الشيخ سلطان بن عبدالرحمن العيد

ضوابط دعوية - الشيخ سلطان العيد

أضيف بتاريخ : 27 / 09 / 2009
                                

ضوابط دعوية 

إن الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدة لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) أما بعد :


فيقول الله عز وجل: (قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).


 لما بعث النبيُّ صلى الله عليه وسلم معاذَ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن داعياً إلى الله عز وجل أوصاه النبي صلى الله عليه وسلم بوصايا منها: أنه عليه الصلاة والسلام قال له: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله الله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ـــ وفي روايةٍ: إلى أن يوحِّدوا الله ـــ فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلواتٍ في اليوم والليلة...» الحديث، وعُلِمَ منه أن الدعوةَ إلى الله عز وجل لها قواعدُ وضوابطُ وأولويَّاتٌ لابد من مراعاتها.


معاشر المؤمنين : إن الأمة الإسلامية اليوم تشهد ـــ بحمد الله ـــ يقظةً إسلامية، وعودةً إلى هدي النبي الكريم محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وتوبةً وأوبةً إلى الله عز وجل، بعد أن رُفِعت أعلامُ الباطل وشعاراتُه ردحاً من الزمن، سعياً ورغبةً في إطفاء نور الله (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)، وذهب الباطلُ وأهلُه ودِعاياتُه، وبقي الإسلام قويِّاً عزيزا، ظاهراً بأمر الله عز  وجل: ( َأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ)


ومما لا شكَّ فيه أن هذه اليقظةَ الإسلامية في حاجة إلى نصحِ المخلصين، وفتاوي العلماء الربَّانيين، ليستمرَّ عطاؤها وتؤتيَ ثمارها، وتسير على الصراط المستقيم، إذا كانت هذه اليقظة إسلاميةً حقَّا فيجب أن تهتديَ بنور الكتاب والسُّنة، فإن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أوّلها (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً)، ويقول ربُّنا تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً).


شبابَ الإسلام .. دُعاةَ الهُدى.. لابُدَّ لهذه اليقظة من ضوابط لتعظُمَ بركتها، ويعُمَّ نفعُها، ولتكون على هدي النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وأصحابه الغُرِّ الميامين رضي الله عنهم وأرضاهم.


وأول هذه الضوابط: التمسُّك بالقرآن والسُّنة:


 فالهداية بهما، والنجاة باتياع سبيليهما قال الله جلَّ وعلا: (وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) ولا يتم التمسُّك بهما إلا بالتعلُّمِ والفهمِ وسؤال أهل العلم؛ ذلك أن الدعوة إذا شُغلت بالسياسة عن الهداية وتعلُّم الكتاب والسُّنة خُشيَ عليها، ولنا في سلفنا الصالح أُسوة، فها هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة يرَون كُفر صناديد قريش وعداءهم وكيدهم للإسلام وأهله، فما كان ذلك ليُشغلهم عن تدارس كتاب الله عز وجل وتعلم شرائع الإسلام: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً) وقال ربنا جل وعلا: ( َأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ)  وقال عز وجل: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً).


أين نحن من قوله جل وعلا: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ)، يُخطئ مَن يظن أنه من الدعاة، وقدماه لا تعرف الطريق إلى حِلَق العلم، إذ كيف يُبَصِّرُ الناس مَن لم يعرف الكتاب والسُّنة؟!! قال ربُّنا جل وعلا: قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) فأتباعُه صلى الله عليه وسلم هم الدعاة إلى الله على بصيرة؛ أي: بعلمٍ بالقرآن والسُّنة.


ولا تكون الدعوة مرضيَّةً إلا إذا بُنِيَت على العلم الشرعي الصحيح، وقد ترجم الإمام البخاريُّ رحمه الله في صحيحه فقال:« بابٌ: العلم قبل القول والعمل » واستدلَّ بقول ربِّنا جلَّ وعلا:( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُم) قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله وغفر له: « كلُّ دعوةٍ بلا علم فإنها لابد أن يكون فيها انحرافٌ وضلال، ونرى كثيراً من الإخوة اندفعوا بالعاطفة الدينية ـــ ولا شكَّ أن هذا خير ـــ وإذا لم تكن هناك حرارةٌ وعاطفةٌ فلن يكون إقدام، ولكن العاطفة لا تكفي وحدها، بل لابد من العلم الذي يسير عليه الإنسان في عمله وفي دعوته؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:«بلِّغوا عنِّي ولو آية » ولا يمكن أن نبلِّغ عنه إلا ما علمناه من شريعته.. ».


