الشيخ سالم العجمي

كلمة في حق الكويت - الشيخ سالم العجمي

أضيف بتاريخ : 31 / 07 / 2008
                                

كلمة في حق الكويت

 


 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وعبده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا.


أما بعد..


فإن مما جبلت عليه النفوس، محبتها لأوطانها، وحنينها لأرضها.


فتجد المرءَ يشتاق إلى أرضه التي نشأ فيها وترعرع، ويحدوه الحنين إليها كلما ابتعد عنها، ولذا فقد قالت الحكماء: الإبل تحن إلى أوطانها وإن كان عهدها بعيد، والطير يحن إلى وكره وإن كان موضعه مجدب، والإنسان يحن إلى وطنه وإن كان غيره أكثر له نفعا.


وقالت العرب: إذا أردت أن تعرف الرجل، فانظر كيف تحننه إلى أوطانه، وتشوقه إلى إخوانه، وبكاؤه على ما مضى من زمانه.


قال إبراهيم بن أدهم: "عالجت العباد فما وجدت شيئا أشد عليَّ من نزاع النفس إلى الوطن".


نقل فؤادك حيث شئت من الهوى       ما الحب إلا للحبيب الأولِ


كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى       وحنينُه أبداً لأول منزلِ


وأعجب من ذلك أن ترى المرءَ يحب بلده وإن كانت ديار فقر ولأواء ومشقة، كما قال القائل:


بــلاد ألــفناها على كل حالـة       وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن


وتُستعذبُ الأرض التي لا هوى لـها       ولا مـاؤهـا عــذبٌ ولكنها وطن


قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "عمَّر الله البلدان بحب الأوطان، ولولا حب الوطن لخرب البلد السوء".


فكيف إذا كانت هذه البلاد بلاد خير وبركة، عامرة بالطاعات، وتظهر فيها شعائر الإسلام، وتغدق على أهلها بأنواع النعم، وتؤمن لهم السبل، وتوفر لهم المعايش، وتحفظ لهم كرامتهم؟.


وها نحن ولله الحمد والمنة نعيش في بلدة آمنة مطمئنة، غذتنا بالحنان صغارا وكبارا، وأغدقت علينا بأنواع الفضائل، وحباها الله بحكام تمتلئ قلوبهم طيبة ورحمة، يتعاملون مع شعبهم بأرقى أنواع التعامل، لم يجعلوها بلاداً بوليسية، تنتشر فيها الجاسوسية، وتكثر فيها المداهمات والاعتقالات، أو يعيش المرء فيها مهددا، لا يأمن على عرض ولا مال، بل يصبح آمنا، ويمسي آمنا (ولله وحده الحمد والمنة).


ووالله الذي لا إله غيره لا أقول هذا الكلام مقابل شيء أعطيته من مال أو متاع، ولكنني أقوله مذكراً بالنعمة التي نعيش فيه، فتحتاج إلى شكر حتى لا تزول.


ومن جانب آخر حتى لا يعمينا الحماس عن واقع ننعم فيه، وما من أحد في الدنيا إلا ويتمنى مثله.


إن الرفاهية والأمن من أعظم النعم التي يتقلب بها العباد، ألم تر لامتنان الله على أهل مكة أنْ أمنهم في ديارهم، فقال سبحانه: {أولم يروا أنّا جعلنا حرما آمناً ويُتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون}.


فحينما تعيش في دارك مأمنا، والناس من حولك يتخطفون قتلا وسفكا، أليست هذه نعمة؟


تأملوا: كيف تعيش كثير من البلدان في الخوف والرعب وقطع السبيل، ونحن في بلادنا آمنون لا نشتكي خوفا ولا قلة.


إنها نعمة تحتاج إلى شكر، وتحتاج إلى أناس يبتهلون إلى الله أن يديم نعمته على بلادهم، وأن يوفق حكامها لما فيه خير البلاد والعباد، وأن يجعل في قلوبهم الرحمة، وأن يصلح بطانتهم، ويصرف عنهم بطانة السوء، وأن يكفيهم شر أهل المكر والكيد والحسد.


