الشيخ سالم العجمي

نداء الجهـــاد - الشيخ سالم العجمي

أضيف بتاريخ : 31 / 07 / 2008
                                

نداء الجهـــاد

 


 

الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة قامت بها الأرض والسموات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أسست الملة، ونصبت القبلة، ولأجلها جردت سيوف الجهاد، وبها أمر الله سبحانه جميع العباد، فهي فطرةُ الله التي فطر الناس عليها، ومفتاحُ العبودية التي دعا الأممَ إليها، وهي كلمةُ الإسلام، ومفتاحُ دارِ السلام، وأساسُ الفرض والسنة، ومن كان آخرُ كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة.


وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وخيرتُه من خلقه، وحجته على عباده، وأمينه على وحيه، أرسله رحمةً للعالمين، وقدوةً للعاملين، ومحجةً للسالكين، وحجةً على المعاندين، وحسرةً على الكافرين، أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وأنعم به على أهل الأرض نعمةً لا يستطيعون لها شكوراً، وأنزل عليه كتابَه المبين، الفارقَ بين الهدى والضلالِ والشكِ واليقين، فشرح له صدرَه، ووضع عنه وزرَه، ورفع له ذكرَه، وجعل الذلة والصَّغار على من خالف أمرَه.


فهو الميزانُ الراجحُ الذي على أخلاقه وأقواله وأعماله توزن الأخلاق والأقوال والأعمال، والفرقانُ المبينُ الذي باتباعه يُميز أهلُ الهدى من أهل الضلال، ولم يزل صلى الله عليه وعلى آله وسلم مشمرا في ذات الله تعالى، صادعا بأمره، إلى أن بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد.


فأشرقت برسالته الأرضُ بعد ظلماتِها، وتألفت به القلوب بعد شتاتِها، وقد ترك أمته على المحجة البيضاء، والطريق الواضحة الغراء، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن استن بسنته واهتدى بهديه وسلم تسليما كثيراً.


وبعد.. عباد الله..


فقد صح من حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا تبايعتم بالعينة، وتبعتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذُلاًّ لا يرفعه عنكم حتى تعودوا إلى دينكم".


وإن الناظر إلى أحوال أمتنا الإسلامية ليرى في هذا الحديث العظيم دليلا من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم وعلما من أعلامها، فإنه يتحدث عن واقع تعيشه هذه الأمة الممزقة التي ابتعدت عن دينها وتبعت الطرق المردية.


والمقصود بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا تبايعتم بالعينة": وصف لذلك البيع المحرم الذي انتشر بين صفوف كثير ممن يدعون الإسلام وقد دخلهم النقص والإخلال في دينهم، والإقلال في اتباع سنة نبيهم صلوات ربي وسلامه عليه، وذلك لضعف يقينهم بالله جل وعلا، ولأنهم أُناس طمعوا في هذه الدنيا وركنوا إليها، وخلفوا الآخرة وراء ظهورهم فتبايعوا بهذا البيع المحرم.


وبيعُ العينة: هو أحد المعاملات الربوية، وصورته: أن يأتي أحد الناس إلى آخر فيشتري منه سلعة.. أيَّا كانت هذه السلعة.. سواء كانت سيارة، أو فرشة، أو كرسي، فيبيعه هذه السلعة بثمن مؤجل فيقول: أبيعك هذه السلعة بثمن مؤجل بخمسة آلاف مثلاً، ثم يذهب هذا الفرد المشتري فيكتب له إقراراً بأنه مُدان لفلان بمبلغ خمسة آلاف، ثم يأتي نفس هذا الشخص الذي باع هذه السلعة فيشتريها من الرجل بثمن حالٍ حاضر أقل مما كتبه عليه بثلاثة آلاف مثلا.


فهو في هذه الحالة باع هذه السلعة بثمن مؤجل مؤخر كبير بخمسة آلاف، ويكون ثمن السلعة المباعة أغلى من ثمنها الحقيقي بالطبع، واشتراها بثمن حاضر رخيص.


باعها البائع بثمن مؤجل بخمسة آلاف، وكتب عليه إقراراً بخمسة آلاف في ذمته، ثم اشتراها منه هو نفسه في نفس المجلس بثلاثة آلاف دينار.


وما هذا البيع إلا من باب الاحتيال على الربا وإلا فالمشتري أصلا لا يريد السلعة، والبائع لا يريد بيعها، ولكن كل هذا من أجل الحيلة على الربا.


