الشيخ سلطان بن عبدالرحمن العيد

تاريخ البيت الحرام - الشيخ سلطان العيد

أضيف بتاريخ : 27 / 09 / 2009
                                



تاريخ البيت الحرام 

معاشر المؤمنين : هذا شيئٌ من تاريخ البيت العتيق، وأماكن العبادة هناك ومكانتها .. هناك عند الكعبة المعظَّمة، و زمزم والمقام .. هناك تاريخ شريف ومجد منيف لكم يا أهل التوحيد ...


 


تاريخ البيت الحرام


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله ألا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده و رسوله، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها و بث منهما رجالا كثيرا و نساء و اتقوا الله الذي تساءلون به و الأرحام إن الله كان عليكم رقيباً * يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم و يغفر لكم ذنوبكم و من يطع الله و رسوله فقد فاز فوزا عظيما) أما بعد :


معاشر المؤمنين : يقول ربنا سبحانه و تعالى في محكم التنزيل : (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس و الشهر الحرام و الهدي والقلائد  ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض و أن الله بكل شيئ عليم ) .


·         منزلة مكة ..


مكة خير أرض الله .. وأحب أرض الله إلى الله  .. حرَّمها الله يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، بها قبلة المسلمين ومشاعر حجهم ومجمع وفودهم ومأوى أفئدتهم؛ استجابة من الله سبحانه و تعالى لدعاء الخليل عليه السلام : ( فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ) .


ولحرمة البيت العتيق وتعظيمه : جعل الله ما حوله حرما آمناً، لا يختلى خلاه، ولا يقطع شجره، ولا ينفر صيده، ولا تحل لقطته إلا لمن يعرفها، ومن دخله كان آمنا، وجعلت الصلاة فيه بمائة ألف صلاة؛ ليعلم الناس فضل الحرم على غيره .


و أقسم الله بهذه البلدة؛ لينبه على عظمة قدرها فقال: (لا أقسم بهذا البلد) و لهذا قال رسولنا محمد صلى الله عليه و سلم :« و الله إنك لخير أرض الله و أحب أرض الله  إلى الله و لولا أني أخرجت منك ما خرجت» خرجه الإمام أحمد و غيره


ولما فتح الله على رسوله صلى الله عليه و سلم مكة قام عليه الصلاة والسلام في الناس فحمد الله و أثنى عليه ثم قال :« إن الله حبس عن مكة الفيل و سلط عليها رسوله و المؤمنين و إنها لم تحل لأحد كان قبلي و إنها أحلت لي ساعة من نهار و إنها لن تحل لأحد بعدي» .


معاشر المؤمنين : هذا شيئٌ من تاريخ البيت العتيق، وأماكن العبادة هناك ومكانتها .. هناك عند الكعبة المعظَّمة، و زمزم والمقام .. هناك تاريخ شريف ومجد منيف لكم يا أهل التوحيد


يَـحِنُّ إلى أرضِ الحجازِ فُؤادي *** و يَـحدو اشتياقي نحو مكة حادي


 ولـي أملٌ ما زال يسمو بهمَّتي *** إلى البلدة الغرَّاء خير بــــلاد


·         أسماء مكة :


هذا البلد الشريف والحرم المنيف له أسماء كثيرة، سماها الله في كتابه بأسماء منها : مكة؛ كما في قوله جل وعلى : ( وهو الذي كف أيديهم عنكم و أيديكم عنهم  ببطن مكة ) .


وسماها بكَّة : (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً و هدى للعالمين ) .


وسماها البلد : ( لا أقسم بهذا البلد ) .


وسماها أم القرى في قوله سبحانه و تعالى : ( و لتنذر أم القرى و من حولها ) .


وتعدد أسمائها يدل على عظمها وشرفها .


·         الحرم :


وقد جعل الله لهذا الحرم حدوداً و علامات، فأول من نصب حدود الحرم و أعلامه : إبراهيم الخليل عليه السلام، ثم جددها أهل الإسلام في زمن عمر رضي الله عنه وغيره؛ قال الله سبحانه و تعالى : ( من دخله كان آمناً) يعني حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء و كذلك كان الأمر في الجاهلية كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه في الحرم فلا يهيجه حتى يخرج .