فكم هو صعبٌ أن تعاني الأم لتغذو ولدها بالحنان، ولا تقصِّر في خدمته، ثم لا يشكر فضلها، أو يطعنها على حين غرة، مثله كمثل الذئب الذي إذا جرح صاحبه رجع عليه فأكله، كما قال الأول:


وكنت كذئب السوء لما رأى دما       بصاحبه يوما أحال على الدم


واللهِ إن الذي يحملنا على مثل هذا الكلام المروءةُ، ورد الفضل لأهله، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل أولو الفضل، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس".


بيوت مفتوحة، ومجالس ملأى، وكلٌّ صار في بيته كريما بعد أن كان الكريم يخلد اسمه لقلة ذات اليد واختلاف همم الناس، ولولا هذه البلاد ـ بعد الله تعالى ـ لكان حاله على غير ذلك.


تأملوا في المدارس التي تدعمها الدولة بغاية من الرفاهية، لا يعرف طلابها حرَّ الصيف ولا برد الشتاء، في الوقت الذي يحرم فيه أناس من التعليم.


تأملوا في المستشفيات التي تصرف عليها الأموال الطائلة، وإرسال الناس للعلاج في الخارج، مع ما يكلف ذلك من المبالغ الهائلة.


نقول ذلك إشارة لبعض جوانب النعمة التي نرفل فيها، في الوقت الذي يحكم فيه أناس بالنار والحديد، وآخرون انقطعت سبلهم، يتقلبون في المخاوف والرعب، لا يقر لهم قرار، ولا تهدأ لهم أنفس، ولا تطمئن لهم قلوب.


إننا نعيش في واقع طيب يحتاج إلى عقلاء يحافظون عليه، ولا يقومون بالأعمال التي من شأنها أن تقيضه وتنقصه.


"ولا ننكر أن في المجتمع فسادا لا بد أن يعالج، ولكن بالحكمة والرفق والتذكير والنصح بشفقة، لأننا في زمن كثر فيه التلبيس وميول النفس للممنوع".


لا ننظر دائما للجانب القاتم فقط، حتى يورثنا ذلك اليأس من روح الله ومجيء فرجه.


لا ننظر للناس في هذه البلاد أنهم أهل شر حتى تهيمن على عقولنا هذه الصورة الكئيبة.


ألا ترون المساجد التي تبنى على أيدي المحسنين؟


ألا تنظرون إلى المساجد كيف تضج بالمصلين في رمضان؟


ألا ننظر إلى المسلمين كيف يتسابقون لإظهار الشعائر كالأضاحي وصلاة العيد، وصيام النوافل والمواسمِ الفاضلة، وكيف يتزاحمون على الحملات في موسم الحج، وكيف يتسابقون إلى العمرة في رمضان؟


تأملوا أفواج المتدينات من النساء، وانتشار الحجاب الشرعي بينهن، والالتزام بين صفوف الشباب.


لننظر إلى مسابقات القرآن التي تصرف عليها الأموال، وتسمى بأسماء رموز البلد.


لننظر إلى دور القرآن وأعمال الخير التي تدعمها الدولة.


شعائر ظاهرة، ومساجد عامرة، ومكتبات مليئة، وحينما تريد الدراسة الشرعية وطلب العلم الشرعي، ما جُعِلت المباحث والاستخبارات تدور عليك ليل نهار كالمتهم.


وحينما نكتب أو نخطب لمحاربة المنكرات، ما زج بنا في السجون والمعتقلات كما هو حال البلاد الأخرى.


إذن نحن نعيش في وضع مهيأ للدعوة، ونعيش في بلد لم يضيق على الناس في أمور عباداتهم، أفلا يدفعنا ذلك للسعي قدماً إلى أن ننمي الخير بقول حسن وفعل حسن، ودعوة صالحة دون إثارة فتن، ونسد التقصير، ونسعى للإصلاح لا التغيير.


وإن كان هناك انحراف فلعله من قلة الناصح، أو لأن كثيرا ممن صاروا في الواجهة، أعطوا صورة مشوهة عن التدين وأهله، ويمثلون دور المصلحين وهم من الجماعات الفكرية المنحرفة، التي تريد تحويل البلاد الآمنة إلى ساحة خوف وإرهاب.


