الشيخ سلطان بن عبدالرحمن العيد

شهيد الدار - الشيخ سلطان العيد

أضيف بتاريخ : 27 / 09 / 2009
                                

شهيد الدار


فقد خرَّج الامام البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال : صعد النبي صلى الله عليه وسلم أحداً ومعه أبوبكر وعمر وعثمان، فرجف فقال صلى الله عليه وسلم:«اسكُن أحد، فليس عليك إلا نبيٌّ وصديقٌ وشهيدان».


وثبت في الصحيحين من حديث أبي موسي الأشعري رضي الله عنه أنه قال: كنتُ مع رسول الله  صلى الله عليه وسلم في حائط فأمرني بحفظ الباب، فجاء رجلٌ يستأذن فقلت: مَنْ هذا ؟ قال: أبو بكر، فقال صلى الله عليه وسلم: «ائذن له وبشره بالجنة»، ثم جاء عمر فقال: «ائذن له وبشره بالجنة»، ثم جاء عثمان فقال صلى الله عليه وسلم: «ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه»، فدخل عثمان رضي الله عنه وهو يقول: (اللهم صبراً، اللهم صبراً) وفي رواية أنه قال: (الله المستعان).


قال سعيد بن العاص:"إن عائشة وعثمان حدثاه، أن أبا بكر استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على فراشه لابسٌ مِرطَ عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضى إليه حاجته ثم انصرف، فاستأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال، فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنتُ عليه صلى الله عليه وسلم، فجلس وقال لعائشة: «اجمعي عليك ثيابك» قال: فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت، فقالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله! مالي لم أرك فزعت لإبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان؟! فقال صلى الله عليه وسلم: «إن عثمان رجل حييّ،وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحالة أن لا يبلغ إليَّ حاجته».


قال الليث: وقال جماعة الناس؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : «ألا استحي ممن تستحي منه الملائكة». خرَّجه الإمام أحمد، وخرَّج الإمام مسلم بعضه.


يقول ابن عمر رضي الله عنهما :" كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان" خرجه الإمام البخاري .


عثمان بن عفان أمير المؤمنين، ذو النورين، وصاحب الهجرتين، والمصلي إلى القبلتين، وزوج الابنتين رقية وأم كلثوم، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم، وأجمع على توليته الخلافة المهاجرون والأنصار؛ فكان ثالث الخلفاء الراشدين المأمور باتباعهم والإقتداء بهم.


عثمان رضي الله عنه «شهيد الدار» المقتول ظلماً، قتله دعاة الإصلاح المزعوم!، وأدعياء الجهاد الذي هو في حقيقته إفساد !


يقول كعب بن عُجرة رضي الله عنه: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة فقرَّبها -أي قال إن إتيانها قريب- قال: فمرَّ رجل مُقنِّع رأسه، فقال صلى الله عليه وسلم: «هذا يومئذ على الهدى» . قال كعب: فوثبتُ فأخذت بضبعي عثمان أي عضديه، ثم استقبلت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت: هذا ؟!، قال  صلى الله عليه وسلم: «هذا». خرجه ابن ماجة.


تقول عائشة رضي الله عنها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعثمان : «يا عثمان: إنْ ولاَّك الله هذا الأمر يوماً، فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمَّصك الله فلا تخلعه» يقول ذلك ثلاث مرات.


وقالت رضي الله عنها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه: «وددت أن عندي بعض أصحابي»، قلت: يا رسول الله، ألا ندعوا لك أبا بكر؟ فسكت صلى الله عليه وسلم، قلنا: ألا ندعوا لك عمر؟، فسكت صلى الله عليه وسلم، قلنا: ألا ندعوا لك عثمان؟ قال : «نعم» . فجاء عثمان فخلا به فجعل يكلمه، ووجه عثمان يتغير.


قال قيس: فحدثني أبو سهلة مولى عثمان؛ أن عثمان قال يوم الدار:"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إليَّ عهدٌ وأنا صائر إليه، أو قال: وأنا صابر عليه". قال قيس: فكانوا يرونه ذلك اليوم. خرجهما ابن ماجة.


يقول ابن عمر رضي الله عنهما: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة فقال :«يقتل فيها هذا مظلوماً» أي عثمان. خرجه الترمذي .


لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم  بعد أن بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، وبيَّن شرائع الإسلام، وخطب صلى الله عليه وسلم  في حجة الوداع فقال:« ألا هل بلغت ؟» قالوا : نعم، قال:« اللهم اشهد، اللهم اشهد»، ثم رجع إلى المدينة وتوفي بها، ودُفن بحجرة عائشة رضي الله عنها.