وكذلك الحسنات و السيئات تعظم في الحرم الشريف، فمن فضائل هذا الحرم : أن الصلاة تضاعف فيه ويعظم أجرها كما تقدم؛ فعن جابر رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :« صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام و صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة» . قال العلامة ابن جاسر في منسكه «مفيد الأنام» بعد أن أورد حديث جابر هذا :  حسبنا ذلك فوجدنا صلاة واحدة في المسجد الحرام عن ستٍّ وخمسين سنة وستة أشهر إلا يوماً واحدا، وحسبنا صلاة يوم و ليلة في المسجد الحرام فوجدناها عن مائتي سنة واثنتين وثمانين سنة وستة أشهر إلا خمسة أيام .. فحق لمثل هذا الحرم الشريف أن تشد إليه الرحال وتتلف فيه أنفس الرجال، فضلا عن الأموال .  انتهى كلامه


ثبت عن عمر رضي الله عنه أن لما رأى البيت الحرام قال : اللهم أنت السلام و منك السلام فحينا ربنا بالسلام .


·         الكعبة :


و أما الكعبة : فقد سماها الله سبحانه و تعالى بذلك في كتابه قال ربنا جل و علا : (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس و الشهر الحرام و الهدي و القلائد ) .


و ذكر الله سبحانه و تعالى ما شرف به الخليل إبراهيم عليه السلام من بناء البيت و الدعوة إلى حجه فقال جل جلاله : (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا و طهر بيتي  للطائفين و القائمين و الركع السجود و أذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً و على كل ضامر يأتين من كل فج عميق) . 


وكان من دعاء الرسولين الكريمين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام عند بناء الكعبة ما ذكره ربنا في سورة البقرة قال الله جل و علا : (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) .


وكان الخليل إبراهيم عليه السلام يعلم حرمة البيت قبل رفع قواعده وذلك أنه لما قدم بابنه إسماعيل مع أمه هاجر بأمر من ربنا جل جلاله وتركهما هناك بواد لا أنيس به ولا أحد فلما تركهما و انصرف راجعا إلى بلده أخذه ما يأخذ الوالد فدعا ربه بهذه الدعوات : ( رب إني تركت أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم و ارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ) فجرى لهاجر بعد ذلك ما هو معلوم من فقد الماء والطعام  فسعت بين الصفا والمروة تنظر هل من مغيث، فأرسل الله إليها الملك فضرب الأرض عند قدم إسماعيل و فجَّر لها عين زمزم، وعمرت تلك العرصات بعدُ بالتوحيد والصلوات، ثم بنتها قريش قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت السيول قد أثرت في بنيانها ثم احترقت كسوتها على ما ذكره أهل التاريخ فخشيت قريش من سقوط جدرانها و عزمت على بنائها، واشترطوا النفقة الحلال وأعانهم رسول الله  صلى الله عليه وسلم، فكان يحمل الحجارة معهم، فبنوها حتى بلغ البنيان موضع الحجر الأسود فاختصموا فيه كل قبيلة تريد رفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى اختلفوا وأعدوا للقتال  ثم تكلم ذووا الرئي منهم فقالوا : إنما أردتم البر وتعظيم بيت الله جل وعلا، فحكِّموا بينكم أول داخل من باب هذا المسجد، فرضوا ودخل عليهم أولاً رسول الله  صلى الله عليه وسلم،  فلما رأوه قالوا : هذا الأمين، رضينا به، فأمر رسول الله صلى الله عليه بثوب فأتي به فوضع الركن عليه بيده، ثم قال : لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا حتى إذا بلغوا موضعه وضعه هو بيده الشريفة صلى الله عليه و سلم و بارك عليه،  ثم أتمت قريش بناء الكعبة و قصرت بهم النفقة عن إتمامها على قواعد إبراهيم عليه السلام، فأخرجوا منها بضعة أذرع و بنوا الحجر عليها لئلا يطوف من داخل قواعد إبراهيم أحد .


