الشيخ عبدالحميد العربي الجزائري

ما علاقة الإمام مالك بعقيدة أبي الحسن الأشعري، وطريقة الجنيد السالك؟ - الشيخ عبدالحميد العربي الجزائري

أضيف بتاريخ : 23 / 09 / 2009
                                


((ما علاقة الإمام مالك بعقيدة أبي الحسن الأشعري، وطريقة الجنيد السالك؟)).


*من هو الإمام مالك بن أنس(المتوفى في سنة179 هجرية)، الذي ينتسب إليه المالكية؟

هل هو كما نراه في سلوك بعض المنتسبين إليه من المتأخرين الذين نراهم في زوايا المساجد على صورة دراويش، والذين يتنافسون في اقتناء أطول مسبحة، وكتابة أكبر عدد من التمائم، أو الذين نراهم على شاشات التلفزيون بالبنطال ورابطة العنق والخد الأملس، والذين يفتون في الأخضر واليابس بلا مراقب ولا حارس؟! أم حقيقة الإمام مالك رحمه الله تعالى ما نقرأه عنه في الطبقات الكبرى لابن سعد، وتاريخ يحي بن معين، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم، سير أعلام النبلاء للذهبي، وترتيب المدارك للسبتي، والأنساب للسمعاني، وتهذيب الكمال للمزي، ومناقب مالك للزواوي، والبداية والنهاية لابن كثير، والدباج المذهب، وتزيين الممالك، وشذرات الذهب، وشجرة النور الزكية، و...و...؟.

*وما قصة التثليث التى يحتضنها بعض المالكية من المتأخرين، من قولهم نحن على مذهب مالك في الفقه، وعلى عقيدة أبي الحسن الأشعري، وعلى طريقة جُنيد السالك؟

*وهل للإمام مالك أقوال واضحة في العقيدة الأثرية، نقلها عنه تلاميذته، أم أنه رحمه الله لم ينبس ببنة شفة في باب العقائد، ولهذا لجأ بعض المالكية إلى تبني عقيدة أبي الحسن الأشعري، وطريقة الجنيد السالك خشية أن يعيشوا طَوال حياتهم مالكية في فلاة بلا عقيدة ولا سلوك؟!

*وهل صحيح أن بعض المالكية المتعصبين على عقيدة أبي الحسن الأشعري التي أناب إليها في آخر حياته ودونها في كتابه الإبانة، أم أنهم قابعون على المرحلة الثانية من حياة أبي الحسن الأشعري، والتي تمثل ما كان عليه سعيد ابن كلاب، أو ما يسمى بالمذهب الكُلابي؟

*وهل المذهب المالكي الذي كان عليه المتقدمون كالقزاز و القيرواني وسحنون يقر بناء القباب على أضرحة الصالحين، وتشييدها، وشدّ الرحال إليها، والذبح على عتبتها، وإقامة الأعياد السنوية عند ضريح كل عبد صالح مع الرقص، والأناشيد الشركية، واختلاط النساء بالرجال في جوّ عفن وخانق، وهل يقر دعاء الأموات والاستغاثة بهم، ويرى التبرك بالشجر والحجر والتمرغ في التراب، وكتابة التمائم الشركية التي تحوي على الطلاسم والرموز، وهل يجيز العيافة والكهانة، وخط الرمل، والضرب بالحصى؟!

قال أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي المالكي (ت790) في الموافقات (2/118 ط: دار عفان) بعد ما تكلم عن العلوم التي كانت عند العرب، وما أقرته الشريعة وما رفضته، ومما رفضته:(ومنها ما كان أكثره باطلا أو جميعه؛ كعلم العيافة، والزجر، والكهانة، وخط الرمل، والضرب الحصى، والطيرة، فأبطلت الشريعة من ذلك الباطل ونهت عنه، كالكهانة، والزجر، وخط الرمل…).

*وهل كان الإمام مالك رحمه الله يجيز بناء الأحكام الشرعية على الرؤى المنامات التي تخرق قاعدة شرعية، أو حكما شرعيا، كأن يرى أحدهم أنه إذا مات يدفن في المسجد، وتبنى عليه قبة خضراء؟!

*وحتى في الفروع على تقسيم المتأخرين، فهل المذهب المالكي يجيز حلق اللحى، وتزويج المرأة بلا ولي، والدعاء الجماعي وراء كل صلاة مفروضة، وقراءة القرآن على الأموات، وسدل اليدين في الصلاة؟!