فهذا هو بيع العينة وهو بيع محرم، وهو من البيوع الربوية المحرمة.. والتي من تعامل بها فقد آذن بحرب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون}، كما ورد فيه الوعيد الشديد على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، فعن جابر رضي الله عنه قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكلَ الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال هم سواء".


وقد حذر صلوات ربي وسلامه من التعامل في الربا وبين أن من أتاه فقد فتح على نفسه أبوابا من العذاب، فقال صلى الله عليه وسلم: "إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذابَ الله".


وكأن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى هذا الوقت الذي انتشر فيه بيع العينة، وأصبح كثير من الناس يتحرى حصول المال دون الالتفات إلى حله أو حرمته.. المهم أنه يقبض المال سواء كان هذا المال من حلال أو من حرام فلا يهم.


ولا أظن أنه هذه الصورة تحتاج إلى كبير بسط، فقد كَثُرَ المتعاملون بها، لا كثَّرهم الله، ونسأله سبحانه وتعالى أن يسلط عليهم تسليطا من عنده، حيث إنهم استغلوا المسلمين ودمروا بيوتهم، وبعضهم يكتب على الناس الشيكات بالمبلغ العالي، ثم يأتيه فيهدده فيأخذ بيته وبيت أولاده بثمن قليل.


فهذا المرابٍي وأمثاله لا يجوز التعامل معهم في هذه الصورة ويجب تحذير المسلمين منهم لأنهم وباء، وإذا أراد المسلم مالا أو احتاج فيذهب ويستدين، ولا يلجأ لبيع العينة، ولا يقول لم أجد من يعطيني..


وواللهِ إن علم اللهُ صدقه يسر له، قال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب}.


فبيع العينه حرام لأن هذا البيعَ ليس مقصودا فيه البيع، إنما الذي اشترى السيارة لا يريد أن يستعمل السيارة، ولكنه يريد أن يحصل على هذا المبلغ، فيشتريها من الرجل ويبيعها عليه، إذن المقصود المال يأخذ مبلغا من المال حاضرا ويسدده مؤجلا بزيادة، إذن هذه الصورة ما هي في الحقيقة إلا حيلة للربا، وحَرِّيٌ بهؤلاء أن يمسخهم الله سبحانه وتعالى، فإن الله جل وعلا لمّا احتال بنو إسرائيل مسخهم قردة، لأن القرد أشبهُ ما يكون خلقةً في الإنسان مع بعض الفرق، وهؤلاء حَرِّيٌ بأن يمسخهم الله لأنهم تعاملوا بالحيل، يظنون أنها تخفى على عالم الغيب والشهادة‍‍‍‍؟؟؟


سبحانه وتعالى عما يظنون.. {وربك يعلم ما تُكن صدورهم وما يعلنون}.


وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "وتبعتم أذناب البقر" فالمقصود فيه أن الإنسان يعمل بالحرث وهذه الوظيفة وإن كانت حلالا فإن فيها شيئاً من الذلة.. فإن العرب كانوا يركبون الخيول ويفخرون بها، ويسابقون عليها، ويرون أن من كانت عنده فرسا فقد ملك مالا عظيما، وبعد هذا انتهى بهم الحال إلى الذلة أن تبعوا أذناب البقر، يحرثون عليها ويتقوتون، إذاً ركنوا إلى الدنيا.. بوظيفة تدل على دنو الهمة، فذلك صاحب العينة ركن إلى الدنيا بحرام، وهذا ركن إلى الدنيا بشيء من الذلة والوضاعة.


"وتبعتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع" أي أن الإنسان يريد الدعة ويريد الجلوس والهدوء في بيته ولا يريد أن يرفع بالدين رأساً.


"وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذُلاًّ لا يرفعه عنكم حتى تعودوا إلى دينكم" والجهاد عباد الله إما أن يكون جهاد المنافقين، أن يجاهد المسلم المنافقين بيده ولسانه وقلمه وماله وهذا هو جهاد خاصة عباد الله والعلماء وورثة الرسل، وإما أن يكون جهاد المعارك جهاد السيف والسنان، وهذا يدخل فيه جميع الناس.


