الشيخ علي حسن الحلبي

الانـْــتـِــهـَاض بأجوبةِ سُؤالاتِ أخي الرِّيَاض في مسائل الإيمان والكفر - الشيخ علي الحلبي

أضيف بتاريخ : 03 / 08 / 2008
                                

الانـْــتـِــهـَاض بأجوبةِ  سُؤالاتِ أخي الرِّيَاض في مسائل الإيمان والكفر


  


       إِنَّ الحمدَ للَّهِ؛ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللَّهِ مِن شُرورِ أنفسِنَا،   وسيئاتِ أعمالِنَا، مَن يهدِهِ اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضللْ فلا هَاديَ له.


وأشهدُ أَنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ -وحده لاشريكَ له-.


وأشهدُ أَنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ.


أمَّا بَعْدُ:


فلقد وَصَلَتْنِي رسالةٌ عَبْرَ البريد الألكتروني(1) -(E-mail)-: مِن أخٍ يُظْهِرُ فضلَهُ قولُهُ، ويُنْبِئُ عن حالِهِ كلامُهُ؛ أدبًا، وحِرْصًا، وعِلْمًا -ولا نُزَكّيهِ على اللَّهِ -تعالى-.


ذلكم أنَّنا نرى أنفُسَنا -اليومَ-فَوَا أسَفِي الشديد- في زَمَنٍ صَعْبٍ؛ قَلَّ فيه المُنْصِفون، وكَثُرَ فيه المُقَلِّدون، وَنَدَرَ فيه المُتَثبِّتون، وتَكاثَرَ فيه المُتَعصِّبون..


فأَنْ ترى أخًا لك في الغيبِ؛ يحرصُ عليك، ويتثبّتُ منك، ويَهْدي إليك: فواللَّهِ؛ إنَّها لأَعزّ مِن عنقاءِ مُغْرِب -كما يُقال-!


وتاليًا نصُّ رسالتِهِ -حفظه اللَّهُ، وزادَهُ توفيقًا-؛ قال:


« بسم اللَّه الرحمن الرحيم


إلى الشيخِ الفاضل/ أبي الحارث علي بن حسن بن عبد الحميد الأثري


-وفقه اللَّهُ لهُدَاه-.


السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.


أمَّا بعد:


فأسمعُ بعضَهُم يُردّد -عنكم- ما يلي:


1- أنكم لا ترون الأعمالَ مِن الإيمان، وأنه يزيدُ بها وينقص.


2- أنكم لا تصفون عملاً بأنَّه كفر كفرًا أكبر؛ كَـ(سَبِّ الدين)، و(الاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم).


3- أنكم تحصرون الكفر في التكذيب، دون الإباء والاستكبار


-وغيرها من دوافع التكفير-.


4- أنكم لا تُكفِّرون أحدًا حتَّى يُريدَ الكفرَ؛ فلو عبدَ الأصنامَ


-والشروطُ مُتوفِّرةٌ فيه، والموانِعُ عنه مُنتفيَةٌ-، لكنَّهُ لم يُردِ الكفرَ؛ فإنَّهُ لا يَكْفُرُ.


أيُّها الشيخُ الفاضلُ:


هل هذا المنسوبُ إليكم صحيحٌ أم لا؟


أرجو الإجابةَ -باختصارٍ، ووضوحٍ-؛ ليكونَ الأمرُ بيّنًا لمُريدِهِ.


أمَّا الظالمُ الجانِي، والحاسدُ الباغي؛ فاللَّهُ حسيبهم.


والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.


أخوكم السائل من الرياض - السعودية


7/1/1425هـ »


أقولُ: هذا آخِرُ كلامِهِ.


فجزاه اللَّهُ -تعالى- خيرًا؛ أَخًا صادِقًا وَفيًّا، وحريصًا أبيًّا...


ولقد أعجبني -مِن أول كلامِهِ- قولُهُ: (فأسمعُ بعضَهم يُرَدّدُ عنكم...)!!


فلم يجعلْ -وفّقه اللَّهُ- مُجرَّدَ السَّمَاع -ولو صَدَرَ مِن أيِّ داع!- بابًا للاقتناع!!


فها هُوَ ذا قد سَأَلَ عمَّا سَمِعَ، وتثبَّتَ مِمَّا نُقِلَ -سماعَ الباحث، وتثبُّتَ الحريص-؛ والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «كفى بالمرءِ إثمًا أنْ يُحدِّثَ بكلِّ ما سَمِعَ»، وفي روايةٍ: «.. كَذِبًا..».


وإنِّي مُنَزِّهٌ أخي الفاضلَ عن هذا وذاك -بارك اللَّهُ فيه-.


وأبدأُ بالمقصود، مُستعينًا بالربِّ المعبود -على وجه الاختصار والاعتصار-؛ فأقولُ -وبه-سبحانه-أصولُ وأجولُ-:


# أولاً:


قولُهُ -ناقلاً عمَّا (يُرَدَّد!)- فيَّ:


(أنَّكم لا ترون الأعمال مِن الإيمان، وأنّه يزيدُ بها وينقص)!!


فأقولُ:


1- بالأمسِ القريبِ افتتحتُ -وللَّهِ الحمدُ- درسًا علميًّا مُنْتَظَمًا في شرحِ كتابِ (الإيمانِ) مِن «صحيح الإمامِ البخاري»(2 )، وفي أوّل بابٍ منه قولُهُ -رحمه اللَّهُ-: (الإيمان: قولٌ وفعلٌ، ويزيدُ وينقصُ) -حقًّا وصوابًا-.


ولا أنسى -وللَّهِ الحمد- تدريسي لـ«العقيدة الواسطية» قبل نحو ثلاث عشرة سنة، وفيه قولُ شيخ الإسلامِ ابنِ تيميَّة -رحمه اللَّهُ- (ص 81-83):


«ومنْ أُصولِ أَهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ: أَنَّ الدِّينَ والإِيمانَ قولٌ وعملٌ: قولُ القلبِ واللِّسانِ، وعملُ القلبِ( 3) والجوارحِ، وأَنَّ الإِيمانَ يزيدُ بالطَّاعةِ، وينقصُ بالمعصيةِ.