فتولى الأمر بعده الصديق أبو بكر رضي الله عنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكشف الله به الغمة عن الأمة زمن الردة، فلما حضره الأجل؛ عهد بالأمر من بعده إلى الفاروق عمر رضي الله عنه، ففرق الله به بين الحق والباطل، وجُلبت إلى المدينة في زمنه كنوز كسرى وقيصر، واتسعت بلاد الإسلام، والناس في إجتماع وائتلاف لا تباغض بينهم ولا تحاسد .


 وفي آخر أيامه حجَّ رضي الله عنه، فلما فرغ من الحج سنة ثلاث وعشرين ونزل الأبطح، دعا الله وشكى إليه؛ أنه قد كبُرت سِنُّه، وضعُفت قوته، وانتشرت رعيته، وخاف ألا يقوم بما أوجب الله عليه، فسأل أن يقبضه الله إليه وأن يمن عليه بالشهادة في بلد النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول: ( اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتاً في بلد رسولك محمد صلى الله عليه وسلم) فاستجاب الله له هذا الدعاء، وجمع له بين هذين الأمرين: الشهادة في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا عزيز جداً، ولكن الله لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم، فقدَّر الله أن يضربه أبولؤلؤة فيروز المجوسي الأصل الرومي الدار، وهو قائم يصلي في المحراب صلاة الصبح من يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة من هذه السنة، ضربهُ أبو لؤلؤة بخنجر ذات طرفين ثلاث ضربات، وقيل ستٌّ إحداهن تحت سرته، فخرَّ عمر من قامته، واستخلف عبد الرحمن بن عوف، ورجع العلج بخنجره لا يمر بأحد إلا ضربه، حتى ضرب ثلاثة عشر رجلا مات منهم ستة، فألقى عليه عبد الله بن عوف برنسا فانتحر نفسه.


وحُمل عمر إلى منزله والدم يسيل من جرحه، وذلك قبل طلوع الشمس، فجعل يفيق ثم يغمى عليه، ثم يذكرونه الصلاة، فيفيق ويقول: (نعم، ولا حظَّ في الإسلام لمن تركها) ثم صلى في الوقت رضي الله عنه، ثم سأل عمَّن قتله مَنْ هو؟! فقالوا: أبو لؤلؤة المجوسي، فقال عمر رضي الله عنه: (الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على يد رجل يدَّعي الإيمان ولم يسجد لله سجدة) ثم قال: (قبَّحه الله، لقد كنا أمرنا به معروفا).


وأوصى عمر أن يكون الأمر شورى بعده في ستة ممن توفى صلى الله عليه وسلم  وهو عنهم  راض، وهم: عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، ولم يذكر سعيد بن زيد بن عمر بن نفيل مع أنه من العشرة المبشرين بالجنة؛ لأنه من قبيلته، فخشي أن يراعى في الإمارة  بسببه.


وأوصى عمر من يستخلف بعده بالناس خيراً على طبقاتهم ومراتبهم، ومات رضي الله عنه بعد ثلاث، ودفن في يوم الأحد مستهل المحرم من سنة أربـع وعشرين بالحجرة النبوية، إلى جانب الصديق بعد أن أذنت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.


وكان عمر رضي الله عنه قد قال لأهل الشورى:"يحضركم عبد الله - يعني ابنه- وليس له من الأمر شيء، بل ينصح ولا يولى شيئا"، وأوصى أن يصلي بالناس صهيب بن سنان الرومي ثلاثة أيام حتى تنقضي الشورى.


ومن ورعه رضي الله عنه أنه لم يجعل الخلافة إلى واحد من هؤلاء الستة بعينه، لكن قال:"ما أظن الناس يعدلون بعثمان وعلي أحداً، إنهما كانا يكتبان الوحي بين يدي رسول لله  صلى الله عليه وسلم"، فلما مات عمر؛ أُحضرت جنازته، فصلى عليه صهيب رضي الله عنه ثم دفنوه، وبعد ذلك اجتمع أهل الشورى ففوض ثلاثة منهم مالهم في ذلك إلى ثلاثة، فوض الزبير ما يستحقه من الإمارة إلى علي، وفوض سعد ماله في ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف، وترك طلحة حقة لعثمان بن عفان، قال عبد الرحمن بن عوف لعثمان وعلي:"فإني أترك حقي من ذلك، ولله علي أن اجتهد فأولِّي أولاكما بالحق"، فرضي الشيخان رضي الله عن الجميع أجمعين .


ثم نهض عبد الرحمن بن عوف يستشير الناس فيهما ويستمع لرؤس الناس و أجنادهم، جميعاً وأشتاتا، مثنى وفرادى، سراً وجهرا، حتى سأل الولدان في الكتاتيب، وحتى سأل من يردُ من الركاب والأعراب إلى المدينة في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فلم يجد اثنان يختلفان في تقديم عثمان بن عفان رضي الله عنه.