في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لها : (ألم تري أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم ؟ فقالت رضي الله عنها : ألا تردها على قواعد إبراهيم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : «لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت» وقالت عائشة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه و سلم : ما شأن بابها أي الكعبة مرتفعاً ؟ فقال صلى الله عليه و سلم :«فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا و يمنعوا من شاءوا» و قال عليه الصلاة و السلام :«لولا أن قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة و جعلت لها بابين باب يدخل منه الناس و باب يخرجون منه» .


فلما احتمى عبدالله بن الزبير و جرى بينه و بين جيش يزيد بقيادة حصين بن نمير ما جرى و أصيبت  الكعبة، وبعده استتب الأمر لابن الزبير فعل ما كان يريده رسول الله  صلى الله عليه وسلم؛ فهدم الكعبة و بناها على قواعد إبراهيم، وأدخل الحجر في البيت، وجعل لها باب شرقياً وباباً غربياً، فلما فرغ من بناءها طيبها من داخلها وخارجها، واعتمر هو و أهل مكة من التنعيم؛ شكراً لله سبحانه و تعالى، خرجوا مشاة و عادوا مشاة، و لم ير يوم كان أكثر عتيقاً من ذلك اليوم، و نحر ابن الزبير مائة بدنة.


فلما قتل ابن الزبير رحمه الله، دخل الحجاج بن يوسف مكة و أمره الخليفة عبدالملك بن مروان بإعادة الكعبة على ما بنته قريش، ثم علم عبدالملك بحديث عائشة رضي الله عنها و ما كان يريده رسول الله صلى الله عليه و سلم فندم و تمنى لو تركها على بناء ابن الزبير، ولله الأمر من قبل و من بعد .


و في زمن الإمام مالك إمام دار الهجرة - رحمه الله و غفر له- استشاره الخليفة في هدم الكعبة و بناءها على قواعد إبراهيم فنهاه الإمام مالك و قال: يا أمير المؤمنين أخشى أن تكون ملعبة للملوك . فتركت على ذلك إلى يومنا.


وفي سنة 1039 هـ جاء سيل عظيم و دخل الحرم المكي، وسقط منه جدار الكعبة؛ فأمر السلطان العثماني مراد الرابع بتعمير الكعبة وأنفق أموالاً طائلة على ذلك، فعملوا فيها عاماً وخمسة أيام حتى تم بناءها، وهي على بنائه إلى يومنا، قد مضى على ذلك أربعمائة عام تقريباً .


ومما جرى للكعبة في زماننا هذا : ما وقع في آخر شهر محرم سنة 1351 هـ و ذلك أنه جاء رجل فارسي فاقتلع قطعة من الحجر الأسود وسرق قطعة من ستارة الكعبة، فقبض عليه وقتل؛ لإنتهاكه حرمة بيت الله سبحانه و تعالى .


وأمر الملك عبدالعزيز مؤسس هذه البلاد - رحمه الله- بعمل ما يلزم لإعادة القطعة إلى مكانها، فأعد المهندسون ما يلزم لتثبيتها، وتشرف الملك عبدالعزيز فكان هو الذي أخذ تلك القطعة من الحجر الأسود ووضعها في محلها.


وكان من مفاخره أيضاً : توحيد المسلمين كلهم عند الكعبة المشرفة خلف إمام واحد، بعد أن كانت الجماعة تقام أربعة مرات لكل صلاة، حسب اختلاف المذاهب الفقهية، فوحَّد رحمه الله -بثاقب بصره وحكمته- وحَّد المصلين على إمام واحد وألغى ذلك الشذوذ .