ثم قال: « ومن الأمور المهمة فهم مراد الله ومراد رسوله عليه السلام؛ لأن كثيراً من الناس أوتوا علماً ولم يؤتوا فهما، فلا يكفي أن تحفظ كتاب الله وما تيسَّر من السُّنة بدون فهم، وما أكثر الخلل من قومٍ استدلوا بالنصوص على غير مراد الله ورسوله، فحصل بذلك الضلال » انتهى كلامه رحمه الله وغفر له.


الضابط الثاني: الحكمة : وما أمَرَّ الحِكمةَ على غير ذي الحكمة، قال الله جلَّ وعلا: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.)


الحكمةُ: إتقان الأمور وإحكامها بأن تُنَزَّل الأمور منازلها وتوضع في مواضعها، فليس من الحكمة أن تتعجَّل وتريد من الناس أن ينقلبوا عن حالهم إلى حال الصحابة بين عشيَّةٍ وضُحاها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عليه الشرع مُتدرِّجا حتى استقرَّ في النفوس وكَمُل.


إن الحكمة تأبي أن يتغيَّر العالَم بين عشيَّةٍ وضُحاها، فلابد من طول النَّفَس، والصبر في الدعوة إلى الله، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله وغفر له: « إنني ـــ والله ـــ مسرورٌ بما أرى من غَيرةٍ في شبابنا، وحرصٍ على إزالة المنكر وإحقاق الحق وإثبات المعروف، ولكني أودُّ أن يستعمل هؤلاء الشبابُ الحكمةَ فيما يُقدمون عليه، والأمر وإن تأخَّر قليلا لكن العاقبة حميدة، فهذا الذي التهبت نارُ الغَيرةِ في قلبه، وتجرَّأ على ما تقتضي الحكمة ألا يتجرَّأ عليه، لا شك َّ أنه شيءٌ يسرُّ قلبه مؤقتا، لكن يعقبه مفسدةٌ عظيمة، فإذا أخَّر الأمرَ حتى يتأنَّى وينظرَ كيف يدخل؟ وكيف يخرج؟ حصل بذلك خيرٌ كثير وسَلِمَ من عاقبةٍ تكون سيئةً له ولأمثاله.. » قال: « ولستُ أقول للشباب: لا تتحرَّكوا ولا تدعوا إلى الله ودعُوا الناس، بل أقول: أنكروا المنكر، وادعوا إلى الله ليلاً ونهارا، ولكنِّي أؤكِّدُ على استعمال الحكمة والتأنِّي في الأمور، وأن تُؤتى البيوت من أبوابها » انتهى كلامه.


الضابط الثالث: التآلف والمحبة في الله عز وجل : لأن ربّنا جل وعلا قال: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)  يقول نبينا صلى الله عليه وسلم:«ثلاث مَن كُنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان»  ثم ذكر منهن: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله» والله لن تذوق حلاوة الإيمان، ولن تجد للصلاة والعبادة والمناجاة لذَّة إلا إذا كان في قلبك محبة لأهل الإيمان، من أي بلدٍ كانوا ومن أي جنس.


فهل من المحبة ـــ معاشر المؤمنين ـــ غيبة أهل الإسلام وتنقّصهم، والاشتغال بالبحث عن عيوب الناس، حتى ينسى الإنسان إصلاح نفسه ؟


وهل من محبة أهل العلم والإيمان الطعن في نيَّاتهم، والقدح في فتاويهم، لأنها خالفت هوىً في النفوس؟


وهل من المحبة في الله عز وجل قصر الموالاة على أهل بلدك أو قريتك أو قبيلتك أو مَن يرى رأيك في بعض الأمور الاجتهادية ؟


وهل من المحبة في الله ألا تذبَّ عن أعراض أهل القرآن والسُّنة؟ قال الله جل وعلا: َالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) وقال الله عز وجل: َ(وْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ)


والله لن تُنصَر الأمةُ ويُمَكَّن لها في الأرض إلا بعد أن يُمَكَّن للمحبَّة في الله ت في قلوب أهل الإيمان والإسلام؛ لأن التباغض والتحاسد مؤدٍّ إلى التنازع وقد قال ربنا جل وعلا: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).


 قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله وغفر له: « إنني أدعوكم إلى الأُلفة والاجتماع على دين الله؛ وبهذا سيُكتب لكم النصر، فكم من إنسانٍ حاقدٍ للإسلام عدوٍ للإسلام، يفرح غاية الفرح أن يجد هذا التفرّق في المسلمين ».


الضابط الرابع: الصبرُ والاحتساب:-


قال الله جل وعلا: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)  اصبر على ما تُلاقيه من إيذاءٍ وأنت تدعو إلى الله عز وجل، وإياك أن تتوقف عن الدعوة فإن سُنَّة الله مَضَت بذلك، قال الله جل وعلا:(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً)  وقال عز وجل: (َلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ)


فاصبروا ـــ معاشرَ الدُّعاة ـــ كما صبر النبيُّ الكريم محمدٌ صلى الله عليه وسلم، فكم أوذي في ذات الله وهو في مكة، حتى لقد وضعوا سَلا الجزور على ظهره وهو ساجد عند الكعبة، وتمالؤا على قتله فهاجر إلى الله، وآذاه أهل الطائف لما خرج إلى (ثقيفٍ) يدعوهم، فأمروا سفاءهم فرجموه بالحجارة حتى أدموا عقبيه، وفي المدينة لاقى ما لاقى من اليهود والمنافقين فصبر صلوات ربي وسلامه عليه، فالذي يُنكر المنكر قد يُعاديه الأهل والإخوان والقريب والبعيد، فليصبر وليحتسب. قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: « عليك أن تصبر وتُصابر، والذي لا يصلح اليوم يصلح غدا، وابدأ بالأهون فالأهون في تهذيب أخلاق الأهل، كما أنني أقول: إن هؤلاء الأهل الذين يجدون في أبنائهم وبناتهم اتجاهاً سليما، لا يحلُّوا لهم أن يقفوا أمام دعوتهم للحق، وليشكرون الله على هذه النعمة، وأن جعل من ذريّتهم من يدلّهم إلى الخير ويأمرهم به، ويحذرهم من الشر وينهاهم عنه، فإن هذا ـــ والله ـــ أكبر من نعمة المال والقصور والمراكب » انتهى كلامه.


الضابط الخامس: التحلِّي بالأخلاق الفاضلة: قال الله جل وعلا:( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) تأمَّل في شهادة أبي سفيان عند هرقل لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقِ والوفاءِ بالعهد وأمرِه بالخير، وقد كان أبوسفيان رضي الله عنه آنذاك عدوَّاً للنبي صلى الله عليه وسلم.


فالداعية يؤثِّر في النفوس بأخلاقه وأفعاله أعظمَ مما تؤثر أقواله؛ ولذا كان لِزاماً على كل داعٍ إلى الله أن يتمسَّك بأخلاق أهل الإسلام بحيث يظهر عليه أثر العلم في معتقده وعباداته وهيئته وكلامه، قال الله جل و علا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ{2} كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ)


ومن أهم تلك الأخلاق: الحِلم واللين والرفق بالإخوان، وألا يكون في قلبك غلٌّ للذين آمنوا، وفتِّش في قلبك أهو سليمٌ من الحسد والكِبر والغِلّ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لا يؤمن أحدكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه».


اعلم ـــ بارك الله فيك ـــ أن منهاج السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم : عقيدة ٌ وعبادةٌ وأخلاق، كانوا يسعَون في تصحيح العقيدة ومحاربة الشركيات والبدع، ويعتنون بإصلاح العبادات وبيان هَدي النبي صلى الله عليه وسلم فيها، ومع هذا وذاك كانوا يجاهدون أنفسم لتستقيم على الأخلاق الفاضلة؛ فالإيمان قولٌ وعمل، وشُعَب الإيمان أعلاها قول « لا إله إلا الله »، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياء شُعبةً من الإيمان. وإذا أردتَ أن تعرفَ خُلُقَ الرجل فراقبه عند اختلافه مع إخوانه في أمرٍ ما.