وعبد الرحمن بن عوف في تلك الأيام الثلاثة لا يغتمض بكثير نوم؛ إلا صلاة ودعاء واستخارة وسؤال من ذوي الرأي، فلم يجد أحد يعدل بعثمان رضي الله عنه، ثم إنه دعا علياً و عثمان، وأخذ العهد على كل واحد منهما، لئن ولاَّه ليعدلن، ولئن ولِّي صاحبه ليسمعن له وليطيعن.


ثم خرج عبد الرحمن بن عوف إلى المسجد وقد لبس العمامة التي عممه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقلد سيفاً، وبعث إلى وجوه الناس من المهاجرين والانصار، ونودي في الناس: الصلاة جامعة، الصلاة جامعة، فامتلأ المسجد حتى غصَّ بالناس، ولم يبق لعثمان موضع يجلس فيه إلا في أُخريات الناس، وكان رضي الله عنه رجلاً حيياً.


ثم صعد ابن عوف منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقف وقوفاً طويلاً، ودعا دعاءً طويلاً لم يسمعه الناس، ثم قال: (قم يا عثمان) فأخذ بيده فقال: (هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفعل أبي بكر وعمر؟) قال عثمان: (اللهم نعم) . قال ابن عوف: (إني رأيت الناس لا يعدلون بعثمان، اللهم اشهد أني قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان) .


فازدحم الناس يبايعون عثمان، حتى غشوه تحت المنبر، وبايعه علي بن أبي طالب أولاً رضي الله عنه وأرضاه، وكان أول صلاة صلاها الخليفة أمير المؤمنين عثمان بالمسلمين صلاة العصر، وخطب الناس فوعظهم وذكرهم وزاد الناس في أعطياتهم من بيت المال مائة درهم، ثم كتب إلى عماله في الأمصار يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحضهم على إقامة الصلواة والإتباع وترك الابتداع، وشرع عثمان في تسيير الجيوش، ففتح الله عليه الأمصار، وأعز أهل الإسلام وأذل الكفر و أهله، وحصل للناس في زمنه طمأنينة ورغد عيش، وكثُرت الخيرات والاعطيات بحمد الله، ولكن عدو الله إبليس يكيد ويوسوس، وفي الناس سمَّاعون له .


في سنة ثلاث وثلاثين للهجرة بدأت بوادر الفتنة، ونبذت نابذة تطعن في عثمان أمير المؤمنين، وتؤلِّبُ عليه، وتمارأ الأعداء في الخبط والكلام فيه، وهم الظالمون في ذلك وهو البار الراشد رضي الله عنه، فنفاهم من البصرة إلى الشام وإلى مصر.


ثم دخلت سنة أربع وثلاثين للهجرة؛ وفيها تكاتف المنحرفون عن طاعة عثمان رضي الله عنه ونالوا منه، وبعثوا إليه من يناظره في أمور ادَّعوها وأغلظوا له القول، وزعموا أنهم مظلومون مضطهدون!، وهم والله الظالمون الجائرون المفسدون في بلاد الإسلام، وقد استمالوا ضعاف النفوس؛ بدعوى أن عثمان منعهم حقوقهم، واستأثر وقرابته ببيت المال ووظائف الدولة، فظاهرُ عمل هؤلاء الإصلاح وإنكار المنكر، وباطنه السعي في طلب الدنيا وتحصيل الدرهم والدينار ولو على جماجم الموحدين؛ قال ابن الأثير - رحمه الله- : "وصاروا يكتبون إلى الأمصار بكتبٍ في عيب ولاتهم، ويكتب أهل كل مصرٍ منهم إلى مصر آخر بما يصنعون، وأوسعوا الأرض إذاعة".انتهى كلامه .


وكأنه يصف دعاة الفتنة ي زماننا؛ كيف أذاعوا الشرور وأوغروا الصدور، وتكاتبوا بالبهتان والطعن وإثارة الفتن من بلد إلى بلد، ومن قناة إلى قناة، فحسبنا الله عليهم ونعم الوكيل، ثم يزعمون أنهم مصلحون! ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون !


ذكر سيف بن عمر: أن سبب تألب الأحزاب على عثمان؛ أن رجلا يقال له عبد الله بن سبأ، كان يهوديا فأظهر الإسلام، وصار إلى مصر فأوحى الى طائفة من الناس كلام اخترعه من عند نفسه مضمونه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى إلى علي بن أبي طالب، ثم يقول الخبيث:"فعلي أحق بالإمرة من عثمان! وعثمان معتدٍ في الولاية مما ليس له، فأنكروا عليه، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".