وما دمنا نعيش واقعا واضحا مليئا بالجوانب الطيبة، فلا ننظر دائما إلى واقعنا من زاوية ضيقة مغلقة، أو نعيش كبعض المرضى الذين تقمصوا شخصيات الكتب التي يقرؤونها، والتي تتحدث عن الاعتقالات والسجون والتعذيب، فتصور نفسه أحد ممثلي هذه المسرحية، وقد جعله الله في عافية.


وهنا تكمن خطورة الفكر، ومن أجل ذلك كانت الشبهة أعظم خطرا من الشهوة، فتجد بعض الناس إذا خطب أو كتب أو قرأ يعيش واقعا ذهنيا متشائما، أكثر من الواقع الحقيقي الطيب الذي يعيش فيه، وإذا به بعد تشبع عقله بما يقرأ، يبدأ مرحلة التنفيذ، ولا يشعر بنفسه إلا وقد سقط في دوامة مخيفة، لا يدري كيف بدأ، وإلى أين ينتهي.


إننا نعيش في بلاد يحسدنا أهل الشر على ما ننعم به فيها من الخير والنعمة، فباتوا في كل حين يزرعون الشر والقلاقل، ويهيجون الفتن والبلابل، يريدون تغيير الواقع الطيب إلى واقع بئيس، وقد وجدوا لهم أرضية خصبة عن طريق بعض الشباب الغافل، حيث لعب بعقولهم دعاة السوء، الذين دمروا كثيرا من بلاد الاسلام، بسبب تسرعهم وحماسهم وفتاواهم المضللة، التي لا تستند إلى نص شرعي، فباتوا يشحنونهم بالأفكار الشاذة ليل نهار.


فنفروهم من العلماء الربانيين، الذي يؤخذ عنهم العلم، وصنعوا لهم رؤوسا لا يُعرفون إلا وقت القلاقل والفتن، فيتشدقون بأحاديث السياسة، ويحسبون أنهم محسنون، بل يظنون بأنفسهم أنه لا يوجد في الدنيا أوفر منهم عقلا وحنكة في أمور السياسة.


وليت هؤلاء علموا أن من السياسة ترك السياسة، ولا نقول ذلك تأييدا لمقولة أهل الشر: "دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر"، ولكن نقصد أنه متى ما أراد المرءُ نجاح دعوته، فليهرب عن ألاعيب السياسة، فإنه أسلم لدينه وإخلاصه.


والغبيّ هو الذي يظن في نفسه أنه يستطيع ملاعبة أناس قضوا أعمارهم، وأنهكوا عقولهم في فهم علوم سياسات الدول، وليس شباب فارغ لم يعرف من السياسة إلا التشدق ببعض الألفاظ والمصطلحات.


ألا ترون إلى أناس كانوا يرغون ويزبدون، ويهيجون ويصرخون، فلما أعطتهم بعض الدول لين جانب، فإذا بهم يتنازلون عن مبادئهم، ووجدت أن لهم في النهار وجها وفي الليل وجها آخر؟! فما أغنت عنهم أحاديثهم السياسية؟


وعندما يقوم فينا جيل من الشباب، يسبون العلماء وينتقصونهم، فكيف تنهض أمة بلا علماء؟ فمن يسدد؟ ومن يوجه؟!!


ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم : "العلماء ورثة الأنبياء"؟


فمن زهد في العلماء، فقد زهد في ميراث النبوة الذي أخذ منه العلماءُ الحظ الأوفر.


فإذا زهَّد دعاة السوء في العلماء، خلا لهم الجوّ بهؤلاء الشباب، فوجهوهم نحو الأفكار المنحرفة، فتولدت عندنا هذه الطوام العظيمة، والتصرفات غير المسؤولة.