وكان له رحمه الله إصلاحات وزيادات على المسجد الحرام، و سار على هذا أبناءه الملوك من بعده إلى زمننا هذا، فكانت التوسعة الكبرى على يد الملك الراحل فهد خادم الحرمين الشريفين، وقد ضاعفت التوسعات السعودية مساحة المسجد الحرام تسع مرات عما كان عليه، فحصل من العناية والإتقان والخدمة للبيت الحرام ما يبهج قلوب الموحدين، وهي و الله ليست مفخرة للولاة فحسب بل هي والله شرف لهم و لكل من أعانهم  بل ولأمة الإسلام كلها، و هي ترى البيت الحرام وهو على هذه الحال التي تسر الناظرين وتغيض المنافقين، فحصل للحجاج والمعتمرين من الخدمة والعناية ما هم جديرون به .


وكان من مآثر ملكنا الراحل - غفر الله له- ترميم الكعبة من الداخل والخارج وعمل سقف جديد لها بأرقى الطرق وأجودها و بدء في ذلك بعد حج عام 1414 للهجرة وعمل للكعبة السقف المتقدم وغطي سقفها بالرخام وعمل لها ميزاب جديد وجدد رخام الشاذروان واستبدل رخام الحجر وتم الإنتهاء من ذلك بتوفيق من الله سبحانه و تعالى في شهر شعبان في سنة 1418 للهجرة فالحمدلله أولاً و آخراً و ظاهراً و باطناً .


ومما حدث به رسول الله صلى الله عليه و سلم ما سيجري عند ذلك البيت المحرم : تخريب الحبشة له؛ خرَّج الإمام البخاري في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال :« يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» . وقال عليه الصلاة و السلام :«ثم تأتي الحبشة فيخربونه خراباً لا يعمر بعده أبداً و هم الذين يستخرجون كنزه» . خرجه الإمام أحمد .


 وهذا و الله أعلم إنما يقع في آخر الزمان قرب قيام الساعة حين لا يبقى على وجه الأرض أحد من أهل الإسلام؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :« لا يعمر بعده أبداً»  فليس بعد هدمه إلى قيام الساعة والله المستعان .


كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لقريش : إنه كان ولاة هذا البيت قبلكم طسم فاستخفوا بحقه و استحلوا حرمته فأهلكهم الله سبحانه و تعالى ثم وليته بعدهم جرهم فاستخفوا بحقه و استحلوا حرمته فأهلكهم الله جل و علا فلا تهاونوا به و عظموا حرمته هاهوا مضاض بن عمرو وقومه من جرهم يخرجون من الحرم إلى اليمن بعد أن كانوا بالحرم ملوكاً وذلك  أن عمرو بن لحي بعد أن تولى مكة قال لا يدخل مكة جرهمي فخرجوا منها و منهم من الحزن و الأسى مالله به عليم؛ و قال مضاض في ذلك :


كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا *** أنيس و لم يسمر بمكة سامر


 بلى نحن كنا أهلها فأبادنا *** صروف الليالي و الجدود  العواثر


و أبدلنا منها الأسى دار غربة *** بها الذئب يعوي والعدو محاصر


و كنا لإسماعيل صهراً وجيرة *** فأبنائه منا ونحن الأصاهر


و كنا ولاة البيت من بعد نابت *** نطوف بهذا البيت والخير ظاهر


فأخرجنا منها المليك بقدرة *** كذلك يا آل الناس تجري المقادر


و صرنا أحاديث الناس وكنا بغبطة *** كذلك عضتنا السنون الغوابر


و سحت دموع العين تجري بحرقة *** إلى بلدة بها حرم البيت و فيها المشاعر


صدق الله جل و علا حين قال : ( و من يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم )؛ هاهو أبرهة لما أراد فيه بسوء أهلكه الله وجنوده وجعلهم عبرة للعالمين : (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين و إن ربك لهو العزيز الرحيم ) .


اتقوا الله معاشر الحجاج و المعتمرين ويا أهيل الحرم وعظموا حرم الله و بيته العتيق : (ذلك و من يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه ) .