وهمْ معَ ذلكَ: لاَ يُكفِّرونَ أَهلَ القبلةِ بمطلقِ المعاصي والكبائِرِ كما يفعلُهُ الخوارجُ؛ بلِ الأُخوَّةُ الإِيمانيَّةُ ثابتةٌ معَ المعاصي..»... إلى آخرِ كلامِهِ.


وهذا -وللَّهِ الحمدُ- ما أثبتُّهُ -وشرحتُهُ- في كتابِي «التبصير بقواعد التكفير» (ص -16)، و«كلمة سواء..»، و«الردّ البرهاني..» -وغيرهما-.


2- قرّرنا -مع إخواننا-طلبةِ العلمِ في الأُرْدُنّ- في كتابِ «مجملِ مسائلِ (الإيمانِ والكفرِ) العلمية في أصولِ العقيدةِ السلفية» (ص 21) أنَّ:


(الإيمان: اعتقادٌ بالجنان، وقولٌ باللسان، وعملٌ بالأركان، لا يجزئ أحدُها عن الآخر).


إلى آخرِ التفصيلِ المعروف في منهجِ السَّلَفِ، وطريقةِ أهلِ السنةِ.


3- وهذا -عينُهُ- ما كنتُ قد أودعتُهُ كتابي «صيحة نذير» (ص 29-37 الطبعة الأولى - سنة 1417هـ) بالنقلِ المُطوّل عن الإمامِ أبي القاسم الأصبهاني في كتابِهِ «الحُجّة في بيانِ المَحجّة، وشرح عقيدةِ أهل السنة» (1/403-420)، ثم ختمتُ ذلك بقولي:


«هذه عقيدتي، وهذا منهجي، وهذا ديني الذي أدينُ اللَّهَ -تعالى- به؛ ظاهرًا وباطنًا، سِرًّ وعَلَنًا؛ ناشِرًا له، داعِيًا إليه...


على هذه العقيدةِ السلفيَّةِ الخالصةِ -بحمدِ اللَّهِ-تعالى- نشأتُ، وفي أفيائِها تَرَبَّيْتُ، ولأُصولِهَا تعلَّمتُ وعلَّمْتُ، ولقواعدِهَا دَرَسْتُ ودَرَّسْتُ، وفي أحكامِهَا ألَّفْتُ وكَتَبْتُ...


خِلافًا لِكُلِّ أهلِ البدعِ المَمْحُوقِين، ومُغَايَرَةً لأَهلِ الأَهْواءِ المَجْهولين؛ الذين لا يعرفُهم أهلُ العلمِ، ولا يُزَكِّيهم أهلُ العقيدةِ السلفيَّةِ الصحيحةِ، مُتَسَتِّرينَ على شيءٍ، ومُتَتَرِّسينَ بشيءٍ آخَرَ! إِنْ ظَهَروا يومًا: فَسَيُكْبَتُونَ أيَّامًا، وإِنْ عُرِفُوا حينًا: فَسَيُجْهَلونَ دَهْرًا!!».


وأقولُ -الآن-: وها هي ذي البشائرُ قد هلَّتْ؛ كما شرحتُ طرفًا مه في رسالتي -الأخيرة- «كلمة تذكير بمفاسد الغُلُوّ في التكفير»؛ فَلْتُنظر.


4- وما لي أُبْعِدُ؛ فهذا كتابي «التنبيهات المتوائمة في الرد على (رفع اللائمة)..» -وهو آخِرُ ما (نُشِرَ) لي في هذه المسائلِ العلميَّةِ-؛ قد ذكرتُ فيه (ص 304-306) كلمةً جامعةً تتضمّن الجوابَ -أيضًا- (عن) السؤالين الثاني والثالث -معًا-؛ وذلك قولي -بعد ذكرِ بعضِ (المسائل)-التي يُشَنِّعون بها علينا-: مُشيرًا إلى أنِّي أوضحتُها -في «التنبيهات»-وفي كتبي الأخرى السَّابقة- بما لا يدعُ مجالاً لمستريب!!! لا مِن بعيدٍ ولا مِن قريب؛ ما نصُّهُ:


«فنحن -وللَّهِ الحمدُ- قائلونَ بأنواعِ الكفرِ -كُلِّهَا-: (استحلالاً، وجحودًا، وتكذيبًا، ونفاقًا، وإعْراضًا)...


- وقائلون -كذلك- بأسباب الكفر -جميعها-: (قولاً، وعملاً، واعتقادًا)...


- وقولُنَا في الإيمان -تمامًا- قولُ شيخنَا الأُستاذِ العلاَّمةِ حمَّادٍ الأنصاريِّ(4 )-تغمَّدَهُ اللَّهُ برحمتِهِ-؛ حيثُ قالَ:


«وأمَّا ما يتعلَّقُ بمسألةِ الإيمانِ، وشرحِ مذهبِ السَّلفِ فيها.. فخلاصةُ مذهبِ السَّلَفِ أنَّ الإيمانَ يتألَّفُ مِن خمسِ نونات:


- أوَّلاً: قولٌِ باللِّسان.


- ثانيًا: اعتقادٌ بال‍جَنان.


- ثالثًا: عملٌ بالأركان.


- ورابعًا: يزيدُ بطاعةِ الرحمن.


- وخامسًا: ينقصُ بطاعةِ الشيطان.


هكذا الإيمانُ عند السَّلفِ.


بخلافِ الإيمانِ عند المُبتدعة، كالخوارجِ، والمعتزلةِ؛ فالإيمانُ عند هاتين الطَّائفتين يتألفُ من ثلاثِ نوناتٍ؛ هي:


أ - قولٌ باللِّسان.


ب- واعتقادٌ بالجَنان.


جـ- وعملٌ بالأركان.