فافتتُن به بشر كثير من أهل مصر، وبثَّ الخبيث دعاته، وكاتب من أفسده في الأمصار، ودعوا في السر إلى فتنتهم، وقال لهم ابن سبأ:"انهضوا في هذا الأمر - يعني إسقاط الخليفة- بالطعن في أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا قلوب الناس". وكتبوا إلى جماعات من عوام أهل الكوفة والبصرة .


ففطن سعيد بن العاص وكان أحد أمراء عثمان، فطن إلى هذه التجمعات السرية، وهذه التنظيمات الحزبية، وعلم أنهم يهيئون أنفسهم للوثوب على الدولة، ويحرضون على أمير المؤمنين عثمان، فنصح سعيد  لعثمان وقال له:"يا أمير المؤمنين: هذا أمر مصنوع يلقى في السِّر فيتحدث به الناس، ودواء ذلك طلب هؤلاء، وقتل من يخرج منهم هذا الكلام".


الله أكبر.. هذه التنظيمات السرية، والتجمعات الخفية، في الاستراحات والمخيمات البعيدة؛ أفسدت شبابنا اليوم حتى أثاروا الفتنة، فكفروا وفجروا، كما فعل أسلافهم، فتمالؤا على ذلك وتكاتبوا فيه، وتواعدوا في أن يجتمعوا في الإنكار على عثمان، وأكثروا الكلام في وعيبه و ذمه وهو البريء مما قالوا، فكانوا يتكاتبون ويتواعدون، فيفدون إلى المدينة جماعات ليسألوا عثمان، ليسألوه ويناظروه في أشياء حتى تصير في الناس وتنتشر؛ كما يفعله المفتونون اليوم من تجمُّعهم عند إدارة أو دار للإنكار على العلماء أو الأمراء في أمور حتى تشتهر فتعم الفتنة .


فلما أدرك ذلك عثمان رضي الله عنه، صعد المنبر فخطب الناس فوعظ وحذر وأنذر، وقال:" ألا قد والله لقد عبتم عليّ بما أقررتم به لابن الخطاب، ولكنه وطأكم برجله، وضربكم  بيده، وقمعكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم، ولنتُ لكم وأوطأت لكم كتفي وكففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم عليّ ؟! فكفوا ألسنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم، ألا فما تفقدون من حقكم؟! فوالله ما قصَّرت في بلوغ ما كان يبلغ من كان قبلي"، ثم اعتذر عما كان يعطي أقاربه بأنه من فضل ماله هو، وحذرهم عثمان من دعاة الفتنة فقال:"إن آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة، عيَّابون طعَّانون، - يعني في ولاة أمرهم وعلمائهم- أمثال النعام، يتبعون أول ناعق" وصدق رضي الله عنه.


لكن أهل الفتنة لم ينزجروا، بل استمروا في تأليب الفتنة على أمير المؤمنين عثمان، يحرضهم على ذلك عبد الله بن سبأ رأس الفتنة، وكان يقول  لخواصه:" انهضوا في هذا الأمر بالطعن في علمائهم وأمرائهم".


وقد أثر في بعض الرعية كما قال سعيد بن المسيب:"كانت المرأة تجيء في زمان عثمان إلى بيت المال، فتحمل الحمل الثقيل من الخير والعطايا ثم تقول: اللهم بدِّل!، اللهم غيرِّ، تعني عثمان".


وهذا كما يفعله المفتونون اليوم، هم في نعمة وأرزاق دارَّة، ثم لا يشكرون الله عز وجل، ولا يعرفون لولاة أمرهم فضلهم، ولسان حالهم:"اللهم بدِّل، اللهم غيِّر"!!.


وفعلاً.. تبدلت الأمور بعد مقتل عثمان، وثارت الفتنة وعظُم الشر وقلَّ الخير والرزق، (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) صدق رسول لله صلى الله عليه وسلم حين قال :«من لا يشكر الناس لا يشكر الله عز وجل»، لقد كانت ثمرة ذلك التحريض على ولاة الأمر؛ أنه نشأ بمصر طائفة يألِّبون الناس على حرب عثمان والإنكار عليه، حتى استنفروا نحوا من ستمائة راكب، يذهبون إلى المدينة في صفة معتمرين في شهر رجب لينكروا على عثمان، وأقام بمصر أعوان لهم يدافعون عنهم و يألبون الناس على عثمان، كما يفعله اليوم من يبررون الإرهاب الجائر ويتعاطفون مع زبانيته ؟!