ومما قام به دعاة السوء من الأعمال المشينة، تنفير الناس من ولاة أمورهم وحكامهم، عن طريق الطعن بهم وتنقصهم، وهذا أساس الشر في الدنيا، ونبتة التفرق والشتات، وزرع القلاقل والفتن والخوف والرعب بين صفوف المجتمع، لأن الناس لا يمكن أن تنتظم حياتهم ومعايشهم إلا بحاكم يسوسهم ويدبِّر شؤونهم، سواء كان براً أو فاجرا.


وذكر المعائب والمساؤئ للحكام ـ ممنوعٌ شرعا ـ نظرا لما يترتب عليه من إطاحة هيبتهم، والدعاية لبغضهم، والتنفير منهم، ومن ثم تهيئة الأسباب للخروج عليهم.


وقد أنكر الصحابي الجليل أبو بكرة رضي الله عنه على رجل قدح في الأمير عبد الله بن عامر، الذي نصبه عثمان رضي الله عنه على البصرة، فقد قال رجل عن ابن عامر وهو يخطب: انظروا إلى أميرنا يلبس لباس الفساق، فقال أبو بكرة: "اسكت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله"".


قال أبو إسحاق السبيعي رحمه الله: "ما سب قومٌ أميرهم إلا حرموا خيره".


ولما قدم المسور بن مخرمة وافدا على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قضى حاجته، ثم دعاه فأخلاه وقال: يا مسور: ما فعل طعنك على الأئمة؟


فقال المسور: دعنا من هذا وأحسن فيما قدمنا له.


فقال: لا والله لتتكلمن بذات نفسك والذي تعيب عليّ.


قال المسور: فلم أترك شيئا أعيبه عليه إلا بينته له.


فقال معاوية: لا بريء من الذنب، فهل تعد يا مسور مالي من الإصلاح في أمر العامة؟ فإن الحسنة بعشر أمثالها؟ أم تعد الذنوب وتترك الحسنات؟


قال المسور: لا والله، ما نذكر إلا ما ترى من هذه الذنوب.


قال معاوية: فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك أن تهلك إن لم يغفرها الله؟ قال: نعم.


قال معاوية: فما يجعلك أحق أن ترجو المغفرة مني؟ فوالله لما آلي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أخير بين أمرين، بين الله وبين غيره إلا اخترت الله تعالى على ما سواه، وأنا على دين يقبل الله فيه العمل، ويجزي فيه بالحسنات، ويجزي فيه بالذنوب إلا أن يعفو عمن يشاء.


فأنا أحتسب كلّ حسنة عملتها بأضعافها، وأوازي أمورا عظاما لا أحصيها ولا تحصيها، من عمل لله في إقامة صلوات المسلمين، والجهاد في سبيل الله، والأمور التي لست تحصيها وإن عددتها لك، فتفكر في ذلك.


قال المسور: فعرفت أن معاوية قد خصمني حين ذكر لي ما ذكر.


قال عروة بن الزبير: فلم يُسمع المسور بعدُ يذكر معاوية إلا استغفر له.


فمن تأمل هذه الواقعة بإنصاف، علم ما يحمله الحاكم وأعوانه عنا من المشقات لنرتاح وننعم، وما يبذله لنا من الجهد على سبيل راحته وهدوء نفسه.


ولا تقولوا مقالة الحمقى: "إنهم يريدون الحفاظ على ملكهم".


فكم من السلاطين الظلمة من فعل الأفاعيل، وما لا يحده وصف من الإجرام للبقاء على السلطة، فضيّع حقوق العامة، وصار سيفا مسلطا على أهل الخير، وحكامنا حكموا بالرحمة، واستقام لهم حكمهم لرحمتهم برعيتهم، فنسأل الله تعالى أن يكون لهم نصيب من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم من ولي من أمر هذه الأمة شيئا فرفق بهم فارفق به".


وثقوا يا معاشر المسلمين، أن أناسا يهيجونكم على حكامكم، ويشوهون سمعتهم ليل نهار، أن هؤلاء لو تمكنوا لفعلوا بكم الأفاعيل، ولرأيتم الوجه الذي كان يعِد ويبذل في السابق مِن أشر الناس وجهاً.