وكذلك المُرجئةُ؛ يتألَّفُ الإيمانُ عندهم -على اختلافِ طوائفهم- على ما يلي:


- مرجئةُ الأحناف: يتألَّفُ عندهم الإيمانُ على نونين فقط:


إحداهما: قولٌ باللِّسان.


والأخرى: اعتقادٌ بالجَنان.


- وكذلك مُرجئةُ الأشعريَّةِ -الكُلاَّبيَّة والماتريدية-:


فالإيمانُ عندهم نون واحدةٌ؛ وهي: التَّصديقُ بالجنان فقط.


- وأمَّا الكَرَّاميَّةُ السِّجِسْتانيّة: فالإيمانُ عندهم كذلك نون واحدةٌ؛ وهي: قولٌ باللِّسان فقط.


- وأمَّا الجهميةُ -أتباعُ جهمِ بنِ صفوانَ الترمذيِّ-، عن الجعدِ بنِ درهمٍ، عن أبانَ بنِ سمعانَ الكذَّابِ الرَّافضيِّ، عن طالوتَ ابنِ أختِ لبيدِ بنِ الأعصمِ السَّاحرِ اليهوديِّ -الذي سحرَ النَّبيَّ -صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ-؛ فهذه الطَّائفةُ الكافرةُ تحصرُ الإيمانَ كذلك في نونٍ واحدةٍ؛ وهي: المعرفةُ بالجنان».


ثم ختمتُ -ثمَّةَ- بقولي:


«وقولُ أهل السُّنَّةِ -المذكورُ- هو ما لا نحيدُ عنه، ولا نُبعِد منه...


والظَّالمون لنا: لهم اللَّهُ -الحَكَمُ العدلُ-...».


فكيف الآن؟!


# ثانيًا:


قولُهُ -نقلاً!- فيَّ:


(أنكم لا تصِفون عملاً بأنَّهُ كفرٌ كفرًا أكبر؛ كسبّ الدين، والاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم)!!


ولي مُلاحظةٌ على نصِّ السؤال قبل الجواب (عنه)؛ وهي:


أنَّ الأخَ السائلَ -حفظَهُ اللَّهُ- ذَكَرَ في سؤالِهِ (.. عملاً..)!! ثم ضَرَبَ المَثَلَ بـ(قول)، و(اعتقاد) -فقط-!


وإنَّما نحن -وللَّهِ الحمدُ- نَجْعَلُ مِن (الأقوالِ)، و(الأعمالِ)، و(الاعتقادات) -جميعِها- ما هو كفرٌ أكبر -بلا مثنويّة-:


كـ(سَبِّ الدين)، و(الاستهزاء) -فيما ذَكَرَ في السؤالِ-مِن الاعتقاداتِ والأقوال-.


وكـ(إلقاء المصحفِ في القاذورات)، أو (السجود للصنم) -مِن الأعمالِ والأفعال-.


... على ما حرّره الإمامُ ابنُ القيِّم في كتابِ «الصلاة وحكم تاركها» -بيانًا لحقيقةِ الكفرِ المُضادِّ للإيمانِ مِن كلِّ وجهٍ-.


وتراه -بالنصِّ والبيانِ- في رسالة «حكم تارك الصلاة» (ص 62-63) لشيخنا العلاّمة الإمام محمد ناصر الدين الألباني -رحمه اللَّه-بتقديمي وتعليقي-.


وأمَّا جوابي؛ فأقول:


1- ذكرتُ في كتابي «التبصير بقواعد التكفير» (ص 63-64) أسبابَ الكفر؛ ناقِلاً عن الشيخ مَرْعيِّ بنِ يوسُفَ الكرميِّ المقدسيِّ الحنبليِّ -رحمه اللهُ- في كتابِهِ «دليل الطالب» (ص 317) -شرحًا ل‍(باب حكم المرتد)-قولَهُ-:


«وهو مَن كفر بعد إسلامه.


ويحصلُ الكفرُ بأحد أربعة أمورٍ:


- بالقول: كسبِّ اللَّه -تعالى-، ورسولِهِ، أو ملائكتِهِ، أو ادِّعاءِ النُّبوَّةِ، أو الشرك به -تعالى-.


- وبالفعل: كالسُّجودِ للصَّنمِ -ونحوِهِ-، وكإلقاءِ المصحف في قاذورةٍ.


- وبالاعتقاد: كاعتقادِهِ الشَّريكَ له -تعالى-، أو أنَّ الزِّنَى -أو الخمر- حلالٌ، أو أنَّ الخبزَ حرامٌ، ونحوِ ذلكَ -مما أُجمِعَ عليه إجماعاً قطعيًّا-.


- وبالشكِّ(5 ): في شيءٍ من ذلك».».


2- وفي كتابنا «مجمل مسائل (الإيمان والكفر) العِلميَّة..» (ص 31-33) -بعد نقلِ أنواعِ الكفرِ -كلِّها-عن ابن القيِّم- ما نصُّهُ:


«وكما أنَّ للكفْرِ (أنواعَه)؛ فإنّ له (أسباباً) -أو قُل: (دوافعَ)- موصِلَةً إلى تلكَ الأنواعِ؛ وهي:


- القَولُ.


- وَالعَمَلُ.


- وَالاعتِقَادُ.


- وَالكُفْرُ العَمَلِيُّ -والقَوْلِيُّ-أَيْضاً- نوعان:


أ- ما ليسَ مُخْرِجاً مِنَ الملّة؛ مِمَّا هو معدودٌ في الكفرِ العمليِّ(6 ) المَحْضِ-قَطْعاً-؛ كالحلِفِ بغيرِ اللَّهِ؛ وإتيانِ العرَّافين -ونحوِ ذلك-.