وكأنه صلوات ربي وسلامه عليه لما أشار لنا في ذلك الحديث السابق على بيع العينة وعلى اتباع أذناب البقر، كأنه يقول إذا أردتم أن تجاهدوا فيجب عليكم أولاً أن تصلحوا أحوالكم مع الرب سبحانه، وهذه إشارة إلى أن المسلم الذي يريد الجهاد يجب عليه أن يصلح الحال، إذاً الجهاد ليس بالمؤتمرات التي يَخطب بها العلمانيون والفساق والفاسقات اللاتي يكتبن الروايات الجنسية كما نرى، والجهاد ليس بالمسيرات التي يختلط بها من يزعم أنه يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم فيختلط مع أعداء الله ورسله من المنافقين، والذين يسبون الصحابة ويلعنونهم ويتهمون عِرض عائشة رضي الله عنها، المطهرة من فوق سبع سماوات ممن له مآرب سياسية في المسيرات....، ليس هذا هو الجهاد، والجهاد ليس بإقامة الاوبيريتات الغنائية الفاسدة ومحاولة إقناع التائبين ممن تابوا من الغناء داعية الفجور حتى يعودوا إليه، كما فعله ذلك الفاسق الخبيث الذي يمثل دور الداعية وهو حليق اللحية ويلبس البدلة الإفرنجية وقد فُتن به بعض أصحاب القلوب المريضة وجعلوا له مكانة وأقاموا له المحاضرات وهو لم يتزيّ بزي الإسلام الظاهر بل بزي الفساق والذي يقوم مجتهدا ـ هذه الأيام ـ بكل وقاحة وقلة حياء بمحاولة إقناع إحدى الفنانات التائبات للرجوع للغناء في أوبريت يضم الفساق والمجنة ممن ينشرون الرذيلة بين صفوف المسلمين، فهذا وأمثاله أولى بالجهاد، وجهاد هذا ومن شابهه وبيان حالهم للناس من أعظم الجهاد لأنهم يلبسون الدين ما هو منه بريء ويطعنون بالدين باسم الدين، ويفتحون عليه أبوابا من الشر ويخرقون فيه خروقا لا ترتق.


إذن فالذي يريد الجهاد، عليه أولا أن يجتهد في إصلاح حاله.. (لأن من خان حي على الصلاة.. خان حي على الجهاد).


والذي يريد الجهاد يجب أن يصلح الحال في إقامة التوحيد، وعبادة الله سبحانه وتعالى، وأن يفرد الله بالعبادة لا يشرك معه غيره.


يقول أبو واقد الليثي رضي الله عنه: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حُدثاء عهد بكفر، فمررنا بسدرة يعكف عندها الكفار وينوطون بها أسلحتهم، (يعني يعلقون السيوف تبركاً ورجاء النصر)، فقلنا يا رسول الله.. اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال صلوات ربي وسلامه عليه: "الله أكبر.. إنها السنن قلتم ـ والذي نفسي بيده ـ كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة"..


فتأمل..


النبي في زحمة المعارك والقتال، وقد بلغ الأمر مبلغه، وكان صلى الله عليه وسلم محتاجاً لكل نفر، ومع ذلك لما وقع منهم شيء يقدح بالتوحيد والعقيدة أنكره عليه الصلاة والسلام، ولم يقل لأجاهد بهم أولاً ثم بعد ذلك أعلمهم التوحيد.


لا.. لم يقل ذلك...


لأن الجهاد أصلا لم يُشرع إلا من أجل تحقيق التوحيد وشهادة ألا اله إلا الله وحده لا شريك له... هذه الكلمة التي قامت بها الأرض والسماوات، وخلقت لأجلها جميع المخلوقات، وبها أرسل الله تعالى رسله، وأنزل كتبه وشرع شرائعه، ولأجلها نصبت الموازين ووضعت الدواوين، وقام سوق الجنة والنار، وبها انقسمت الخليقة إلى المؤمنين والكفار، والأبرار والفجار، وهي الحق الذي خلقت له الخليقة وعنها وعن حقوقها السؤالُ والحسابُ، وعليها يقع الثواب والعقابُ، وعليها نصبت القبلة وعليها أسست الملة، ولأجلها جردت سيوف الجهاد وهي حق الله على جميع العباد، فهي كلمة الإسلام ومفتاح دارِ السلام وعنها يسأل الأولون والآخِرون، فلا تزول قدما العبد بين يدي الله حتى يسأل عن مسألتين: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فجواب الأولى بتحقيق لا إله إلا الله معرفة وإقرارا وعملاً، وجوابُ الثانية بتحقيق أن محمدا رسول الله معرفةً وإقراراً وانقيادً وطاعةً.