أسئلة كثيرة تحتاج إلى تجلية وإجابة، وبما أنني درست المذهب المالكي واجتهدت فيه كما هو حال كثير من أبناء المغرب العربي، أحببت أن أخوض غمار هذه المعركة بما معي من علم بالمذهب المالكي الذي كان عليه المتقدمون، وأقوم بنقل ما ثبت عن الإمام مالك رحمه الله في باب العقائد، حتى يدرك الداني والقاصي صفاء منهج مالك رحمه الله، وكدر ما عليه بعض المتعصبين من المالكية في العقيدة والفقه، وبعض مسائل الفروع التي وقع بسببها لغط وتناحر، وهو بحث مطول أسعى في طرحه على حلقات حتى يتسنى للقراء الكرام قراءته، وخاصة وأنه وردت إليّ شكاوى من بعض القراء بخصوص طول المقالات التي أقوم بإنزالها، وأن أهل الشبكة يصعب عليهم قراءة المطولات، وإن كان هذا يعد خلالا في علو الهمة، إلا أننا نستجيب لرغبتهم من باب سددوا وقاربوا، ومن منظور أخشى أن تملوا.




***الطرح الأول(1).


الحمد لله ذي العظمة والكبرياء، والمجد والثناء، تعالى عن الأنداد والشركاء، وتقدس عن الأمثال والنظراء، والصلاة والسلام على نبيه وصفيه محمد خاتم الأنبياء وإمام الأتقياء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أما بعد:

إن المتمعن بإنصاف وصدق في حياة الإمام مالك بن أنس الأصبحي رحمه الله الحافلة بالعلم والعمل والمنهج القويم، ثم يقارنها بعلم وعمل بعض من ينتسب إليه يجد تفاوتا واضحا، وفي بعض الأحيان يقف على تناقض جلي، فأحببت أن أوقف القارئ الكريم على بعض جوانب حياة الإمام مالك العلمية والعملية، حتى يتفطن المسلمون ولا ينسبون إليه تصرفات بعض المتعصبة والجهال الذين يلهثون باسمه ويخالفونه في منهجه، والذين يتفوهون بعبارة غريبة جدا يرفضها العقل والتأريخ؛ وهي: نحن في الفقه على مذهب مالك، وفي العقيدة على مذهب أبي الحسن الأشعري، وفي السلوك على طريقة الجنيد السالك.

مقولة تجعل الحليم حيرانا، ودائما كنت أقول في نفسي: ما هذا التثليث الذي ينعق به بعض المتعصبين من المالكية؟

وكيف ينسب متقدم إلى متأخر؟!.

وما هو الحافز الذي جعلهم يأخذون العقيدة والسلوك عن غيره؟

وبأي منهج فرقوا بين الفقه والعقيدة والسلوك في التلقي؟

وهل عقيدة الإمام مالك مجهولة، وسلوكه مشين فقام بعض المالكية باستدراك الموقف والركون إلى عقيدة الأشعري في طوره الثاني وسلوك الجنيد، لتغطية النقص!؟

ولماذا لا يعرج بعض المالكية على عقيدة الإمام مالك، ويشرحونها للناس، مع أنها منتشرة في دواوين أئمة الإسلام، وفي المقابل يعكفون على جوهرة التوحيد التي تناقض تماما ما عاش مالك من أجله ودعا إليه؟

بل لماذا يعمد بعض المالكية قصدا إلى تعمية عقيدة الإمام مالك حتى لا يقف عليها المتأخرون؟

ولصالح من هذا العمل ويخدم أي طبقة من طبقات المسلمين؟

وهل هذا العمل المملوء بالتدليس هو الذي يعيد للمسلمين مجدهم، ويحرر لهم القدس، ويسترجع لهم الأندلس؟!

ولماذا يقدم المالكية المشهور على المتواتر في المذهب، بل ولماذا يقدمون المفرع من الفرع على المتواتر؟!

لقد رضي بعض المتعصبين من المالكية بالإمام مالك في الفروع على اصطلاح المتأخرين فهلا رضوا به في الأصول فيما بينهم وبين ربهم، وبما نص عليه ودعا إليه.

إن المالكية المتقدمين وخاصة أهل المغرب كانوا على عقيدة أهل الحديث والأثر إلى حين ظهور المغضوب عليه ابن تومرت الهالك السافر الذي عكر على أهل المغرب دينهم، وكدّر عليهم عيشهم، وقذف بهم في دردير الفتنة وثمادها.