ب- ما هُوَ مُخْرِجٌ مِنَ المِلَّةِ بِذاتِهِ -وَلا يُشْتَرَطُ لإيقاعهِ اسْتِحْلالٌ قَلْبِيٌّ؛ لأنّهُ -بِنَفْسِهِ- كُفْرٌ ظَاهِرٌ، وَدليلٌ على كفْرِ الباطن، ومُستلزمٌ له-؛ وَهُوَ ما كانَ مُضادّاً للإِيمانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ مِثْلُ: سَبِّ اللَّهِ -تَعالَى-، وَشَتْمِ الرَّسولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَالسُّجُودِ للصَّنَمِ، وَإِلقاءِ المُصْحَفِ في القاذُوراتِ... وَما في مَعْناهَا -مِمَّا دلّ الدّليلُ عليه، وَحَكَمَ أئمّةُ العِلمِ فِيه-.


وَتَنْزِيلُ هذا الحُكْمِ عَلَى الأعْيانِ: لا يَقَعُ إلاَّ بشرطهِ المُعتَبَر -قصْداً واختياراً-، ومِن أهلهِ الأَكْفاءِ به -تَنْفيذاً واعتِباراً-.


- وَنَقُولُ -كَما يقولُ أَهْلُ السُّنَّةِ-:


إِنَّ العَمَلَ -أَوِ القـولَ- الكُفْرِيَّ الظَّاهِرَ -الأكبرَ-المحضَ-(كُفْرٌ) -بذاتِهِ- يُخرِجُ صَاحِبَهُ مِن الملَّةِ؛ وَهُوَ دَلِيلٌ -أيضاً- عَلَى كُفْرِ البَاطِنِ.


وَلا نَقولُ ما يَقولُ أَهْلُ البِدَعِ الضالُّون: (العَمَلُ الكُفْرِيُّ لَيْسَ كُفْراً! لَكِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الكُفْرِ)!!


والفَرْقُ دَقِيقٌ».


3- ما ذكرتُهُ في كتابي «التعريف والتنبئة بتأصيلات الإمامِ الألباني في مسائلِ الإيمانِ والردّ على المُرجئة» (ص 73-74/ سنة 1421هـ) في الأصْـلِ السَّادِسِ؛ وهو: (سَبُّ اللَّهِ أَوْ رَسُولِهِ -وَنَحْوُهُ- كُفْرٌ أَكْبَرُ، وَقَدْرُ أَثَرِ ذلِكَ عَلَى فَاعِلِهِ)؛ حيثُ قلتُ:


«... وَهذَا أَمْرٌ مُسَلَّمٌ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ -قَاطِبَةً-، مَقْطُوعٌ بِهِ عِنْدَهُمْ، لا تَتَرَدَّدُ فِيهِ الأنْظَار، وَلا يَتَحَيَّرُ فِيهِ ذَوُو الأفْكَار:


قَالَ شَيْخُ الإِسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي «الصَّارِمِ المَسْلُولِ» (2/ 461): «سَبُّ الرُّسُلِ وَالطَّعْنُ فِيهِمْ: يَنْبُوعُ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الكُفْرِ، وَجُمَّاعُ جَمِيعِ الضَّلالاتِ، وَكُلُّ كُفْرٍ فَفَرْعٌ مِنْهُ؛ كَمَا أَنَّ تَصْدِيقَ الرُّسُلِ أَصْلُ جَمِيعِ شُعَبِ الإِيْمَانِ، وَجُمَّاعُ مَجْمُوعِ أَسْبَابِ الهُدَى».


وَلَكِنَّ مَا قَدْ يُشْكِلُ عَلَى (البَعْضِ) عَدَمُ تَفْرِيقِهِمْ بَيْنَ (حُكْمِ السَّبِّ) وَ(حُكْمِ السَّابِّ)؛ إِذْ لا يَلْزَمُ مِنْ كُلِّ مَنْ وَقَعَ بِمَا ظَاهِرُهُ (السَّبُّ) -كُفْرًا- أَنْ يَكُونَ حُكْمُ (السَّبِّ) -حَقِيقَةً- وَاقِعًا عَلَيْهِ


-ضَرُورَةً-...


يَقُولُ العَلاَّمَةُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ آلُ الشَّيْخِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي «فَتَاوِيهِ» (12/ 191):


«ثُمَّ هُنَا شَيْئانِ:


أَحَدُهُمَا: الحُكْمُ عَلَى هذَا الشَّيءِ أَنَّهُ كُفْرٌ.


وَالثَّانِي: الحُكْمُ عَلَى الشَّخْصِ بِعَيْنِهِ شَيْءٌ آخَرُ...».


وَكَانَ قَدْ قَالَ -قَبْلُ-رَحِمَهُ اللَّهُ-:


«فَعَرَفْنَا مِنْ هذَا أَنَّهُ لا تَكْفِيرَ لأحَدٍ إِلاَّ بَعْدَ قِيَامِ الحُجَّةِ( ) عَلَيْهِ...».


«وَالَّذِي عَلَيْهِ عُلَمَاءُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ أَنَّ مَوَانِعَ التَّكْفِيرِ(7) أَرْبَعَةٌ: (الجَهْلُ، وَالخَطأُ، وَالتَّأْوِيلُ -أَوِ الشُّبْهَةُ-، وَالإِكْرَاهُ)، فَمَنْ وَقَعَ فِي كُفْرٍ عَمَلاً -أَوْ قَوْلاً- ثُمَّ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ، وَبُيِّنَ لَهُ أَنَّ هذَا كُفْرٌ يُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ، فَأَصَرَّ عَلَى فِعْلِهِ -طَائِعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ، مُتَعَمِّدًا غَيْرَ مُخْطِئٍ، وَلا مُتَأَوِّلٍ-؛ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ- وَلَوْ كَانَ الدَّافِعُ لِذلِكَ الشَّهْوَةَ، أَوْ أَيَّ غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ؛ وَهذَا مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الحَقِّ- ظَاهِرِينَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ -إِنَّ شَاءَ اللَّهُ-»(8).».


ومِثلُهُ في كُتُبِي: «كلمة سواء»، و«التنبيهات»، و«الأجوبة»، وغيرها...


و{مَن يَهْدِ اللَّهُ فهو المُهْتَد}...