إذاً الذي يريد الجهاد يصلح العقيدة أولاً، والذي يريد الجهاد يجاهد الجهاد الشرعي (لا الجهاد العاطفي) فيريد أن يقاتل قومية، لا... لأننا إذا قاتلنا هؤلاء اليهود وغيرهم إنما نقاتلهم لعقيدة ودين، دينُنا يرتفع وهو دين الإسلام، ودينهم يذل لأنه دينُ البطالين الذين حرّفوا به.


فنحن لا نقاتل الكفار من أجل قومية عربية وإن كان من تحت لوائها كافرا كما ترى من واقع الكثير فإنه حينما يطالب بقتال الكفار لا يدفعه لذلك إلا العروبة دون النظر لاختلاف الدين، وأما المسلم فيعلم أننا بقتالنا للكفار إنما يدفعنا لذلك إقامة دين الإسلام العظيم ونشره بين صفوف البشرية، ولذلك لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ مقنع بالحديد، فقال يا رسول الله أقاتل أوأسلم؟؟ قال أسلم ثم قاتل، فأسلم ثم قاتل فقُتل، فقال رسول الله: صلى الله عليه وسلم: "عمل قليلا وأجِر كثيرا".


والذي يريد الجهاد لا بد أن يقيم أوامر الله ويبتعد عن نواهيه.... فيقيم الصلاة ويحافظ عليها مع المسلمين، ويقيم الصيام ويحافظ عليه، ويؤدي الحج، ويؤتي الزكاة، ويؤتي ما الله جل وعلا أمر به، ويحذر وينتهي عما نهى الله عنه، هذا الذي لا بد أن يفعله من أراد الجهاد.


والجهاد إخواني له فضل عظيم، سواء كان الجهاد في محاربة أهل النفاق الذين يُلَبِّسون على الناس دينهم والذين كَثُرت مقالاتهم في الصحف ليلَ.. نهار.


أحد هؤلاء الخبثاء بالأمس يكتب يقول: عدت مريضا في أحد مستشفياتنا الحكومية فوجدت ملصقا مثبّتا على أحد جدران الغرفة فقرأته فإذا به حديث شريف مؤداه أنه إذا ما دعا مسلم لمسلم مريض سبع مرات فإن هذا المريض سوف يتعافى، ويقصد هذا المنافق الخبيثُ قوله صلى الله عليه وسلم: "من عاد مريضا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرار أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عافاه الله من ذلك المرض"، ثم يعلق ساخرا بقوله: فاذا كانت وزارة الصحة تعتمد نص هذا الحديث، فلماذا إذن تفتح المستشفيات والعيادات وتستنـزف الميزانية العامة موظفةً الأطباء والكوادر الطبية وجالبة الأدوية من شرق وغرب... لماذا إذن لا يكتفى بهذا الحديث الذي عمم على غرف المستشفيات؟؟؟!!!.


انظروا إلى السخرية من قِبل هذا المنافق الحقير، يسخر بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.


فأمثال هؤلاء هم الأولى بالجهاد أولاً، والذين يجاهدونهم ويشاركون في جهادهم هم أعظم الناس عند الله قدراً وإن كانوا هم الأقلين عدداً، وهم خاصةُ أهل العلم لأنهم يردون على هؤلاء وأمثالهِم ممن يُلبِّسون الدين، وبعضُهم من كبار الفساق والمجنة، بل وبعضهم لعله يصلي مع الناس ويصوم مع الناس وهو منافق لا يرفع بالدين رأساً وقد جعل الله سبحانه وتعالى للمنافقين صفات يتأملها كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.


فلم يُسمِّ اللهُ تعالى لنا المنافقين لحكمة، ولكن أعطانا صفاتِهم، حتى ننظر ونطبق هذه الصفات، فمن انطبقت عليه صفاتُهم فهو منهم، ولا كرامة ولا نُعمى عين، لا يخالط ولا يجالس ولا يمدح ولا يُصلى عليه إن مات، ولا يُصلى عليه مجاملة لأنه منافق.


فالذي يريد الجهاد يوالي أولياء الله سبحانه، والذي يريد الجهاد يُعادي أعداء الله، هذا أعظم الجهاد أيها الفضلاء، ومن ثَمَّ يأتي جهاد السيف والسنان.