فهاهم إذا نالوا منصبا تغيرت وجوههم، وتبدلت ألسنتهم، فكيف لو حكموا؟


والمرء الصالح يسعى للإصلاح بالحكمة (لا سيما وأنه لم يمنع من ذلك)، ويدعو الناس للخير، ويسأل الله الإخلاص، ولا يحسد حاكما على حكمه، ولا يطمع في رئاسة ولا ملك، فإن هذا كفيل بأن تُثبّت نيته على الخير، وأن يوفق في دعوته.


وعلى المرء أن يعمل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، لا سيما وقت الفتن، والرجوع إلى العلماء الربانيين، (لا الشباب أنصاف المتعلمين، ولا مشايخ الفتن، الذين يوقعون على بيانات الجهاد غير الشرعي، ويدفعون بشباب الأمة دون وعي، وهم قابعون في بيوتهم على فراش وثير ناعم بين أولادهم وأموالهم).


بل وربما أن بعضهم لو ذهب ابنه للجهاد الذي يدعيه ويدفع له الآخرين، لقام مرعوبا هائما على وجهه، لا يترك وسيلة إلا استعملها ليثني ابنه عن جهاده!!.


فإذا لم يكن جهادا فلماذا تعبث بشباب الأمة؟!، وإن كان جهادا فكيف تبخل على ابنك أن يسلك طريق الفائزين.


واسيقنوا يا عباد الله: أنه لو كان ثمة جهاد مشروع، لكان أول من يدعو إليه، ويستنفر الناس إليه هم العلماء، وذلك أن هذه المسائل الخطيرة لا يفتي بها إلا خواص أهل العلم، (وليس أناس لم يُعرفوا بعلم ولا سداد رأي، وفجأة فإذا بهم يظهرون للأمة بفتاواهم المضللة، وكلماتهم الحماسية التي تداعب العواطف، فيقودون الأمة للهاوية).


وتأملوا يا معاشر العقلاء، كيف أن شر هؤلاء لم يترك بلدا إسلاميا إلا دخل فيه، فالتفجير في بلاد الإسلام، والقتل والسفك في بلاد الإسلام، وزرع القلاقل والفتن في بلاد الإسلام..


فهل هذا هو الجهاد؟؟


ولا ندري، فلعله يستبين بعد زمن أن كثيرا من هؤلاء ما كان إلا آلة في أيدي الأعداء لتدمير الدعوة إلى الخير في بلاد الإسلام.


إنه أمر محير، ولغز عجيب، أن ترى أناسا كلما رأوا رجوع الناس في بلد إلى ربهم، وتوجههم إلى التدين والاستقامة، قاموا بافتعال الأعمال غير المتزنة، لتحطيم ما بناه غيرهم.


أليس هذا غريبا؟؟ إي والله.


ألا فليتق الله رجل أن يكون بوابة لولوج الناس إلى الفتن، فإن كان صادقا فليأخذ عن العلماء الربانيين، ويجتهد في نشر الخير.


وإن كان ولا بد، فليجلس في بيته عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أملك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك".


ولا يكن منفراً للناس من التدين وأهله، حتى يجعل الناس ينظرون إلى المتدين وكأنه متهم.


ألا يظن أنه إن تسبب بتنفير الناس من التدين قد ارتكب جرماً عظيما؟


فليتق الله شباب الأمة أن يحلوا قومهم دار البوار.


لِيَتَّهِم المرءُ عقلَه، وليتواضع لربه.


هل يظن مسلم أن هؤلاء العلماء الذين شابت لحاهم في الإسلام، وكرسوا حياتهم لخدمة الدين، أنهم يجبنون عن بيان الدين السبيل للأمة؟


يا شباب الإسلام:


إن من غرس هذه الشبهة، ما فعل ذلك إلا ليستأثر بعقولكم، ويبث فيها الأفكار المنحرفة.


