الشيخ علي حسن الحلبي

لِمَاذا لا نَسْكُتُ؟! الشيخ علي الحلبي

أضيف بتاريخ : 03 / 08 / 2008
                                


لِمَاذا لا نَسْكُتُ؟!




 


سَأَلَني غيرُ واحِد، ونَصَحني عَدَدٌ مِن أفاضِلِ الأَمَاجِد، وَواجَهَني بالنُّصْحِ أكثرُ مِن مُحِبٍّ حامِد -قائِلين-:


لماذا تتكلّمُ و (هم!) لا يتكلّمون؟!


لماذا لا تسكُتُ كما (هم!) يسكُتُون؟!


لماذا تُواجِهُ و (هم!) لا يُواجِهون؟!


ولماذا لا تكونُ كما (هم!) يكونون؟!


أليسَ فيما تصنَعُ تعرُّضٌ لِمَخاطِرَ فوقَ القُدرَةِ والطاقَةِ؟!


فكان جوابي -بحقِّ صوابي-:


شكراً لكم -كثيراً- أيُّها الإخوةُ المأمونون...


وَأسْأَلُ اللهَ -تعالى- أن يجزيَكم عَنِّي خَيْراً؛ جزاءَ ما أنتُم عليهِ حريصون.


ولكنْ:


إنِّي -واللهِ- أعذِرُكُم فيما أنتُم له قائِلون، وما أنتم به قائِمون..


فالأمرُ -حقًّا- جَلَل...


والشأْنُ -فِعلاً- عَسِر...


ولو وَجَدْتُ -ورَبِّ الكعبةِ- مَن يحملُ هذا الهَمَّ -والغَمَّ- عَنّي: لوَقَفْتُ، وَتَوَقَّفْتُ...


لأنَّها -واللهِ- فِتْنَةٌ عَمْياء، ومُصِيبَةٌ دَهْياء...


ولكنْ، ثَمَّةَ بَيَانٌ:


أَمَّا عن شخصي -بِنَفْسي-: فالجميعُ (!) يعرفونَ مَنْهَجي، ورَأْيي، وتَوَجُّهِي، وأفكاري، وتصوُّراتِي؛ الأحِبَّةُ والأعداءُ، الموافقُ والمُفارِقُ، الرَّسميُّ والشعبيُّ، القديمُ والحديثُ...


فليس ما عِنْدي -مِمَّا أذْكُرُه وأُكَرِّرُه- شَأْناً جديداً، أو أمْراً حادِثاً؛ بل هو مَعْروفٌ عَنِّي، مَفْهومٌ مِنِّي -منذ قديمٍ قديم-...


وليس مِن أَحَدٍ -كائِناً مَن كانَ-كيفما كان!-واللهُ يشهَدُ في عالي سَماه- يَضْغَطُ عَلَيَّ، أو يُجبِرُني، أو يَقْهَرُني: على أمرٍ لا أُريدُه، أو قولٍ لا أعتَقِدُه...


وعليه:


فلو سَكَتُّ -كما يسكُتُ الكثيرون (!)، وَأَهْمَلْتُ كما يُهمِلُ (!) الأكثَرونَ -لَمَا تَغَيَّر مِن حالي القديمِ أو الجديدِ- وهُما سِيَّانِ- فِيَّ - شيءٌ!!


بل لَصِرْتُ كمِثْلِ أولئك (!) -سواءً بسواءٍ-؛ لأَنْأى بنفسي عنِ المواجَهة، وأُبعِدَها عنِ المصادمَة، وأرْضَى بالسَّلامة!


لكنْ...


هل -هكذا-باللهِ- تنتهي القضِيَّة؟!


وهل هذا -كذلِك- واجِبُ حَمَلَةِ العِلمِ الشريفِ تُجاهَ ما يَجْري ضِدَّ دعوةِ الحقِّ النقِيَّة -السَّلَفيَّة- ؟!


لا -وَرَبِّ مُحَمَّدٍ-؛ إنَّ السُّكوتَ -والسُّكونَ !-في هذا المقامِ- لا ينصُرانِ سُنَّة، ولا يكسِران بدعة!


بل لو عُكِسَ الأمرُ -لِتَنْقَلِبَ النتيجةُ!- لكانَ هذا -بِذَا- أقربَ للواقِعِ!


وللأسَفِ الشديد..