فلما اقتربوا من المدينة خرج إليهم علي بن أبي طالب وهم بالجحفة، وكانوا يعظمون علياً ويبالغون في أمره لكنه رضي الله عنه لم يعبأ بذلك بل أنبهم وشتمهم ونصح لولي أمره، ويقال إنه ناظرهم في عثمان، وسألهم: ماذا ينقمون عليه ؟! فذكروا له أشياء فأجاب عليٌ عن ذلك ودافع عن أخيه عثمان بن عفان أمير المؤمنين رضي الله عنهما، فلما تبين عذر عثمان في ذلك وانزاحت عللهم ولم يبق لهم شبهة، أشار جماعة من الصحابة على عثمان بتأديبهم، لكنه صفح عنهم وتركهم  رضي الله عنه، وردهم إلى قومهم فرجعوا خائبين من حيثوا أتوا لم ينالوا شيئا مما كانوا يؤملونه.


فلما كان يوم الجمعة خطب عثمان وقال :"اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، اللهم إني أول تائب مما كان مني، وأرسل عينيه في البكاء فبكى الناس أجمعون، وحصل للناس رقة شديدة على إمامهم، وأشهد عثمان الناس على نفسه بذلك، وأنه قد لزم ماكان عليه الشيخان أبوبكر وعمر رضي الله عنهما، وأنه قد سبَّل بابه لمن أراد الدخول عليه، لا يمنع أحد من ذلك، فهدأت الأمور قليلاً .


وكان معاوية قد كتب إلى عثمان يحذره من هؤلاء ويصفهم له بقوله :" هم أقوام ليس لهم عقول ولا أديان، أضجرهم العدل، لا يريدون الله بشيء، ولا يتكلمون  بحجة إنما همهم الفتنة وأموال أهل الذمة، والله مبتليهم ومختبرهم ثم فاضحهم ومخزيهم" .


وقال سعيد بن العاص لعثمان :" احسم عنك الداء تقطع عنك الذي تخاف؛ فإن لكل قوم قادة متى تهلك قادتهم يتفرقوا ولا يجتمع لهم أمر". فقال عثمان:"إن هذا هو الرأي لولا ما فيه".


فلم يرق ذلك الصفو والهدوء لدعاة الشر؛ فتكاتب هؤلاء المفتونون مرة أخرى  من مصر إلى مصر، وتراسلوا وزورت كتب على لسان الصحابة الذين بالمدينة، وعلى لسان علي وطلحة والزبير يدعون الناس إلى قتال عثمان!، ونصر الدين!، وأنه أكبر الجهاد في سبيل الله! فكذبوا والله على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم لم كانوا ليشيروا بذلك فإنهم الأتقياء البررة.


ودعاة الفتنة اليوم على طريقة أسلافهم سائرون؛ يتكاتبون فيما بينهم ويتراسلون عن طريق الانترنت، ورسائل الجوال والفاكسات المكذوبة، والقنوات الجائرة، وينشرون عبرها الأخبار والأوراق المزورة، ويزعمون أن فلان وفلان معهم والله جل وعلا حسيبهم .


فاستجاب المفتونون لهذه الأكاذيب وخرجوا من مصر و عددهم قيل ستمائة، وقيل بل يصل إلى الألف، خرجوا يُظهرون للناس أنهم حجاج! وهذا من مكرهم وكذبهم، ومعهم رأس الفتنة ابن السوداء عبد الله بن سبأ، وخرج أهل الكوفة أيضاً، وكذا خرج أهل البصرة، وهم مصرون على خلع أمير المؤمنين عثمان، فاجتمعوا كلهم حول المدينة وكانوا قد اتفقوا على ذلك، فردهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يوافقوهم على ما أرادوا، فما كان غير قليل حتى سمع أهل المدينة التكبير! وإذا القوم قد زحفوا على مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحاطوا بها، وجمهورهم عند دار عثمان  أمير المؤمنين، وقالوا للناس:"من كفَّ يده فهو آمن"، فكفَّ الناس ولزموا بيوتهم، وأقام الناس على ذلك أياماً وهم لا يدرون ما القوم صانعون، وعثمان يخرج من داره فيصلي بالناس ويصلي وراءه أهل المدينة، وأولئك المفتونون يصلون أيضا خلفه، ثم زعموا أنهم وجدوا كتاباً من عثمان لوالي مصر بقتلهم وصلبهم، وعليه ختم عثمان قد زوِّر! فطافوا بالكتاب على الناس يحرضونهم على عثمان، كما يفعله دعاة الفتنة في زماننا؛ حيث يمرون على الناس بأوراقهم التي يسمونها (نصيحة) وهي فضيحة وتحريض على الفتنة، فيوقع ويقع في فتنتهم من لا فقه عنده بالواقع فضلا عن الفقه في الدين .