و مما ينبه عليه فيما يتعلق بالكعبة المعظمة : بطلان ما يقال أن الطير لا يعلو عليها ولا يقع عليها إلا أن يكون مريضاً فيستشفي، فهذا الكلام باطل يكذبه الواقع و المشاهدة، وممن أبطل ذلك المؤرخ الكردي في تاريخه عن مكة المعظمة .


·         الملتزم :


معاشر المؤمنين : من الكعبة المعظمة : الملتزم، وهو ما بين الحجر الأسود و الباب فللمسلم أن يلتزم ما بين الحجر الأسود و باب الكعبة فيضع وجهه ويديه صدره وذراعيه عليه ويدعو؛ وكان ابن عباس رضي الله عنهما يلزم ما بين الباب و الركن و يقول : ما بين الركن و الباب يدعى الملتزم لا يلزم ما بينهما أحد يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه. قال ابن القيم  عن وقوفه رسول الله صلى الله عليه بالملتزم : فالذي روي عنه صلى الله عليه و سلم أنه فعله يوم الفتح؛ ففي سنن أبي داوود عن عبدالرحمن بن صفوان رضي الله عنه قال : لما فتح رسول الله صلى الله عليه و سلم مكة انطلقت فرأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم قد خرج من الكعبة هو و أصحابه و قد استلموا الركن من الباب إلى الحطيم ووضعوا خدودهم على البيت و رسول الله صلى الله عليه و سلم وسطهم .


قال العلامة الألباني : ثبت ذلك عن الرسول صلى الله عليه و سلم و جمع من الصحابة . وقال الأزرقي رحمه الله في تاريخه : الملتزم و المدَّعى و المتعوَّذ ما بين الحجر الأسود و الباب وذرعه أربعة أذرع .


و عُلم منه خطأ من يلتزم ما تحت الباب أو يلتزم سائر جدران الكعبة فإن هذا لا دليل عليه؛ ذكر العلامة ابن جاسر غفر الله له : أن الإلتزام للقادم قد يكون من باب الإشتياق للبيت بعد الغربة عنه، وللمودع أيضاً؛ لأنه سيفارقه و قد يكون الإلتزام من باب الذل والخضوع بين يدي الله في هذا المقام الشريف على حسب نية الملتزم وقصده، ومن الضلال الإلتزام بقصد التبرك والإستشفاء بالكعبة . اهـ


·         الحجر الأسود :


و من الكعبة : الحجر الأسود، و قد نزل من الجنة وهو أشد بياضاً من اللبن، فسوَّدته خطايا بني آدم، و في استلامه فضل عظيم و هدي كريم و اتباع لهديه صلى الله عليه و سلم؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال الرسول صلى الله عليه و سلم في الحجر :« والله ليبعثنه يوم القيامة له عينان يبصر بهما و لسان ينطق به يشهد على من استلمه بحق » خرجه الترمذي.


و من البدع : ما يفعله بعض الناس من المسح على الحجر ثم يمسح على وجهه وجسده وولده طلباً للبركة؛ ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه قبَّل الحجر الأسود وقال:  إني لأعلم أنك حجر لا تضر و لا تنفع و لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقبلك ما قبلتك.


فالسنة استلامه و تقبيله إن تيسر، ويقول : بسم الله والله أكبر، فإن لم يتيسر له استلامه أشار إليه و يقول : بسم الله و الله أكبر.


ويحرم على المسلم إيذاء المسلمين عند استلامه أو في غير ذلك من مناسك الحج وليحذر دعوة المظلوم فإنه ليس بينها و بين الله حجاب، وليعتذر لإخوانه؛ لأن من دفعه مدفوع أيضاً  لاحيلة له؛ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( يا عمر إنك رجل قوي فلا تؤذي الضعيف إن أردت استلام الحجر فإن خلا لك فاستلمه و إن لا فاستقبله و كبر ) أخرجه الشافعي و أحمد و غيرهما و قال الألباني : وهو حديث قوي .