قال العلامة الذهبي رحمه الله في السير(17/557): (...كان علماء المغرب لا يدخلون في الكلام، بل يتقنون الفقه أو الحديث أو العربية، ولا يخوضون في المعقولات، وعلى ذلك كان الأصيلي، وأبو الوليد بن الفرضي، وأبو عمرو الطلمنكي، ومكي القيسي، وأبو عمرو الداني، وأبو عمر بن عبد البر، والعلماء).

وقال اليسع بن جزم كما في السير(19/550): ( سمَّى ابن تومرت المرابطين بالمجسمين، وما كان أهل المغرب يدينون إلا بتنزيه الله تعالى عما لا يجب وصفه بما يجب له، مع ترك خوضهم عما تقصر العقول عن فهمه).

وهل يعلم المالكية الكرام أن الإمام مالك رحمه الله ألف كتابه الموطأ سيرا على طريقة أسلافه العُظام في الدفاع عن السنة، ومحاربة البدعة؟

قال العلامة ابن تيمية رحمه الله في التسعينة (1/158-159): (إنّ سلف الأمة وأئمتها ما زالوا يتكلمون ويفتون ويحدثون العامة والخاصة بما في الكتاب والسنة من الصفات، وهذا في كتب التفسير، والحديث، والسنن، أكثر من أن يحصيه إلا الله، حتى إنه لما جمع الناس العلم وبوبوه في الكتب، فصنف ابن جريج التفسير والسنن، وصنف معمر أيضا، وصنف مالك بن أنس، وصنف حماد بن سلمة، وهؤلاء أقدم من صنف في العلم، فصنف حماد بن سلمة كتابه في الصفات، كما صنف كتبه في سائر أبواب العلم، وقد قيل: إن مالكا إنما صنف الموطأ تبعا له، وقال: جمعت هذا خوفا من الجهمية أن يضلوا الناس لما ابتدعت الجهمية النفي والتعطيل..).

يا سبحان الله أين المتعصبون من المالكية من كتاب الموطأ الذي ألفه الإمام مالك ردا على الجهمية، ونصرة لمنهج أهل الحديث والأثر، وأين هم من شروحه كالتمهيد والاستذكار؟.

قال إبراهيم الحربي أبو إسحاق البغدادي الحافظ كما في السير(13/358): (لا أعلم عصابة خيرا من أصحاب الحديث، إنما يغدوا أحدهم ومعه محبرة فيقول: كيف فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم؟ وكيف صلى؟ وإياكم أن تجلسوا إلى أهل البدع فإن الرجل إذا أقبل ببدعة ليس يفلح).

أما حال بعض المتعصبين من المالكية المتأخرين فهو: هنا صلى الولي الفلاني، وهنا جلس، وهنا ضرب الأرض بعصاه فانفجر الماء حتى سالت منه الأودية، وهناك قبر، ثم يهرعون ويتنافسون إلى بناء قبة عليه، وإذا اختلف القوم، بنى كل فريق قبة في محيطه وحماها بكوم من القصص والأحاجي، وهذا عبد القادر الجيلاني رحمه الله مقبور في العراق، ومع هذا لا تخلوا دولة إسلامية من قبة له تزار، بل وتعبد من دون الله والله المستعان.


***ترجمة الإمام مالك ابن أنس رحمه الله(ت179هـ).***


هو إمام دار الهجرة وبقاع الإسلام؛ أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي، نسبة إلى أصبح قبيلة من حمير، وحمير من قحطان، ولد رحمه الله في سنة ثلاث وتسعين هجرية(93هـ) عام موت أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأشهر.


** أهل بيت الإمام مالك رحمه الله**:


نشأ الإمام مالك رحمه الله في بيت اشتغل بعلم الحديث والأثر، فأبوه أنس بن مالك من تابع التابعين، أحد رواة الحديث الشريف، فقد روى عنه ولده مالك، وإمام زمانه ابن شهاب الزهري، وأما جده والد أبيه واسمه مالك وكنيته أبو أنس كان من كبار التابعين، روى عن عمر بن الخطاب، وطلحة، وأم المؤمنين عائشة، وأبي هريرة، وحسان بن ثابت رضي الله عنهم أجمعين.

وكان جد أبيه وهو عامر بن عمرو صحابيا جليلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد المغازي كلها مع رسول الله ما عدا بدرا.