فإن النبي لمصلى الله عليه وسلم لم يبتدأ حرب الكفار بادئ بدء، إنما أصلح من حوله من الناس وعلمهم التوحيد وإقامةَ الدين، وإقامة الصلوات والمحافظة عليها، ومكارم الأخلاق ثم بعد ذلك بدأ بهم الفتوح صلوات ربي وسلامه عليه.


فكيف تريدون أن تنطلقوا بالناس إلى أعلى البناء ولم تتقنوا أصله وأساسه؟؟


..{أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خيرٌ أم من أسس بنيانه على شفا جرف هارٍ فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين}.


وليس هذا أننا نهون من شأن الجهاد بالسيف والسنان، بل إنّ قتال الكفار على أرض المعارك فضل عظيم يختص الله به مَن شاء مِن عباده.


والنبي صلوات ربي وسلامه عليه يقول: "من مات ولم يغزُ ولم يحدث نفسه بغزو، مات على شعبة من النفاق"، فلا بد أن يستشعر الإنسان هذه الغاية، وأن يسأل الله سبحانه الشهادة بصدق، و"من سأل الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه" كما قال صلوات ربي وسلامه عليه.


فالجهاد ذروة سنام الإسلام وقبتُه، ومنازلُ أهلِه أعلى المنازل، واللذةُ به أمرٌ لا يناله الوصف، ولا يدركه من ليس له نصيب منه، وكل من كان به أقوم كان نصيبُه من الالتذاذِ به أعظم، ومن عسَر فَهمه عن إدراك هذا، فليتأمل إقدامَ القوم على قتل آبائهم وأبنائهم وأحبابهم ومفارقةَ أوطانهم وبذلَ نحورهم لأعدائهم، ومحبتَهم للقتل وإيثارَهم له على البقاء، وإيثارَهم لومَ اللائمين وذمَّ المخالفين على مدحهم وتعظيمهم.


ومن كان مرادُه وحبُّه الله، وحياتُه في معرفته، ومحبتُه في التوجه إليه وذكرِه وطمأنينتُه به وسكونُه إليه وحده عرف هذا وأقر به.


والمجاهدون في سبيل الله هم جند الله الذين يقيم بهم دينَه، ويدفع بهم بأسَ أعدائه ويحفظُ بهم بيضةَ الإسلام، ويحمي لهم حوزةَ الدين، وهم الذين يقاتلون أعداء الله ليكون الدينُ كلُّه لله، وتكونَ كلمةُ الله هي العليا، وقد بذلوا أنفسهم في محبة الله ونصرِ دينِه وإعلاءِ كلمتِه ودفعِ أعدائِه.


والجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة ينجي الله به من الهم والغم، وقد تظاهرت آياتُ الكتاب وتواترت نصوصُ السنة على الترغيب في الجهاد والحث عليه ومدحِ أهله والإخبارِ عما لهم عند ربهم من أنواع الكرامات، ويكفي في ذلك قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} فتشوقت النفوس إلى هذه التجارة الرابحة التي دلهم عليها رب العالمين، فقال: {تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم} فكأن النفوس ضنت بحياتها وبقائها، فقال: {ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} يعني أن الجهادَ خيرٌ لكم من قعودكم للحياة والسلامة.


وقال صلى الله عليه وسلم مرغباً: "لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد مسلم".


وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن في الجنة مائةَ درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض".


وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يُكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة والجرح يثعب دما اللون لون دم والريح ريح مسك".


فيا لله ما أحلى هذه الألفاظ وما ألصقها بالقلوب وما أعظمها جذبا لها وتسييرا إلى ربها وما ألطف موقعها من قلب كل محب وما أعظم غنى القلب وأطيب عيشه حين تباشره معانيها.


ومن استشهد في الجهاد فله أجر عظيم عند الله، وفضلٌ وفير، ومنزلةٌ رفيعة لا تدانيها منزلة.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للشهيد عند الله ستُّ خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويَرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه".


وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: "كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة".


ولما كان لأهلِ الجهادِ الرفعةُ في الدنيا والآخرة كان رسول الله في الذروة العليا منه واستولى على أنواعه كلِّها فجاهد في الله حق جهاده بالقلب والجَنان والدعوةِ والبيان والسيفِ والسنان، وكانت ساعاته موقوفة على الجهاد بقلبه ولسانه ويده ولهذا كان أرفع العالمين ذكرا وأعظمهم عند الله قدراً.