# ثالثًا:


قولُهُ -نقلاً!- فيَّ:


(أنكم تحصرون الكفرَ في التكذيب، دون الإباء والاستكبار -وغيرها مِن دوافع التكفير-)!!


فلي مُلاحظةٌ -أوّلاً- على السؤال:


فقول الأخ -جزاه اللَّهُ خيرًا-: (.. مِن دوافع التكفير): غير دقيق!


والصواب أنْ يقول: (.. مِن أنواع الكفر).


فـ(الدوافع) هي (الأسباب) سواءً بسواء؛ وهي غيرُ (الأنواع)!


وليس بخفيٍّ -كذلك- أنَّ (الكفر) غيرُ (التكفير)...


وقد سبق بيانُ بعض الفَرْقِ بينهما -فيما نقلتُهُ عن «التنبيهات»-.


وأمَّا الجواب؛ فأقول:


نقلتُ في كتابي «صَيْحة نذير بخطر التكفير» (ص 46-49 الطبعة الأولى/ سنة 1417هـ) عن الإمام ابن القيِّم -رحمه اللَّه- في «مدارج السالكين» (1/335-338) سردَهُ لأنواعِ الكفرِ -كلِّها: تكذيبًا، وإباءً، وإعراضًا، وشكًّا، ونِفاقًا، وجحودًا..


ثم نقلتُ في الحاشيةِ ردَّ سماحةِ أستاذنا الشيخ العلامة الإمام عبد العزيز بن باز في ردِّهِ على الإمام أبي جعفر الطحاويِّ في «عقيدتِهِ»؛ لمَّا قال: «ولا يخرج العبدُ مِن الإيمانِ إلاَّ بجحودِهِ ما أدخلَهُ فيه»!


وذلك قولُهُ -رحمه اللَّهُ-: «هذا الحصر فيه نَظَر..» إلى آخرِ تعقيبِهِ -رحمه اللَّه-.


وقد أشرتُ إلى (عدّ أقسام الكفر ستّةً) -عازيًا إلى «صيحة نذير»- في كتابي «التحذير من فتنة التكفير» (ص 11 / الطبعة الثانية 1418هـ)، وأوسع منه في (الطبعة الثالثة - 14 و18 و122/ سنة 1423هـ) -منه-.


وأمَّا في «التنبهات المتوائمة..»؛ فقد كان البيانُ لهذا الأمرِ أكثرَ، وأكثرَ..


فانظر (ص 18 و19 و117 و215 و298 و441 و460 و466 و490) -منه-.


وبعضها -أيضًا- في بيان أسبابِ الكفر؛ فتأمَّلْ.


ومثله في «التعريف والتنبئة..» (ص 99-100)، و«كلمة سواء» (ص 14) -أيضًا-.


# رابعًا:


وأمَّا قولُهُ -نقلاً!- فيَّ:


(أنكم لا تكفّرون أحدًا حتى يُريد الكفر؛ فلو عبد الأصنام -والشُّروط متوفّرة فيه، والموانع عنه منتفية- لكنّه لم يُرد الكفر: فإنَّه لا يكفر)!!


فأقولُ: وهذه -عِياذًا باللَّهِ- أشدُّ تلكم الدعاوى -كلِّها- وأنكاها!!


باللَّهِ؛ كيف يقولُ هذا مسلمٌ؟!


وهو ما لا يُؤيّده لا عقلٌ ولا نقلٌ!!


سبحانك اللَّهمّ..


نَعَم؛ الكلام في مسألة (القصد والإرادة) متعلّق بقصدِ (الفعل)؛ أمَّا قصدُ الكفر؛ فلا... وألفُ لا!


ولقد نقلتُ في «التعريف والتنبئة..» (ص 94) عن شيخ الإسلامِ ابن تيميّة -رحمه اللَّهُ- قولَهُ في «الصارم المسلول» (2/339):


«لا يكادُ يقصدُ الكفرَ أحدٌ؛ إلاَّ ما شاءَ اللَّه».


ثم قلتُ -عَقِبَهُ-: (وهذا بيّنٌ جدًّا جدًّا).


ثم نقلتُ -في آخرِ المبحثِ- عن تلميذِهِ الإمامِ ابن القيّم -في «إعلامِ الموقعين» (3/53-54) قولَهُ:


«فإيَّاك أن تُهملَ (قصدَ) المُتكلِّم، ونيَّتَهُ، وعُرفَهُ؛ فتجنيَ عليه، وعلى الشريعة، وتنسِبَ إليها ما هي بريئةٌ منه.


ففقيهُ النفسِ يقول: ما أردتَ؟


ونصفُ الفقيه يقول: ما قُلتَ؟».


ثم علَّقتُ بقولي -ثمَّةَ-:


«أقولُ: و(غيرُ الفقيه) يقول: أشركتَ، وكفرتَ!!».


وفي كتابي «التحذير» (ص 112-113) نقلان مِن كتابَينِ -للإمام ابن القيِّم- متعلّقان بـ(عدم القصدِ)...


... ونصُّ لفظِهِ -رحمه اللَّهُ- في ثاني النقلَينِ: قولُهُ بعد كلامٍ وكلام-في آخرِهِ-:


«... فالأحكامُ في الدنيا والآخرةِ مرتبةٌ على ما كسبه القلبُ، وعَقَدَ عليه، (وأراده) مِن معنى كلامِهِ».


أقولُ: والمُرادُ -يقينًا- قصدُ الفعل، وإرادةُ العَمَل؛ لا قصدُ الشرك، وإرادة الكفر..


فتنبّه.


.. هذا آخرُ ما وفّقني اللَّهُ -تعالى- إليه بـ«الانتهاض» للإجابةِ (على) أسئلةِ أخي الفاضل -السائل مِن الرياض-؛ سائلاً اللَّهَ -سبحانه- التوفيقَ والإعانةَ -لي وله، ولسائر المسلمين-، وأَنْ يهديَنا -جلّ في عُلاه- إلى الحقّ، وأَنْ يهديَ بِنَا إلى الحقّ؛ إنَّه -عزَّ وجلَّ- سميعٌ مُجيبٌ.