إنَّ الأمرَ -في الصّمتِ والكلام-فيما نحنُ فيه!- أعظَمُ مِن أنْ يكونَ مُجَرَّدَ قضِيَّةٍ شخصِيَّة، أومَصْلَحَةٍ ذاتِيَّة، يُرادُ بِها موقِعٌ! أو يُطْمَعُ لها بِنَجاةٍ!!


فالأُمورُ -كلُّها-بِيَدِ اللهِ-تعالى-؛ يرفعُ ويَخْفِضُ، وَيُعِزُّ ويُذِلُّ...


وواللهِ -الّذي لا يُحلَفُ إلا بجلالِه- إنّما نقولُ ما نقولُ، ونفعلُ ما نفعلُ: ابتغاءَ رحمةِ اللهِ، وطَمَعاً في رِضاه -جَلَّ في عُلاه، وعَظُمَ في عالي سَماه-؛ حِفاظاً على دعوةِ الحقّ، ومُحافظةً على كِيانِ أفاضِلِ الخَلْق...


فإذا انْحَرَفَتْ نِيَّاتُنا عن شيءٍ مِن ذلك -قَلَّ أو كَثُرَ-: فاللهُ المسدِّدُ لها -ولنا- إلى النَّهْجِ القويم، وصِراطِ الله المُستقيم...


{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسي...}{وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ..}


فالشأنُ -إذَنْ -كِبَراً، وعَظَمةً- مُتَعَلِّقٌ بهذهِ الدعوةِ السلفيّةِ النقِيَّةِ؛ الّتي يُراد تشويهُ صورتِها، وتغييرُ ملامِحِها، وسَلْخُها مِن عُلمائِها، وتبديلُ حقائِقِها، وَطَمْسُ تاريخِها...


لِيَصِلَ ذلك -ولو بعد حينٍ!- إلى أنْ تؤولَ صورةُ الإسلام الحقِّ- الذي هو لُبُّ لُبابِ دعوتنا السلفيَّة المباركة- مَسْخاً شنيعاً -فَظيعاً مُريعاً-؛ لا يقبَلُهُ كثيرٌ مِن الناس، بل تردُّهُ سائرُ الطوائفِ والأجناس، وتُحْبَسُ أمامَهُ الأنفاس، ويَنفُرُ مِن بين يديه عُقلاءُ الأكياس...


أمّا أهلُ الكفر، وأهلُ الفُجور، وأهلُ الباطِل؛ فواللهِ -الّذي لا رَبَّ سِواه- ليس لأكبَرِهِم (!) عِندي أقلُّ تَقْدير -ولو كَنَقِيرٍ أو قِطْمير-!


فَأَسْأَلُ:


هلِ الإسلامُ -والدعوةُ السَّلَفيَّةُ جَذْرُهُ- دينُ بَغْيٍ وظُلْمٍ؟!


هلِ الإسلامُ -والدعوةُ السَّلَفِيَّةُ شِعارُهُ- دينُ تعَدٍّ وقتلٍ أَعمى؟!


هلِ الإسلامُ -والدعوةُ السَّلَفِيَّةُ حَقُّه- دينُ تفجيرٍ، وتدميرٍ؟!


هلِ الإسلامُ -والدعوةُ السَّلَفِيَّةُ صورتُهُ- دينُ تكفيرٍ مُنفَلِتٍ، وغُلُوٍّ أرعَنَ؟!


إنَّ السُّكوتَ -اليومَ- عن إيضاح الحقّ، وتوضيحِ الحقيقةِ: كفيلٌ بأنْ يجعلَ صورةَ دينِنا الحنيفِ-الذي أعناقُنا دُونه- كهذه الصورةِ المُظلمةِ الظالمةِ -شناعةً وبشاعةً-!!


فهل يَجوزُ السُّكوتُ؟!


وهل يَصْلُحُ الصَّمْتُ؟!


... وَإِنِّي لأعلمُ -جيِّداً- أنَّ هذا الإيضاحَ، وذلك التوضيحَ -مُواجهةً- سَيُؤَدِّيانِ إلى استعداءِ الدَّهْماء، وَعِداءِ ذوي العُقُول الهَوْجاء!!!


وعليهِ:


أليس مِن ميزان الحقِّ -وفيهِ- أن تذوبَ شُخوصُنا صِيَانَةً -وحِمَايَةً- لِدينِنا؟!