إن سوءَ الخُلُق مرضٌ خطيرٌ يضرُّ بالأمة، وخطورته تكمن في إفساد القلوب، وفشل الجهود، وقطع الأرحام، وانتشار الشحناء، وبه تعمُّ البغضاء، وتتكدَّر النفوس، فلا تصفو القلوب للمحبَّة، ولا تتهيأ النفوس للتعاون والأخوّة، ولا تأنس الأرواح للتفاهم والأُلفة: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً).


  وخطورتُه تكمن أيضا في أن المريض بسوء الخُلُق لا يُدرك أنه مريض، فتراه يعلم ضرر سوءِ الخُلُق لكنه لا يعلم أنه هو سيءُ الخُلُق.


الضابط السادس: كسرُ الحواجز بين الداعيةِ والناس:


قال الشيخ ابن عثيمين: « إن كثيراً من إخواننا الدُّعاة إذا رأى قوماً على منكر قد تحمله الغَيرةُ وكراهةُ هذا المنكر على ألا يذهب إليهم ولا ينصحهم، وهذا خطأ، بل ينبغي للداعية أن يَصْبِرَ نفسه، وأن يُكرهها، وأن يكسر الحواجز بينها وبين الناس؛ حتى يتمكَّن من إيصال دعوته إلى مَن هم بحاجةٍ إليها، أما أن يستنكف ويستكبر ويقول: إن جاءني أحدٌ بلَّغتُه الدعوة، وإن لم يأتني أحدٌ فلستُ بِمُلزَم، فإن هذا خلافُ ما كان يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كان يذهب في أيام منىً إلى المشركين في أماكنهم، ويدعوهم إلى

الله عز وجل... » قال: « فأحثُّ الإخوان على إقامَةِ الزيارات فيما بينهم؛ حتى تتوطَّد الأُلفةُ والمحبَّةُ، ولدراسة أحوالهم وأحول أمتهم، وما أعظم ثمرةَ تلك الزيارات، وإذا قُرِنت برحلاتٍ قريبةٍ أو بعيدة فإن لها أثراً كبيرا » انتهى كلام فضيلته رحمه الله.


الضابط السابع: عدم اليأس من كَثرة المفاسد:-


علينا ألا نيأس من إصلاح الأُمَّة، إذا رأينا كثرة الشرور، وقوة أهل الباطل، فإن الأمر كما قال ابن القيم رحمه الله وغفر له:


الحقُّ منصورٌ وممتحنٌ فلا




 

 تعجل فهذِ سُنَّةُ الرحمنِ




 


لابد من معاداة أهل الباطل لحزب الله، قال الله جل وعلا: (ِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً{15} وَأَكِيدُ كَيْدا) إن المؤمن الواثق بالله ووعده الحق بنُصرة هذا الدِّين يمضي في دعوته إلى الله لا توقفه كثرةُ معاصي الخلق، وقوة حزب الشيطان؛ لأن العاقبةَ للمتقين والبقاءَ لهذا الدين، قال الله جل وعلا:( ُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)


 فإظهار دين الله ونصرُه على الأديان كلها يُفهم منه نَصْرُ المؤمنين وتأييدهم على عدوهم؛ لأن الدِّين إنما يقوم بأهله.


قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: « الأملُ دافعٌ قويٌّ للمُضي في الدعوة والسعي في إنجاحها، كما أن اليأس سببٌ للفشل والتأخّر في الدعوة، وانظر إلى أمل النبي صلى الله عليه وسلم الكبير ونظره البعيد في أشد يومٍ وجده من قومه وذلك يوم رجوعه من الطائف حين دعاهم إلى الله فردُّوا عليه، وأغْرَوا به سفهاءهم، فلما بلغ (قرن الثعالب) ناداه جبريل عليه السلام فقال: إن الله قد سمع قول قومك وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فقال نبينا صلى الله عليه وسلم: «قال: فناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ ثم قال: يا محمد إن شئت أن أُطبِقَ عليهم الأخشَبَيْن»، فقال عليه الصلاة والسلام: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم مَن يعبد الله وحده لا يُشرك به شيئا»  » انتهى كلامه.