وحتَّى ينضبطَ القولُ أكثرَ وأكثرَ:


أذكُرُ لِمَا تقدّم خُلاصَة: أدفعُ بها أيَّ نقصٍ أو خَصاصَة(11) فأقولُ -واللَّهُ المُستعان، وعليه التُّكلان-:


1- الإيمان قولٌ وعملٌ واعتقادٌ، يزيدُ بالطاعات، وينقص بالمعاصي والسيِّئات.


والعملُ مِن حقيقةِ الإيمانِ.


2- سَبُّ الدين، والاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم، وإلقاء المُصحفِ في القاذورات، والسجود للصنم -وما أشبَهَها مِن الكفرِ العمليِّ والقوليِّ -المُضادِّ للإيمانِ مِن كُلِّ وجهٍ-: كفرٌ أكبرُ.


3- الكفرُ (أنواعٌ): استحلالٌ، وتكذيبٌ، وجحودٌ، وإعراضٌ، ونِفاقٌ...


وله (أسبابٌ): قولٌ، وعملٌ، واعتقاد.


4- التكفير العينيُّ له شروطٌ -يجبُ أن تتوفّرَ-؛ وموانعُ =يجب أن تنتفيَ-؛ وليس منها -قطٌّ- زَعْمُ (إرادة الكفر) أو(قصد الكفر)!! فهذا لا يكاد يُوجد في خَلْق اللَّهِ -قطّ-.


وأزيدُ نقطةً خامسةً -هُنا-وإن لم تَرِد في نصّ الأسئلة-لِمَا لها مِن أهميَّةٍ-؛ وهي:


ما يتعلّق بما يُكثِر بعضُ الإخوةِ -اليومَ-على تنوُّع توجُّهاتهم!- مِن تَرْدادِهِ مِن مصطلحات مُعيَّنة؛ مثل: (جنس العمل)!! و(شرط الصحّة - الكمال)!!! إلى غير ذلك مِمَّا يُكرّرونَه ويُردّدونَه!


فأُورِدُ -هنا- ما ذكرتُهُ في «الرد البرهاني في الانتصار للإمام الألباني» (ص 156-157) -حول مصطلح (شرط الصحة - الكمال)( 12)-هذا-:


«وإِذْ قد أضحَتْ (بعضُ) هذه (الاصطلاحات) عائقًا (ذِهنيًّا) يمنعُ الحقَّ، ويحجُبُ أهلَهُ عنه؛ فلا بُدَّ مِن (تحريرِهَا، أو تكسيرِهَا)..


ورحمَ اللَّهُ أُستاذَنَا الشيخَ محمَّدَ بنَ صالحٍ العُثيمينَ -القائلَ- كما في «الأسئلة القَطَريَّةِ» -جوابًا على سؤالٍ حولَ هذه (المصطلحات) -جميعًا-:


«.. وإنِّي أنصحُ إخواني أَنْ يتركوا هذه الأشياءَ، والبحثَ فيها، وأَنْ يرجعوا إلى ما كانَ عليه الصَّحابةُ -رضوانُ اللَّهِ عليهم-.


والسَّلفُ الصَّالحُ لم يكونوا يعرفون مثلَ هذه الأمورِ؛ المؤمنُ مَن جعلَهُ اللَّهُ ورسولُهُ مؤمنًا، والكافرُ مَن جعلَهُ اللَّهُ ورسولُهُ كافرًا»...


وهذا جِدُّ واضحٍ -بحمدِ اللَّهِ-.


ونَصِيحتُهُ -رحمَهُ اللَّهُ- مَقبولَةٌ، وعلى الرَّأْسِ والعينِ؛ لِكَونِهَا حقًّا، ومِن عالمٍ حَقٍّ، ولا تَهدِي -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- إلاَّ إلى الحقِّ؛ وبخاصَّةٍ بعد معايَنَتِنَا لأهواءِ (بعضِ) الخَلْق، ومُعاناتنا مِن مُخالفِي الحقّ...».».


ثُمَّ كرّرتُهُ -بلفظِهِ- في «التنبيهات المتوائمة» (ص 66-67).


وأمَّا مصطلح (جنس العمل) -وما يُفرِّعونه عليه من (آحاد العمل)!!-؛ فأُورِدُ فيه -أيضًا- ما قلتُهُ في «التنبيهات» (ص 420-424):


«وَلَقَدْ نقلتُ في كتابي «التعريف والتنبئة» (ص 86) جوابَ فضيلةِ أُستاذِنا الشيخ ابن عثيمين -رحمه اللَّه- (عمّن قال: تارك جنس العمل كافر، وتارك آحاد العمل ليس بكافر)؟!


وثمّة جوابُ فضيلتِه -رحمه اللَّه-مرّة أُخرى-توكيدًا، وتثبيتًا-؛ وهو قولُه:


«مَن قال هذه القاعدة؟!


مَن قائلُها؟!


هل قالها محمّدٌ رسول اللَّه؟!


كلامٌ لا معنى له!


نقول: مَن كفّرَه اللَّهُ ورسولُه؛ فهو كافِر، ومَن لم يُكفِّرْهُ اللَّهُ ورسولُه؛ فليس بكافر.


هذا هو الصّواب.


أمّا (جنس العمل)، أو (نوع العمل)، أو (آحاد العمل)؛ فهذا كلُّه طَنْطَنَةٌ لا فائدةَ منها».


هذا حَرْفُ كلامِهِ( ) –رحمه اللَّه-.


ز - ثمّ؛ ما الدّليلُ (الشّرعيُّ)(13 ) -مِن الكتابِ أَوِ السُّنَّة- على كُلِّ ذَلِكَ -بَلْ أَيٍّ مِن ذلك!- بِالتَّفْصِيلِ، وَالدَّلِيلِ -جَمْعًا، أَوْ تَفْرِيقًا-؟!