أليس في ميزانِ الحقِّ -ومِنه- أن نُدافِع عن إسلامِنا -بنقائِهِ وصفائِه- ولو على حِسابِ أنفُسِنا؛ التي هي مِلْكُ رَبِّنا -سُبحانَه-؟!


نَعَم؛ سيُغضِبُ هذا -مِنّا- كثيرين مِن غَيْرِنا؛ لِيُطَيِّروا -بسبَبِهِ- الظُّنونَ فينا؛ فَضْلاً عَن التُّهَم -الّتي كثيرٌ منا جاهِز(1)- والدَّعاوى!!


بل قد ينقَلِبُ ذلك -مِن أكثَرِهِم!- إلى كُرْهٍ، وعِداءٍ، وبراءَةٍ، ومَكْرٍ، وتربُّصٍ!!


كُلُّ ذلك خِلافاً للحقِّ، ومُخالَفَةً للهُدى، ومُناقَضَةً لأهلِه...


فأينَ انتسابُهُم للحقّ؟!


وأينَ مُطالبَتُهُم بالشرع؟!


وأينَ موقِعُهُم مِن الصدق؟!


{كَبُرَ مَقْتَاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ}...


فَلْيَغْضَبُوا -إذاً-ما شاؤوا أن يغضبوا-؛ ما دامَ أنّنا نُرضي رَبَّنا، ونحفظُ دينَنَا، ونَصُونَ أُمَّتَنا...


فَلْيَغْضَبُوا -إِذاً- ما شاءُوا أنْ يغْضَبُوا-؛ ما دامَ أنَّهم يُخالفُون الحقَّ، ويتلبَّسُون بالجهلِ، ويَمْرُدُون على حقائق العلم..


وإنْ كان وُدُّنا ورغبتُنا -ورَبِّ الإسلام-: أَنْ يَفْهَموا، ويستَوْعِبوا، وَيُدْرِكوا، وَيَتَأَنَّوْا....


فهل هُم فاعِلون؟!


هذا ما نرجوهُ...


وهذا ما نَتَأَمَّلُهُ...


فالاستمرارُ -فيما هُم فيه- مَزيدُ بلاء...


والتراجُعُ -عمّا هُم عليه- حَقْنُ دِماء...


فأيُّ الصِّنْفَيْنِ أهدى سبيلاً، وأقْوَمُ قِيلاً؟!!


وواللهِ، وتاللهِ، وباللهِ:


لقد فَتَحْتُ عَيْني -مُنْذُ أوّلِ أمْرِي- على التوحيدِ الحقِّ، والسُّنَّةِ المَحْضَةِ؛ لم أتلَبَّسْ بشيءٍ يُخالِفُهُما، أو أمرٍ يُناقِضُهُما -إلى هذهِ السَّاعَةِ (2)- بحمدِ الله وتوفيقِه-...


نَعَم؛ أنا بَشَرٌ مِن البَشَر -بل كَأَقَلِّ البشر-؛ أُخْطئُ وأُصيبُ، أجهلُ وأعلمُ...


ولكِنِّي -بِمِنَّةِ الله- لا أعلَمُ مِن نفسي -واللهُ الحافِظُ- استِكباراً عن حقّ، ولا مُجادلةً في باطل، ولا مُجالَدَةً عن مُبْطِل...


فَمَنْ عِنْدَهُ شيءٌ عَلَيَّ -بالبَيِّنَةِ والحُجَّةِ- فَلْيُبدِهِ لِيَ -اليَوْمَ-؛ وإلاّ:


فأُطالِبُهُ بِه{يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ}...


وأقتَصُّ منه يَوْمَ «يُقتَصُّ للشاةِ الجَمَّاء مِن الشاةِ القَرْناء»(3)...


فكيف بِمَن هُم -عند اللهِ- مِنْ عِبادِهِ الكُرَماء؟!


واللَّهُ -تعالى- يقولُ: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم}؛ فالأَمرُ -إذاً- أعظمُ وأجَلُّ -بِلا أدنى استِثناء-...


هذا هُوَ طريقُ الحقّ، ومنهجُ أهلِ الحقّ، وسبيلُ الدُّعاةِ إلى الحقّ...


فَأيًّا ما كـان الأَمْرُ؛ فإنَّ مُخالَفَةَ (أولئكَ!) لهؤلاءِ: لن تعودَ بالسُّوءِ إلاّ على أنفُسِهِم، ولن تَرجِعَ بالثُّبُورِ إلاّ على ذَواتِهِم...