فإيَّاك واليأس من رَوْح الله، وعليك بالبذر وصلاح الثمرة من عند ربنا جل وعلا، فلا تكُن خوَّاراً جبانا، واعلم أن الباطل وإن كَثُرَ وعظُم فإن الحق أعظم منه: (قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)


الضابط الثامن: العِبرةُ بالدليل لا بالرجال:


ولقد أتقن صلى الله عليه وسلم غرس هذا الأصل في نفوس أصحابه رضي الله عنهم، فأخرج جيلاً يُدرك معنى الدليل، ويتبعه ويهتدي به، ويفهم حقَّ الرجال أيضاً، فيُعطي كُلَّ ذي حقٍّ حقَّه، قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما: « أراهم سيهلكون يقول: قال الله وقال رسوله، ويقولون: قال أبوبكر وعمر »، وهاك مثالاً آخر: لما أفتى ابن عمر رضي الله عنه بالتمتُّع في الحج قالوا له: إن أباك ينهى عنه، فقال: « أمر أبي يُتَّبع أم أمر رسول الله ؟! » أخرجه الترمذي.


والقصد من هذا تعليم الناس أن العِبرة بالدليل وأنه مقدَّمٌ على آراء الرجال التي تُخالف الدليل، فيا سبحان الله كيف غفل بعض الناس عن هذه الوصايا التي كان عليها سلفنا الصالح؟!!


إن تربية النَّشء على التعلُّق بالرجال يعني إبطالَ الدليل، وإهمالَ العلم، وإماتةَ روح البحث العلمي النزيه، وجعل دليل المتناقشين الرجال، وهذا باطلٌ بكل حال.


قال الإمام الشاطبيُّ في الاعتصام: « ولقد زلَّ بسبب الإعراض عن الدليل والاعتماد على الرجال، زلَّ أقوامٌ خرجوا بسبب ذلك عن جادة الصحابة والتابعين، واتبعوا أهواءهم بغير علم، فضلُّوا عن سواء السبيل » انتهى كلامه رحمه الله وغفر له.


معاشر المؤمنين : يقول الله عز وجل: ( قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)


 فالبصيرة في الدِّين من الفرائض، سُئِل سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وغفر له: هل الدعوة إلى الله واجبةٌ على كل مسلم ومسلمة أم تقتصر على العلماء وطُلاب العلم فقط؟ وهل يجوز للعاميِّ أن يدعو إلى الله؟ فأجاب بقوله: « إذا كان الإنسان على بصيرةٍ فيما يدعو إليه، فلا فرق بين أن يكون عالماً كبيراً يُشار إليه، أو طالبَ علمٍ مُجِدَّاً في طلبه، أو عاميَّاً؛ لكنه علم المسألة عِلماً يقينا، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: } بَلِّغوا عني ولو آية {.


 ولا يُشترط في الداعية أن يَبلُغَ مبلغاً كبيراً من العلم؛ لكن يُشترط أن يكون عالماً فيما يدعو إليه، أمَّا أن يقوم عن جهلٍ، ويدعو بناءً عن عاطفةٍ عنده، فإن هذا لا يجوز؛ ولهذا نجد كثيراً من الأخوة الذين يدعون إلى الله وليس عندهم من العلم إلا القليل، نجدهم لقوّة عاطفتهم يُحرِّمون ما لم يُحرِّمه الله، ويوجِبُون ما لم يوجبه الله على عباده، وهذا أمرٌ خطيرٌ جِدّا؛ لأن تحريم ما أحلَّ الله كتحليل ما حرَّم الله؛ لأن الله يقول: (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ)


أما العاميُّ فلا يدعو وهو لا يعلم، بل لابد أولاً من العلم؛ لقوله تعالى: ( ُقلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) .


 فلابد أن يدعوَ إلى الله على بصيرة، لكن المنكر البَيِّن، أو المعروف البَيِّن، فله أن يأمر به إذا كان معروفا، وينهى عنه إذا كان منكرا، أما الدعوةُ فلابد أن تُسبَقَ بعلم؛ لأن مَن دعا بلا علم فإنه يُفسدُ أكثرَ مما يُصلح كما هو ظاهر، فالواجب أن يتعلَّم الإنسان أولاً، ثم يدعو ثانيا » انتهى كلامه رحمه الله.




 


الشيخ سلطان العيد


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127