أَقُولُ:


هَكَذَا تُحَلُّ القَضِيَّةُ، وَتَنْتَهِي المُشْكِلَةُ... أَمَّا المُضِيُّ فِي سَرَابِ الاصْطِلاَحَاتِ؛ كُلٌّ عَلَى مَا يَرَى، وَكُلٌّ عَلَى مَا يَحْسِبُ:


فَلاَ... وَأَلْفُ لاَ..


وَرَحِمَ اللَّهُ -تَعَالَى- شَيْخَ الإِسْلاَمِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ -فِي عَدْلِهِ، وَعِلْمِهِ-؛ لَمَّا نَقَلَ عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ نَصَّ كَلاَمِهِ فِي «تَفَاضُلِ الإِيمَانِ» -عُدُولاً مِنْهُ عَنْ لَفْظِ «زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ»-؛ قَالَ:


«وَكَأَنَّ مَقْصُودَهُ الإِعْرَاضُ عَنْ لَفْظٍ وَقَعَ فِيهِ النِّزَاعُ إِلَى مَعْنًى لاَ رَيْبَ فِي ثُبُوتِهِ»(14 ).


وَهُوَ مَا بِهِ أَقُول، وَلَسْتُ عَنْهُ أَزُول...


ومِنه -مِن طَرَفٍ آخر- كلامُهُ -رحمَهُ اللَّهُ- في «مجموعِ الفتاوى» (17/417):


«وأهلُ البدعِ المخالفون للكتابِ والسُّنَّةِ يدَّعون العلمَ والعِرفان والتحقيق، وهم مِن أجهلِ النَّاسِ بالسَّمعيّاتِ والعقليَّاتِ، وهم يجعلون ألفاظًا لهم مُجمَلةً مُتشابهةً تتضمن حقًّا وباطلاً، يجعلونها هي الأُصولَ المُحكَمةَ، ويجعلون ما عارضها مِن نصوصِ الكتابِ والسُّنَّة مِنَ المُتشابِهِ الذي لا يعلم معناه عندهم إلاَّ اللَّه، وما يتأولونه بالاحتمالات لا يفيد، فيجعلون البراهين شبهات، والشبهات براهين !!».».


وأختمُ هذه الرسالةَ الوجيزةَ: بإيرادِ ما نقلتُهُ في «التنبيهات المتوائمة» (ص 363) مِنْ هَدْيِ بعضِ السَّلَفِ (الصَّالِحِينَ) -وذلك قَوْلُهُ-:


«ما بَلَغَنِي عن أخٍ لي مكروهٌ -قطُّ- إلاَّ كانَ إسقاطُ المكروهِ عنه أَحبَّ إليَّ مِن تحقيقِهِ عليه، فإِنْ قال: «لم أَقُلْ»؛ كان قولُهُ: «لم أَقُلْ» أَحَبَّ إِليَّ مِن ثمانيةٍ يشهدونَ عليه»(15 ).».


هذا آخِرُ ما جَرَى به القَلَمُ على وَجْهِ الاختصارِ؛ سائلاً ربِّي -تعالى- التوفيقَ والسَّداد، والهُدَى والرَّشاد.


وأُشْهِدُ اللَّهَ -تعالى- أنَّ هذا ديني ويقيني؛ لا أَحيدُ عَنْه، ولا أتحايَدُ مِنْه؛ رَضِيَ مَن رَضِي، وسَخِطَ مَن سخط، كَذَّبَ مَن كَذَّب، وصَدَّقَ مَن صَدَّق...


والحقُّ أَبْلَج، والباطلُ لَجْلَج.


{لِيجزيَ اللَّهُ الصادقين بصدقهم}.


{يا أيُّها الذين آمنوا اتقوا اللَّهَ وكونوا مع الصادقين}.


وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا قَامَ إلَى صَلاَةِ اللَّيْلِ يَقُولُ :


«اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ -فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ- أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ؛ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِك إنَّك تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».


وكتبه


-في مجلسٍ واحدٍ-


علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد


الحلبي الأثري


يومَ تاسوعاء مِن شهرِ اللَّهِ المُحرّم / 1425هـ


 




--------------------------------------------------------------------------------


(1) ورمزُهُ: albani1421@hotmail.com أو: @yahoo.com.


وأمَّا عنوانُ (موقعي) الألكتروني؛ فهو: www.alhalaby.com.


( 2) وفي «مجموع الفتاوى» (7/351) لشيخ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه اللَّهُ- قولُهُ -فيه-: «كتابُ (الإيمان) الذي افتتح به [البخاريُّ] «الصحيحَ»: قرَّرَ مذهبَ أهلِ السنةِ والجماعةِ، وضمَّنَهُ الرّدّ على المرجئة؛ فإنَّهُ كان مِن القائمين بنصر السنة والجماعة -مذهب الصحابة، والتابعين لهم بإحسان-».


( 3) وفي بعضِ النُّسَخِ: (وعمل القلب [واللسان] والجوارح): بإضافة (اللسان)!


فانظُرْ لبيان وجهِ انتقادِها -وشرحِهِ-: كتابي: «كلمة سَوَاء...» (ص 59) -إغلاقًا على بعضِ المُرجئةِ شيئًا مِن شبهاتهم-.


(4 ) كما في مقدِّمتِهِ على كتاب «تعظيم قدر الصَّلاة» (1/6-7) للإمامِ محمد ابن نصر المروزي.


وكذا في «المجموع» (2/480-481، و2/723) -لأخينا الشيخ عبد الأوَّل ابنِ شيخِنَا حمَّادٍ الأنصاريِّ -نقلاً عن والدِهِ-رحمَهُ اللَّهُ-.


(5 ) والأصل -عندي- إلحاقُ (الشكِّ) ب‍(أنواع الكفر)، لا (أسبابه)؛ كما هو في كلام الإمامِ ابنِ القيِّم؛ فتأمَّل.