·         سدنة النبيت الحرام :


وأما سدانة البيت فهي في بني شيبة قديماً، وبقيت السدانة فيهم إلى يومنا هذا في الشيبين؛ قال الله جل و علا : (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) قال ابن كثير : ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة حاجب الكعبة المعظمة، وهو ابن عم شيبة ابن عثمان الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم، وسبب نزولها فيه : لما أخذ منه رسول الله صلى الله عليه و سلم أخذ منه مفتاح الكعبة يوم الفتح ثم رده عليه .


و بعض الكذبة يدعي أن نسل بني شيبة حجبة البيت قد انقرض وهذا باطل لا دليل عليه، ورده العارفون بهذه الأمور، كالمؤرخ باسلامة في تاريخه عن الكعبة، فعطية رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسل الشيبين إلى يومنا .


·         الحجر :


ومن الكعبة : الحجر، وليس هو حجر إسماعيل عليه السلام، كما يسميه بعض العوام؛ لأن الذي بناه قريش لما قصرت بهم النفقة عن اتمام الكعبة على قواعد إبراهيم عليه السلام، ولم يكن موجوداً على زمن  اسماعيل عليه السلام، فبعض الحجر من الكعبة لا يجوز الطواف فيه، بل الطواف من وراءه، وزعمهم أن إسماعيل دفن فيه كذب لا دليل عليه لا من كتاب ولا سنة ولو كان ذلك ثابتاً لما جاز لنا أن نطأ موضع القبر؛ لأن الرسول صلى الله عليه و سلم نهى عن وطأ القبور والقعود عليها، وعند النسائي من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت : يا رسول ألا أدخل البيت تعني الكعبة قال صلى الله عليه و سلم : «أدخلي الحجر فإنه من البيت» .


·         زمزم :


وعند الكعبة بئر زمزم : زمزم وما أدراك ما زمزم، لا تنـزف و لا تذم، طعام من طُعم وشفاء من سُقم؛ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :« فرج عن سقف بيتي و أن بمكة فنزل جبرائيل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم» خرجه البخاري، فلو كان هناك ماءٌ أفضل من ماء زمزم لغسل به قلب النبي صلى الله عليه و سلم.


«ماء زمزم لما شرب له» هي شراب الأبرار، و هي كما في صحيح مسلم : (مباركة طعام طُعم) و من أسمائها سوى زمزم : الشَّبَّاعة وبرَّة وطيبة وبشرى وعونة وصافية ومضنونة وشراب الأبرار؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما : كنا نسميه شبَّاعة، نعم العون على العيال .


لما طاف رسول الله صلى الله عليه و سلم للقدوم ذهب إلى زمزم فشرب منها وصبَّ على رأسه ولما طاف للإفاضة قدم عليها وأخذ من بني عبد المطلب وشرب من ماء زمزم؛ قال المحب الطبري : فيه دليل على استحباب شرب للناسك من ماء زمزم .


·         مقام إبراهيم عليه السلام :


وآخر ذلك مقام إبراهيم عليه السلام الذي يشهد له بما قام من عمل عظيم، أما المقام : فقد ذكره الله سبحانه و تعالى في كتابه حيث قال  : (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً و هدى للعالمين فيه آيات بينات  مقام إبراهيم) قال مجاهد : أثر قدميه في المقام عليه السلام آية بينة .


قال الله جل و علا : ( و اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) و المراد منه : الحجر الذي كان إبراهيم عليه السلام يقوم عليه في بناء الكعبة لما ارتفع الجدار، فكان يقف عليه ويناوله ولده إسماعيل عليه السلام؛ فسُمِّي مقاماً؛ لقيامه عليه، وآثار قدميه كانت عليه واضحة بينة؛ قال أبو طالب في قصيدته المعروفة :


 وموضع  إبراهيم في الصخر رطبة *** على قدميه حافياً غير ناعل


والسنة للطائف : صلاة ركعتين عنده بعد الفراغ من الطواف؛ لفعل رسول الله صلى الله عليه و سلم .


ولا يشرع التمسح بالمقام ولا تقبيله؛ قال قتادة في قوله تعالى : ( و اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) إنما أمروا أن يصلوا عنده و لم يأمروا بمسحه .


