.اهـ




أفلا تجيب كما أجاب


ابن أبي حاتم وتتجاوز عن خطأ السني؟!



كما ادعو لك بأن ترزق علم ابن أبي حاتم عندما سُئل عن ابن خزيمة الذي وقع في تأويل حديث الصورة حتى يكون لك موقف مقارب لمواقف الأئمة.


قال الذهبي في السير (14/376): سُئل عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبي بكر بن خزيمة، فقال: ويحَكُم، هو يُسألُ عنَّا، ولا نُسأل عنه، هو إمام يقتدى به.


قلت: هذا جواب تلميذ الرازيين إمامي الجرح والتعديل أبي حاتم وأبي زرعة والخبير بأقوالهم ومذاهبهم في الرجال، وجامع علم الإمامين.


وللحديث بقية في العدد المقبل بإذن الله تعالى والحمد لله رب العالمين.




د.عبد العزيز بن ندى العتيبي


تاريخ النشر 12/10/2009

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127