وطالما اشتاقت نفسه إليه، فكان يقول صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سريةٍ تخرج في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سَعة فأحملَهم، ولا يجدون سَعة فيتبعوني، ولا تطيب أنفسهم فيتخلفون بعدي، والذي نفسُ محمد بيده لودِدت أن أغزوَ في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل".


ولما علم الصحابة رضي الله عنهم هذه الحقيقة، صدق ظنهم بربهم، وقوي يقينهم به، وازدادت قلوبهم ثباتا وإقداماً، فإذا بهم يستلذون الموت ويركضون إليه مسرعين طمعا في الحياة الأبدية..

فلما كان يومَ بدر انطلق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه حتى سبقوا المشركين إلى بدر وجاء المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه". فدنا المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قوموا إلى جنة عرضُها السماوات والأرض". قال عميرُ بن الحِمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟! قال: "نعم"، قال: بخ بخ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يحملك على قولك بخ بخ". قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال "فإنك من أهلها". فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة قال فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل. مسلم

تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد       حياة لنفسي مثل أن أتقدما

وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: غاب عمي أنسُ بن النضر عن قتال بدر. فقال يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين لئن اللهُ أشهدني قتال المشركين ليرين اللهُ ما أصنع. فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون، قال اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني أصحابه ـ وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني المشركين ـ ثم تقدم فاستقبله سعدُ بن معاذ. فقال يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد. قال سعد: فما استطعتُ يا رسول الله ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنه برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قُتل وقد مَثّل به المشركون فما عرفة أحد إلا أختُه ببَنانه. قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديل}.


يجود بالنفس إن ضن البخيل بها     والجود بالنفس أغلى غاية الجود

وقد ذكر أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وهم بحضرة العدو، قول رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: "إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف" قام رجل رثُّ الهيئة، فقال يا أبا موسى آنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا؟؟ قال نعم. فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام ثم كسر جَفن سيفِه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل.


وإنما كان هذا الفضل للمجاهد في سبيل الله، والذي يقاتل يريد ما عند الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن الرجل يقاتل حمية وسئل عن الرجل يقاتل شجاعة، وعن الرجل يقاتل رياءً، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".


هذا هو الجهاد الحقيقي... فالجهاد أمر عظيم ومطلب كريم ويجب على المسلم أن يُحدِّث نفسه به، وأن يسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقه الشهادة، ولذلك قال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه في قوله الله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} قال: التهلكة هي ترك الجهاد.


ولمّا تركت الأمة الجهاد سلط الله عليهم ذلاً لن يرفعه عنهم حتى يعودوا إلى دينهم.


وانظروا إلى جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، لم يقل صلوات ربي وسلامه عليه: سلط الله عليهم الذل حتى إذا بقوا على العينة وعلى الربا وترك الصلاة وترك الصيام وترك الحج والفجور والزنا، وسحبوا السيوف، عند ذلك يرفع عنهم الذل، لا. بل قال: "حتى يعودوا إلى دينهم".


إذن الجهاد ليس بسل السيوف فقط، واتهام الحكام بالخيانة، بل بالاستقامة أولاً.


 إذن.. إذا أراد المسلم الجهادَ الحقيقي، فيجب عليه أن يتعلم التوحيد الحقيقي ويتعلم التوكل، والإنابة والمحافظة على فرائض الله والابتعاد عن محارمه، ولذلك يقول بعض المستهزئين من هؤلاء اليهود حين يخبرونهم بقتال المسلمين لهم في آخر الزمان، يقول: نعم هذا إذا بلغ عدد المصلين من المسلمين في صلاة الفجر كعددهم في صلاة الجمعة.


انظر.. قالوا نعرف هذا، وأنهم سيقاتلوننا ولكن لن نُهزم حتى يكون عدد المصلين في صلاة الفجر كالمصلين في صلاة الجمعة.


وتأمل..كيف بحقيقة خفيت على كثير من المسلمين فقهها يهودي.


الجهاد أمر عظيم ومبلغ يتمناه كل مسلم، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الشهادة، ولذلك كان عمر رضي الله عنه وأرضاه يردد: "اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم".


فالشهادة نعمة عظيمة، والشهيد كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "ما يجد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة".


وهذا من فضل الله، والبركةِ التي يعطيها الله سبحانه وتعالى للشهيد.