فقال عثمان البار الراشد الصادق:"والله ما كتبت ولا أمليت، والخاتم قد يزوَّر على الخاتم"، فلما كان في بعض الجمعات قام عثمان يخطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام إليه رجل من أولئك المفتونون، فسبه ونال منه! وأنزله عن المنبر! ومن بعدها تجرؤوا على عثمان رضي الله عنه، وحصبوه حتى صُرع من المنبر مغشياً عليه، فحمل إلى داره، ودخل عليه جماعة من الصحابة منهم: أبو هريرة وابن عمر  وزيد بن ثابت، وعزموا على المدافعة عن عثمان أمير المؤمنين، فبعث إليهم يُقسِم عليهم، ويأمرهم أن يكفوا أيديهم ويسكنوا حتى يقضي الله ما يشاء.


وبعدها أحاط المفتونون بدار عثمان محاصرين له، ونهى عثمان الصحابة وأبنائهم عن القتال دونه؛ حتى لا يسفك دم في المدينة النبوية بسببه، ثم انقطع عثمان أمير المؤمنين عن المسجد بالكلية بعد أن حاصروه أكثر من شهر! ومنعوه الطعام و الماء والخروج إلى المسجد! وتهددوه بالقتل! وكان من رؤس الفتنة ابن عديس البلوي، فصعد هذا المفتون منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم،  فصلى بهم الجمعة، وتنقَّص عثمان في خطبته! وألَّب الناس عليه، كما يفعله خطباء الفتنة في زمننا  اليوم، الذين يزعمون الفقه بالواقع! فأشعلوا الفتن في مواطن شتى من بلاد الإسلام! باسم (الإصلاح) و(الجهاد) و(إنكار المنكر)!! . فكم من دم حرام سُفك بسبب خطباء الفتنة هؤلاء من زمن عثمان إلى يومنا ؟! (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً) .


يقول أبو أمامة سهل بن حنيف:" كنت مع عثمان في الدار وهو محصور، فخرج إلينا منتقعا لونه، فقال: "إنهم يتوعدونني بالقتل آنفا". قال فقلنا: يكفيكهم الله يا أمير المؤمنين . قال عثمان:"وبمَ يقتلوني؟! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد احصانه أو قتل نفس بغير نفس» فو الله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام قط، ولا تمنيت بدلاً بديني مُذ هداني الله له، ولا قتلت نفساً، فبما يقتلوني؟!) . خرجه الإمام أحمد وأهل السنن.


وقال لهم عثمان رضي الله عنه :"والله لئن قتلتموني لا تتحابون بعدي أبداً، ولا تصلون جميعا أبداً، ولا تقاتلون عدواً جميعاً أبداً ". قال الحافظ ابن كثير:" وقد صدق في ما قال رضي الله عنه".


وقال عثمان للذين عنده في الدار من أبناء المهاجرين والأنصار وكانوا قريبا من سبعمائة قدموا للدفاع عن عثمان أمير المؤمنين، فقال لهم:" أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده، وأن ينطلق إلى منزله"، وقال لرقيقه:"من أغمد سيفه فهو حر".


قال الحافظ بن كثير:"وكان سبب ذلك أنه رأى في المنام رؤيا دلت على اقتراب أجله، فاستسلم عثمان لأمر الله رجاء موعوده، وشوقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليكون خيري ابني آدم حيث قال حين آراد اخوه قتله : (إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ) .ا.هـ


تقول نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان رضي الله عنه:"إن عثمان أغفى فلما استيقظ قال:"إن القوم يقتلوني!"، قلت: كلا يا أمير المؤمنين، قال:"إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر فقالوا: صُمْ يا عثمان فإنك تفطر عندنا"، فأصبح رضي الله عنه صائماً، وكان الماء لا يصل إليه إلا في الليل خفية من دار إلى دار، ثم دعى بسراويل فشدها، وإنما لبسها رضي الله عنه في هذا اليوم؛ لأن لا تبدو عورته إذا قُتل، فإنه كان شديد الحياء، ووضع بين يديه المصحف يتلو فيه، واستسلم لقضاء الله، وكفَّ يده عن القتال، ولم يغب عنه قوله صلى الله عليه وسلم: «بشِّره بالجنة على بلوى تصيبه» وأنه تقع فتنة يقتل فيها مظلوماً رضي الله عنه.


ولم يبق عنده أحد سوى أهله، وعند ذلك أظهر المفتونون ما يريدونه من الشر بأمير المؤمنين، فتسوروا عليه الجدار، وأحرقوا الباب، ودخلوا عليه وليس فيهم بحمد الله أحد من الصحابة، ولا أبنائهم إلا محمد بن أبي بكر؛ فإنه دخل معهم دار عثمان، لكنه استحى ورجع، وذلك أنه أخذ بلحية عثمان فقال له عثمان:"يا بُني لقد أخذت بلحية كان أبوك يكرمها" فرجع محمد ودافع عن عثمان فلم يقدر، (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً) (كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً) فدخل عليه رجل فخنقه خنقاً شديداً وجعلت نفسه تترد في حلقه.