ولا يَحْسَبوا -فِي غَمْرَةِ سَفَهِهِمْ- أنَّ نهايةَ الأَمْرِ هو هذه الدُّنيا -فقط-!


ولا يتوهَّموا -في خِضَمِّ اسْتِعْلاَئِهم- أنَّ آراءَهُم هي عَيْنُ ما عِندَ الله!!


بل قد يكونُ الحقُّ -وهذا هو الحقُّ- على خِلافِ ما هُم عليه-؛ وإنْ توهَّموا وحَسَبُوا غير ذلك!!


فهُم يُخالِفونَ جِبالَ العلم، وفُحولَ السنَّةِ، وأئِمَّةَ الدِّين!


فحسبكموا هذا التفاوتُ بيننا وكُلُّ إناءٍ بالذي فيه يَنْضَحُ


ويا لَيْتَ لو أنَّ الأَمْرَ وَقَفَ عند المُخالفةِ -ولو بِجهلٍ!-لَهَانَ إذاً الأمرُ-على شِدَّتِهِ!-.


لكنّهُم يُخالِفون، ويطعُنون، ويغمِزون، ويُجَرِّحون...


بل يكذِبون -وَلِلأَسَفِ- ويَفْتَرون!!


{أَفَلا يَعْقِلُون}؟!


ولا أساسَ لَهُم -فيما عنه يَصْدُرونَ ويَرِدُون= إلاّ الظنُّ والتَّخْمين، والبُعْدُ عن التثبُّتِ واليَقِين، و: «الظَّنُّ أكذبُ الحديثِ» (4).


إنّها -واللهِ-يا قومِ- مُواجَهَةٌ خَطِرَةٌ...


وليس خَطَرُها -فقط- في دماءٍ تَسيل، أو غَدْرٍ أَثيم، أو طعْنٍ قَمِيء!!


لا.. وألفُ لا...


الأمرُ -واللهِ- أدهى وأَمَرُّ..


وَأَسْوَأُ وَأَضَرُّ..


إنّه شأنُ أُمّةِ إسلامٍ، وأَمرُ دين...


{واللهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمين}..


.... وساعَتَئِذٍ؛ يَهُونُ كُلُّ أَمْرٍ، وَيَطِيبُ كُلُّ مُرٍّ، وَيَسْهُلُ كُلُّ صَعْبٍ...


و «مَن أحبَّ لقاءَ اللهِ أحبَّ اللهُ لِقاءَه» (5).


{رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وأنت خيرُ الوارِثين}..


وَبَعْدُ:


أفَلَيْسَ لِي عذرٌ شَرْعيٌّ واضحٌ -فيما أنا بِصَدَدِه مِن فعلٍ وقولٍ-؟!


ألا يحقُّ لِمُرتاحِ الضَّميرِ، هادئِ البالِ، رضِيِّ النفسِ -ونَسْأَلُ اللهَ أن نكونَهُ- أن يتمثَّلَ -بِهذا- قولَ القائل :


فيا موتُ زُرْ إنَّ الحياةَ مريرةٌ ويا نفسُ جِدِّي إنَّ دهرَكِ هازِلُ


والأحسنُ منه -شرعاً- الإرشادُ النبويُّ الشريفُ:


«اللهمَّ أَحْيِنِي مَا كَانتِ الحياةُ خيراً لي، وتوفَّني إذا كانتِ الوفاةُ خيراً لي» (6).


وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ للَّهِ ربِّ العالمين.


وصلَّى اللَّهُ وسلَّم، وبارَك، على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آلِه، وصحبِه


-أجمعين- .


ــــــــــــــ


(1) لكنْ: غير جائِز!


(2) سائِلاًً ربّي -سبحانَهُ- الثباتَ، وحُسنَ الخِتام.


(3) رواه أحمد (7204)، والترمذي (2420) ، وابن حِبّان (7319) عن أبي هُريرة.


وصحّحهُ شيخُنا الإمامُ الألبانيُّ -رحمه اللَّه- في «صحيح الأدب المُفرَد» (136).


(4) رواه البخارِيُّ (6066)، ومسلم (2563) عن أبي هُريرة، عن النبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-.


(5) رواه مسلم (2684) عن عائشة، عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم-.


(6) رواه مسلم (2680) عن أنس.


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127