(6 ) ومَن صَدَرَ عنه -مِن عُلماءِ (أهل السنة)- القولُ بأنَّ الكفرَ العمليَّ غيرُ مكفِّر؛ فإنَّ مُراده -بهِ-يَقِينًا-: الكفرُ الأصغرُ؛ مُقابِلاً إيّاهُ بـ (الكفر الاعتقادي)، وهو -هكذا-إِذَا أُطْلِقَ-بِمُقَابِلِ ذاكَ- الكفرُ الأكبرُ.


ولهذا شواهدُ عدّة في كلامِهم -قديمًا وحديثًا-؛ فلا يؤاخذ الواحد منهم بشيءٍ مِن ذلك -أكثرَ مِن خَلَلِ عبارةٍ-.


(7 ) انْظُر: «مَجْمُوعَ الفَتَاوَى» (1/ 109)، و(2/ 352 و378 و486)، و(3/336)، و(10/ 372 و634)، (11/ 47 و413 و684)، و(14/ 334)، (15/ 76).


(8 ) انْظُر: «مَجْمُوعَ الفَتَاوَى» (10/ 330 و372)، و(12/ 483، 487)، و(20/ 255 و269)، و(28/ 500)، و(35/ 65).


(9 ) «التَّوَسُّطُ وَالاقْتِصَادُ...» (ص 14)! لِلأخِ عَلَوِي السَّقَّاف -سَدَّدَهُ اللَّهُ-.


( 10) في «القاموس المحيط» (ص 796): «الخَلَلُ».


(11 ) وأعجبتني كلمةٌ لبعضِ أهلِ العلمِ؛ يقولُ فيها: (العمل شطر الإيمان، لا شرطه).


( 12) وقد علّقتُ على هذا النّصِّ العزيز في «التّعريف والتنبئة» (ص 87) -قائلاً-:


«وهل (الجنس) إلاّ مِن (آحاد)؟!


وهـل (شُعب الإيمان) إلا (آحادٌ) تراكبت وتراكمت؛ حتّى وصلت إلى بضعٍ وستّين -أَو بضعٍ وسبعين-؛ قولاً، واعتقاداً، وعملاً؟!».


وأَقولُ -هَهُنَا- كلمةً -مفصَّلةً- شيئاً -ما-:


أ - (العمل) من الإيمان.


ب- و(جنسُ) الشيءِ: هو بعض (أفرادِهِ) التي منها (حدُّه الأَدْنى) -الدّالُّ عليه، المُتَحَقِّقُ بِهِ-.


جـ- فما هذا الفردُ -أو (الحدّ الأدنى)- الّذي به يتحقَّق (جنس العمل)؟!


- هل هو (الصّلاةُ) -فقط-؟!


- أم هو أَيُّ ركنٍ من (الأركان الأربعة) -بعد الشّهادَتَين-؟!


- أم هو أوسعُ من ذلك؛ لِيَشملَ فرضاً -ما- من (الفرائِض) الأُخرى -جميعـــــاً- زيادةً على الأركان الأربعة، أو مُغايراً لها! -لِيَتَحقَّق بفِعْلِ واحِدٍ منها عَمَلُ (فردٍ) -أو إقامةُ (الحدّ الأدنى)- لـ (جنس العمل)؟!


- أَم أَنّ (العملَ) أوسعُ وأوسعُ؟! بحيثُ يشمَل -وَلَوْ!- (عملاً) واحداً من (المستحبّات) الشرعيّة المتكاثرة -الّتي هي زائدةٌ عن (الأركان) و(الفرائض)-أو مُغايرَةٌ لها-؛ ليَتَحقَّق بـ(عمل) واحدٍ منها عملُ (فردٍ)، أو إقامةُ (الحدّ الأدْنَى) لـ(جنس العمل)؟!


د - وهل (جنس العمل) المرادُ -على أَيٍّ من الوجوه المُتقدّمة!-: كلُّه؟!


هـ - أَم جنسُه -أَيضاً-؟! بأَنْ يقال -مثلاً- فيمن صلّى رَكعةً أو رَكْعتَين -فقط-، أَو سَجَدَ سجدَةً أَو سجْدَتَينِ! -حَسْبُ-: إِنّه قد أَتى بـ (جنس العمل) مِن الصّلاة؟! وبالتّالي: (جنس العمل) المُنْجِي؟!


و - وهل يُكتفَى بـ(عمل) واحدٍ؟! أَمْ لا بُدَّ منها -جميعاً-؛ فيما يحقِّق معنى (الجنس) في كلِّ (عملٍ) -عملٍ- منها؟!


( 13) وَأَخِيرًا -كلمةٌ سريعة!-: (يَلْزَمُ) المُكَفِّرَ بِتَرْكِ (جِنْسِ العَملِ) أَنْ لاَ يُكَفِّرَ (تَارِكَ الصَّلاَةِ)؛ وَإِلاَّ: تَنَاقَضَ!! فَتَأَمَّلْ.


( 14) «مجموع الفتاوى» (7/506-507)، وانْظُر «المسائل والرسائل المرويّة عن الإمام أحمد بن حنبل» (1/93-94).


(15 ) رَوَاهُ الْحَرّانِيُّ فِي «تارِيخِ الرَّقَّةِ» (ص 25) مِن قولِ الإمامِ الثّقةِ الجليل مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-.


وقد علَّقتُ على هذا الأثر السَّلفيِّ الجليل في مقدِّمتي على كتابِ «الفارق بين المصنِّف والسَّارق» (ص 29 - سنة 1410هـ) - للسُّيوطي - بقولي:


«هذه هي حقيقةُ القلبِ الكبيرِ تجاه المخطئِ بحقٍّ، فكيفَ ببعضِ أبناءِ هذا العصرِ الذينَ يُواجهونَ مَن توهَّموا فيهم الغَلَطَ نتيجةَ ظنٍّ سيِّئ؟! فتراهم يُشيعونَ التُّهَم، ويُبَعْثِرونَ الادِّعاءاتِ؛ مِن غيرِ تثبُّت، أو تأنٍّ، أو حُسْنِ ظنٍّ!».


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127