وأما أعمامه فهم: نافع، وأبو سهيل، وأويس، والربيع، وقد روى أربعتهم عن أبيهم مالك بن أبي عامر.

وكان أخوه النضر بن أنس ملازما للفقهاء مشهورا بالعلم، حتى أن مالكا كان يعرف بأخيه النضر، وذلك قبل أن يشتهر صيت مالك في الأفاق، فلما اشتهر مالك وعرف صار يقال: النضر أخو مالك.

أما أمه فاسمها العالية بنت شريك بن عبد الرحمن الأزدية، وكانت امرأة فاضلة، وكان لها دور كبير في توجيه ابنها مالك لطلب العلم الشرعي.

قلت: وكان لأهل بيت الإمام مالك أثر كبير في ظهور مالك ونبوغه على الأقران، كما أن هذا الأثر امتدّ إلى بعض أبنائه وهم أربعة: يحي، و محمد، و حماد، وأم البهاء واسمها فاطمة، وذكر القاضي عياض أن يحي وفاطمة كانا يحفظان الموطأ، وقال ابن شعبان المالكي: يحي بن مالك يروي عن أبيه نسخة، وذكر أنه رُوي الموطأ عنه باليمن، وروى عنه محمد بن سلمة.


*** طلبه للعلم وصبره عليه***

بدأ الإمام مالك لطلب العلم من حداثة سنه.

قال الزبيري: رأيت مالكا في حلقة ربيعة وفي أذنه شنف(أي قرط).

وقال السبتي: وهذا يدل على ملازمته الطلب من صغره.

قال مطرف: قال مالك: قلت لأمي: أذهب فأكتب العلم؟ فقالت: تعال فلبسْ ثياب العلم، فألبستني ثيابا مشمرة، ووضعت الطويلة على رأسي، وعممتني فوقها، ثم قالت: اذهب فاكتب الآن.

وقال مالك أيضا: كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه.

قال ابن القاسم: أفضى بمالك طلب العلم إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه، ثم مالت عليه الدنيا بعد.

وقد بلغ من صبر الإمام مالك وتحمله المشقة في ذلك أنه قال: كنت آتي نافعا نصف النهار وما تظلني الشجرة من الشمس، أتحين خروجه، فإذا خرج أدعه ساعة كأني لم أره، ثم أتعرض له فأسلم عليه وأدعه حتى إذا دخل البلاط أقول له، كيف قال ابن عمر في كذا وكذا؟ فيجيبني ثم أحبس عنه، وكان فيه حدّة، وكنت آتي ابن هرمز بكرة فما أخرج من بيته حتى الليل.[ يراجع ترتيب المدارك (1/130-132-133)].

**مكانة الإمام مالك العلمية**

بقد تحلت مكانة الإمام مالك رحمه الله العلمية في انتقاء الشيوخ، وقد كان رحمه الله حريصا في توحيد المشرب في الطلب، فلا يأخذ العلم إلا عمن عرف بالعدالة والضبط والديانة


** شدة تمسك الإمام مالك بالسنة**.

إن الأصول التي بنى عليها الإمام مالك منهجه هي: كتاب الله جلّ وعزّ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمل أهل المدينة الفضلاء، وكان يحرص رحمه الله على الإتباع ويشنع من الابتداع، وكان شديد الرجوع إلى كتاب الله جلّ وعز.

قال خالد بن نزار الأيلي: ما رأيت أحدا أنزع بكتاب الله عزوجل من مالك بن أنس.

وقال عبد الله بن وهب: سمعت مالك بن أنس يقول: ألزم ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: ((أمران تركتهما فيكم لن تضلوا ما تمسكتم بها؛ كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم)).

وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: سئل مالك بن أنس عن السنة؛ قال: ما لا اسم له غير السنة، وتلا ((وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)).

وعن حميد الأسود بن الأشقر البصري قال: قال رجل لمالك بن أنس: أحرم من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، أومن ذي الحليفة؟ فقال له: بل من ذي الحليفة. فقال الرجل: فإن أحرمت من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فقال مالك: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)).


أقف عند هذا الحد وفي الحلقة القادمة أنشر باقي ترجمة الإمام مالك، ويليها إن شاء الله منهجه في العقيدة والفقه.


وكتبه: أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي.


اقرأ أيضاً :


الاسم: الاثري
البلد: الجزاءر
التعليق: أين
اجدكتاب الفرق والطواءف في منضور اهل الحديث




Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127