و كان على المقام قبة من خشب لا يراه إلا من دخلها وهم قليل، ثم عمل لها الملك فيصل هذه القبة البلورية، فصار ظاهراً للناس يرون هذه الآية، والحمد لله رب العالمين .


·         وأما بنعمة ربك فحدِّث :


ومن نعم الله عز وجل على أهل الإسلام : تمكين دولة التوحيد من ولاية البلد الحرام، وقد تمَّ ضمُّ الحرمين الشرفين إلى الدولة السعودية السُّنية من عام ألف ومائتين وعشرين للهجرة تقريباً، وإلى يومنا بحمد الله، وإن كان قد جرى لهم في بعض السنين من الابتلاء وتسلط أهل الأهواء والبدع ما يرجى به تكفير السئيات ورفع الدرجات .. ولله الأمر من قبل ومن بعد .


·         من مآثر الدولة السعودية :


ولقد كان من أعظم وأجلَّ مآثر الدولة السعودية السلفية أمران، يعرفهما من اطَّلع  على تواريخ البلد الحرام، أما أحدهما : فهو أن ولاة الأمر من حين دخولهم البلد الحرام عام ألف ومائتين تقريباً على يد الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود وإلى يومنا أنهم يسعون إلى تثبيت الأمن وحماية الحجاج والمعتمرين وتأمين الطرق والسبل المؤدية إلي الحرمين، وقد تمَّ لهم ذلك بحمد الله : فاستتب الأمن وكثر الوافدون إلى الحرمين من كل فج عميق ما لا يشهد لمثله في التاريخ، فالحمد لله أولاً وأخراً .


وأما قبل ذلك : فقد كان الذهاب إلى الحج لا يتم إلا بشق الأنفس بل بذهاب كثير من الأنفس في أحايين كثيرة؛ لتسلط قطَّاع الطريق على حجاج بيت الله العتيق، ولا يجدون من يردعهم ويدفعهم، وقد ذكر شيئاً من ذلك المؤرخ الترُّكي إبراهيم باشا في كتابه «مرآة الحرمين»، وأورد مكاتبات الحجاج للخلفية العثماني؛ يطالبونه بتأمين سبل الحج وحماية قاصدي البيت الحرام، لكنه – كما قال المؤرخ- لم يحرك ساكناً ولم يغير واقعاً، لضعفه وصعوبة ذلك، وقد كانت دولته العثمانية آنذاك تلفظ أنفاسها، ثم سقطت ولم تقم لهم قائمة بعد ذلك .. فسبحان من لا يزول ملكه .


ثم منَّ الله على أهل الإسلام بهذه الدولة السلفية المباركة، فقامت بأمر الله في الأرض، بالدعوة إلى توحيد رب العالمين وسلوك منهج الأنبياء والمرسلين ومحاربة سبيل الضالين، فضربت بيد من حديد على كل مُعتد ظالم عنيد، وقضت على السلب والنهب وقطع الطريق، وأمنت سبل الحج إلى البيت العتيق، حتى أمن الناس على أموالهم وأنفسهم، فالحمد الله الذي أسبغ نعمه ظاهرة وباطنه، وهو الذي أطعمكم وآمنكم من خوف .


وأما الأمر الثاني من مآثر دولتنا ودعوتنا السلفية التي قام بها الإمامان المجددان لما اندرس من معالم الإسلام في هذه الجزيرة : محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود : فهي تطهير البيت الحرام؛ كما أمر الله (وطهرِّ بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) وأعظم ذلك : تطهيره من البدع والخرافات والشركيات التي خلفتها الدولة العثمانية، والتي كانت مغالية في التصوف البدعي الخرافي.