لكن يجب أن نعلم أن هذا الجهاد وطلب الشهادة يجب أن تُسبق بأعمال تدل على تصحيح المسار بين العبد وربه سبحانه، فالقائم على الفجور، والذي يقلد الكفار، والذي يلبس الإفرنجي، والتي تلبس القصير وتمشي في مسيرة.. هل سيهزون مشاعر اليهود؟؟ لا..


فالمقصود بذلك أن يصحح العبد العلاقة مع الله.


ومن تأمل الحديث الذي ذُكر بعين البصيرة عَلِمَ أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلم، لا يمكن أن يقرن بين بيع العينة الحرام، مع اتباع أذناب البقر الذي يشير إلى الذلة، والرضا بالزرع الذي يدل على الركون للراحة والدعة والبحث عن الظلال، لم يقرن ذلك بترك الجهاد وتسليط الذل إلا لحكمة.


وكأن المعنى إذا أردتم أن تكونوا من المجاهدين حقاً، فاتركوا الحرام واتبعوا الحلال، وارتفعوا بهمتكم عالياً، وارتفاع الهمة أول دلائله توحيدُ الله سبحانه وتعالى وتصحيح المسار مع الله جل وعلا، فإنكم إن فعلتم ذلك ارتفعتم وزال عنكم الذل الذي غرقتم فيه.


نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الشهادة بصدق وأن يبلغنا منازل الشهداء، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لطاعته، واجتناب معاصيه.


هذا واعلموا أن العزة كلها في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم الذي بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لنا حق النصح، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين من ربه سبحانه، وما ترك طريق خير إلا دلنا عليه ولا طريق شر إلا حذرنا منه، وإذا أردنا الهداية في الدنيا والأمن في الآخرة، فعلينا باتباع سنته صلى الله عليه وسلم فهو أنصح الخلق للخلق، وهو الذي أنقذنا الله سبحانه وتعالى به من الظلمات إلى النور، ووفقنا للتوحيد الذي حُرم منه أناس كثيرون؛ بسبب شقوتهم.


وكلما كان المسلم أشد متابعة للنبي صلى الله عليه وسلم كلما كان موفقا للخير والسداد، وكلما كان قرير العين بربه سبحانه، ومن قرت عينه بالله سبحانه قرت به كلُّ عين، وأنس به كل مستوحش، وطاب به كل خبيث، وفرح به كل حزين، وأمن به كل خائف، وشهد به كل غائب، وذكرت رؤيته بالله، فإذا رؤي ذُكر الله فاطمأن قلبه إلى الله، وسكنت نفسه إلى الله، وخلصت محبته لله، وجعل خوفه ورجاءه كله لله، فإن سمع سمع بالله، وإن أبصر أبصر بالله، وإن مشى مشى بالله، فبه يسمع، وبه يبصر، وبه يبطش، وبه يمشي، فإذا أحب فلله، وإذا أبغض فلله، وإذا أعطى فلله، وإذا منع فلله، قد اتخذ الله وحده معبودَه ومرجوَّه ومخوفَه وغايةَ قصده ومنتهى طلبه، واتخذ رسولَه وحده دليلَه وإمامَه وقائدَه وسائقَه، فوحد الله بعبادته ومحبته وخوفه ورجائه، وأفرد رسوله صلى الله عليه وسلم بمتابعته والاقتداءِ به والتخلقِ بأخلاقِه والتأدبِ بآدابِه، وكان له في كل وقت هجرتان: هجرة إلى الله بالطلب والمحبة والعبودية والتوكل والإنابة والتسليم والتفويض والخوف والرجاء والإقبال عليه وصدق اللجوء، والافتقارِ في كل نَفَسٍ إليه، وهجرةٌ أخرى إلى رسوله في حركاته وسكناته الظاهرة والباطنة بحيث تكون موافقة لشرعه الذي هو تفصيل محاب الله ومرضاته ولا يقبل الله من أحد دينا سواه.


وعجبا لأقوام يريدون شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وورودَ حوضه، وهم أبعدُ الناس عن شرعه واقتفاءِ سنته..


ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها    إن السفينة لا تجري على اليَبَس

فنسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المهتدين بهدي نبيه، المتبعين لآثاره صلى الله عليه وسلم، وأن يرزقنا شفاعته، ونعوذ بالله من مرديات الأهواء ومضلات الفتن.


اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك، يؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.

 


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127