وكان رضي الله عنه شيخاً كبيراً قد جاوز عمره الثمانين، فلم يرحموا شيبته وضعفه، ولم يعظِّموا حُرمة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأيُّ إصلاح وإنكار للمنكر يرجى من ورائهم؟! ثم دخل عليه رجل آخر ومعه سيف فضربه به، فاتِّـقاه عثمان بيده فقطعها، فقال عثمان:"والله إنها لأول يد كتبت سور المفصَّل".


قال ابن كثير:"وثبت من غير وجه أن أول قطرة من دمه سقطت على قوله تعالى : (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيْمُ)، وكان يروى أنه قد وصل إليها في التلاوة أيضاً حين دخلوا عليه، ثم أقبل عليه رومان بن سودان فقال: على أي ملة أنت يا نعثل ؟! فقال عثمان:"لستُ بنعثل! ولكني عثمان بن عفان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا على ملة ابراهيم حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين"، فقال الفاجر: كذبت، وضربه على رأسه، فخر رضي الله عنه، فوثب عليه عمرو بن الحمر فجلس على صدره وبه رمق، فطعنه تسع طعنات، وقال: أما ثلاثٌ منهن فالله! وستٌّ لما كان في صدري عليك يا عثمان!. ففاضت روحه رضي الله عنه وأرضاه.


وكانت زوجته نائلة بنت الفرافصة قد ألقت نفسها عليه؛ تقيه من ضرب السيوف، وألقت أم البنين زوجته الثانية على ما بقي من جسده، فأدخل أحدهم السيف بين قرط نائلة ومنكبها؛ ليضرب به عثمان، فقبضت نائلة على السيف، فقطع أصابعها! فإن لله وإنا إليه راجعون.


ثم مال هؤلاء الفجرة على مافي بيت عثمان فنهبوه، حتى أخذوا عبائة نائلة زوج عثمان، ولم يبقوا شيئاً حتى الأقداح!؛ وذلك أنه نادى مناديهم: أيحلُّ لنا دمه ولا يحل لنا ماله ؟! فانتهبوا الدار.


ثم تنادى هؤلاء الظلمة : هلمَّ إلى بيت المال، لا تسبقوا إليه! فسمع ذلك حراس بيت المال، فهربوا وهم يقولون: النجاة، النجاة، فإن هؤلاء لم يَصدقوا فيما قالوا من أن قصدهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحق؛ وإنما قصدهم الدنيا، قال الحافظ ابن كثير:"فجاء الخوارج؛ فأخذوا مال بيت المال، وكان فيه شيء كثير، فإنا لله وإنا إليه راجعون".


وفي سنن الترمذي عن أمامة بن حزم قال:"شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان، فقال:"ائتوني بصاحبكم الذي ألباكم عليّ "، قال فجيء بهما كأنهما جملان أو كأنهما حماران، قال: فأشرف عليهم عثمان فقال: (أنشدكم بالله والإسلام: هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يشتري بئر رومه ويجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة» فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني حتى أشرب من ماء البحر) قالوا: اللهم نعم. قال: (أنشدكم بالله والإسلام: هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير منها في الجنة» فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين) قالوا: اللهم نعم، قال: (أنشدكم بالله والإسلام: هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي؟) قالوا: اللهم نعم، ثم قال رضي الله عنه: (أنشدكم بالله والإسلام: هل تعلمون أن رسول الله كان على سبيل مكة ومعه أبو بكر وعمر وأنا، فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض، قال فركضه رسول الله صلى الله عليه وسلم برجله وقال: «اسكن ثبير، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان» قالوا: اللهم نعم، قال عثمان: (الله أكبر: شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد، شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد.).


عثمان رضي الله عنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بألف دينار في كُمِّه حين جهز جيش العُسرة؛ فنشرها في حجره فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم». خرجه الترمذي.


 قتلوا عثمان الذي تخلف عن غزوة بدر؛ لأنه كان يُمرِّض بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت زوجته، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لك أجر رجل شهد بدر وسهمه».


عثمان الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول إلى قريش يوم الحديبية، فأُشيع أنه قتل فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبايع أصحابه بيعة الرضوان على قتال قريش، وقال بيده اليمنى: «هذه يد عثمان» وضرب بها على يده، وقال: «هذه لعثمان».


عثمان الذي بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة على بلوى تصيبه، قتلوا عثمان ولي أمرهم مع ماله من الفضائل والمناقب العظيمة، فمن يرضيهم بعد ذلك من ولاة الأمر ؟!