·         شهد شاهد من أهلها :


وإليك شهادة المؤرخ التركي إبراهيم باشا، وكان مقدما في حملة الحج، فألَّف كتابه (مرآة الحرمين) عن تلك الرحلة، وأورد فيه بعض أعمال آل عثمان البدعية عند بيت الله الحرام، فمن ذلك : بناؤهم القباب على قبور كثيرة منها، وجعلوها مزارات للحجاج والمعتمرينـ يتركبون بها ! ويطلبون المدد من أصحابها ! وينذرون لها ! وأورد لها صوراً فوتوغرافية لتكون شاهدة على مرَّ الزمان على آثارهم البدعية الخرافية .


فمما أورده : قبة ضخمة بُنيت على قبر آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند بيت الله الحرام، مع أنها دُفنت بالأبواء بين مكة والمدينة ؟!


وأورد أيضاً : قبة عظيمة بنيت على قبر ابي طالب، مع انه مات على الشرك ! وكان آخر قوله : (هو على ملة عبد المطلب) وأبى أن يقول (لا إله إلا الله) ونهى الله رسوله أن يستغفر له .. فكيف يبنون على قبره مزاراً لأهل الإسلام ؟! وأي استخفاف هذا بعقول المسلمين (ظلمات بعضها فوق بعض) .


وكذلك : بنو مشهداً عظيماً على قبر زعموا أنه لحواء؛ كما ذكر ذلك المؤرخ محمد طاهر كردي .


فلما آلت ولاية الحرمين الشريفين إلى الدولة السعودية السلفية نصحت لأهل الإسلام، ورفقت بالجهلة والمغرر بهم، وقامت بمشروع عظيم لتصحيح المعتقد، ونشر ما يمسى الآن بـ(الأمن الفكري) لعملها أنه لا يتحقق الأمن إلا بتوحيد الله عز وجل وإفراده بالعبادة؛ كما قال تعالى : (الذي آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم – أي : بشرك- أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) .


فبيَّن أهل العلم وأهل الحل والعقد أضرار هذه البدع والشركيات على الفرد والمجتمع، ومنافع تحقيق التوحيد، فاستجاب الناس من كل فجٍّ عميق، وأعان الله دولة التوحيد على دخول البلد الحرام فطهَّروه من درن الشرك وأزلوا مظاهر التخلف والرجعية والتحايل على عقيدة عوام المسلمين وجيوبهم، فجعلت تلك القبور على السنة، وعُمل بأمر رسول الله في ذلك حين قال لعلي بن أبي طالب : «أن لا تدع قبراً مشرفاً – أي : مرتفعاً ظاهراً- إلا سوَّيته» . وزجر دعاة الدروشة والخرافة والبدعة عن إضلال المسلمين، فكانت العاقبة : أمناً فكرياً في العقول واستقراراً في البلد الحرام وتوحيداً للملك العلاَّم .


وأختم بذكر شهادة مؤرخ حمل لواء العداء للدعوة السلفية الإصلاحية، لكن الله أنطقه بالحق، فصرح بما قامت به الدولة السعودية السلفية من تطهير حسي ومعنوي للبلد الحرام من مظاهر الشرك والخرافة والدجل والتلبس على المسلمين، يقول أحمد زيني في تاريخه بعد أن ذكر نجاح الدولة السعودية في تأمين السُّبل وإقامة الجماعة، ودخول البلد الحرام بقيادة الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود، فأمر هذا الإمام بهدم ما بناه العثمانيون من قباب على قبور الصالحين، استجابة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدمها؛ كما في صحيح مسلم، قال ابن زيني متوجعاً متفجعاً : فبادورا – أي : أهل التوحيد- ومعهم كثير من الناس، فهدموا أولاً ما في المعلى من القبب، فكانت كثيرة .. - ثم ذكر هدمهم قباباً أخرى سماها- ثم قال : فما مضى ثلاثة أيام إلا ومحو تلك الآثار . اهـ . يعني : الآثار التي ما أنزل الله بها من سلطان .


فالحمد لله الذي طهِّر حرمه، وأعز جنده، ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز .


 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


قام بتفريغ المادة أحد الإخوان جزاه الله خيراً وزاده من فضله 

 


الشيخ سلطان العيد


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127