 يقول الحافظ بن كثير:" لما وقع هذا الأمر العظيم الفظيع الشنيع أُسقط فى أيدي الناس، فاعظمه جداً، وندم أكثر هؤلاء الجهلة الخوارج على ما صنعوا، وشابه من تقدمهم ممن قص الله خبرهم في كتابه العزيز من الذين عبدوا العجل في قوله عز وجل ( فلمَّا سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لإن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ).


ولما بلغ الزبير مقتل عثمان قال:"إنا لله وإن إليه راجعون"، وبلغه أن الذين قتلوه ندموا فقال:" تبت لهم، ثم تلا قوله عز وجل: (مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ).


لما بلغ سعد بن أبي وقاص قتل عثمان : استغفر له وترحَّم عليه، وتلا في حق الذين قتلوه: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) ثم قال سعد رضي الله عنه:" اللهم أندمهم ثم خذهم، اللهم أندمهم ثم خذهم".


وقد أقسم بعض السلف بالله عز وجل: أنه ما مات أحد من قتلة عثمان إلا مقتولا. رواه ابن جرير.


 قال الحافظ ابن كثير:"وهذا ينبغي أن يكون لوجوه، منها: دعوة سعد المستجابة، كما ثبت في الحديث الصحيح، وقال بعضهم: ما مات أحد منهم حتى جن، قال - رحمه الله-: لا يصح على أحد من الصحابة أنه رضي بقتل عثمان، بل كلهم كره ومقته، وسبَّ من فعله".


روى البخاري في تاريخه عن محمد بن سيرين أنه قال:" كنتُ أطوف بالكعبة، وإذ رجل يقول: اللهم

اغفر لي وما أظن أن تغفر لي! فقلت: يا عبد الله، ما سمعتُ بأحد يقول ما تقول.


قال: كنتُ أعطيتُ الله عهداً؛ إن قدرت أن ألطم وجه عثمان إلا لطمته! فلما قُتل وضِعَ على سريره في البيت، والناس يجيؤون فيصلُّون عليه، فدخلتُ كأني أُصلي عليه، فوجدتُ خَلوة، فرفعت الثوب عن وجهه فلطمته وسجيته (أي: غطيته) قال الرجل: والله ما هو إلا أن لطمته، فإذا بيميني قد شلَّها الجبار جلَّ جلاله، قال ابن سيرين رحمه الله: فرأيتها يابسة كأنها عود".


قال حذيفة رضي الله عنه :" أول الفتن: قتل عثمان، وآخر الفتن الدجال".


يقول الحافظ ابن كثير:" ثبت عن عليٍّ من غير وجه في عثمان كان من الذين (آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ).


وقال: كان عثمان خيرنا، وأوصلنا للرحم، وأشدنا حياء، وأحسننا طهوراً، وأتقانا للرب عز و جل".


لما بلغ عبد الله بن سلام قتل عثمان قال:" والله ليُـقتَلنَّ به أقوامٌ إنهم لفي أصلاب آبائهم ما وُلدوا بعد، وقال رضي الله عنه: يُحكَّم عثمان يوم القيامة فيمن قتله وفيمن خذله ".


قال الحسن البصري:" أدركت عثمان على ما نقموا عليه، قلَّ ما يأتي على الناس يوم إلا ويقتسمون فيه خيراً، يقال لهم: يا معشر المسلمين اغدوا على أُعطياتكم، فيأخذونها وافرة، ثم يقال: اغدوا على أرزاقكم، فيأخذونها وافرة، ثم يقال: اغدوا على السمن والعسل، الأعطيات جارية والأرزاق دارَّة، والعدو مُتـَّقى، وذات البين حسن، والخير كثير، وما مؤمن يخاف مؤمناً، من لقي أخوه فهو أخوه، من كان قد عهد إليهم أنها ستكون أثرة، فإذا كانت فاصبروا".


 قال الحسن:" فلو أنهم صبروا حين رأوها لوسعهم ما كانوا فيه من العطاء والرزق والخير الكثير، ولكنهم قالوا: لا والله ما نصابرها، فوالله ما ردوا وما سلموا, والأخرى كان السيف مغمداً عن أهل الإسلام فسلوه على أنفسهم، فو الله مازال مسلولاً إلى يوم الناس هذا، ووالله إني لأُراه سيفاً مسلولاً إلى يوم القيمة".


يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"فلما قُتل عثمان: تفرقت القلوب، وعظُمت الكروب، وظهر الأشرار وذلَّ الأخيار، وسعى في الفتنة من كان عاجزاً عنها، وعجز عن الخير والصلاح من كان يحب إقامته".


الشيخ سلطان العيد


اقرأ أيضاً :


الاسم: طالب نبيل
البلد: الجزائر
التعليق: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كيف حالك يااخى عندى مسالة ماحكم حلق اللحية افيدونا بارك الله فيكم




Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127