أليس لكم قلوب تفقه؟؟


أما تنظرون إلى التلوّن في المواقف، وتغير الجلد حسب الوقائع والأحداث، من قِبل هؤلاء المنفرين من أهل العلم؟


ألا ترون أنهم جعلوكم بمنأى عن العلم وأهله، وأشغلوا مجالسكم في أحاديث السياسة؟


أما سألتم أنفسكم ما نهاية هذا الطريق المظلم، وقد تطعمتم مرارته في أول المسير؟


لِيَتَّهِم المرءُ عقلَه.. فلا زال في الناس خير، والأخطاء موجودة، ولكن لا يصلِح الخطأَ خطأٌ مثله أو أشد، بل تقويم الأمر لا يكون إلا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، والعمل بسنته، الذي ما ترك طريق خير إلا بينه لنا، ولا طريق شر إلا حذرنا منه.


هذا واعلموا أننا حين نتكلم عن أمن بلدنا ومحبته، فإنه يدفعنا لذلك عظيم حق بلدنا علينا، ولا نتكلم من باب العواطف المجردة، وإن كنا لا نخفي محبتنا لبلادنا، التي أسكنتنا المنازل الواسعة، وأركبتنا السيارات الفارهة، وأغدقت علينا بالنعم، حين يعيش بعض الناس ـ مع خيرهم ـ في فقر مدقع، وحاجة ملحّة.


وصار لنا فيها أهل وبنون، ولم تزل تعطينا ولا تبخل، حتى غرست فينا القناعة، وصرت ترى من عاش فيها لو انتقل عنها تبقى معه القناعة التي تشربها في هذه الأرض، بل ولا زالت تحسن إلى ساكنيها من غير أهلها حتى ألفوها.


لا عجب فإن الإحسان إلى الناس يستميل قلوبهم، حتى قيل:


خُيِّرْتُ بين زلال غيرك في الهوى       ووصول جدول حقلك المهجورِ


فاخترت وحلك يا كويت ولي به       شغف الضرير إلى ذبالة نورِ


ولعلنا في هذا نوافق ما في قلوب كثير من الناس من المشاعر والأحاسيس، التي منعهم الحياء أن يفصحوا به، أو خوفا من كلمة ظالم لا يخاف الله أن يطعنهم بأنهم ما قالوا هذا الكلام إلا من أجل الدنيا "واللهُ سبحانه الموعد"، ولكن الداعية الناصح لا بد أن يبين مثل هذه الأمور تمام البيان متى احتيج إليها، لا سيما في وقت غُشي فيه على عقول بعض الناس، فتناسوا ما يرفلون فيه من النعم، ولو تلفتوا حولهم وتحسسوا أحوال الشعوب لعرفوا قدر ما ينعمون فيه من الدين والدنيا.


من أجل ذلك لا بد أن نحافظ على أمن بلادنا ببذل الأسباب المشروعة، وأولها: تقوى الله سبحانه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، والعمل بما يرضيه، وترك بطر النعمة المستجلب لغضب الله وأليم عقابه، قال تعالى: {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين * وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون}.


وإنما تدوم النعم بشكر الله عز وجل بإخلاص العبادة له وحده، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاستغفار من الذنوب، والبراءة إلى الله من التقصير.


فالواجب على المسلمين جميعا حكاما ومحكومين، أن يتناهوا فيما بينهم عن المنكرات والآثام والفواحش، فإنها متى ما انتشرت في بلد ولم ينكرها أهله إلا حاق بهم عذاب الله عز وجل، وقد قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: "أنهلك وفينا الصالحون؟" قال: "نعم، إذا كثر الخبث" أي: الزنا والفسوق والفجور.


قال العلماء: فيه البيان بأن الخيِّر يهلك بهلاك الشرير إذا لم يغير عليه خبثه، وأنه إذا فشا الفساد وعم، يهلك حينئذٍ القليل والكثير.


قال جبير بن نفير: "لما فتحت قبرص خاف أهلها، وبكى بعضها إلى بعض، ورأيت أبا الدرداء وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء.. ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير، ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك، إذ تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى".


فمن أراد دوام نعمته، فليلزم شكر ربه، والعمل بطاعته.


ومن الأسباب التي تحفظ أمن البلاد بإذن الله، الحراسة على ثغور البلد الداخلية والخارجية، وهذا من الرباط في سبيل الله تعالى إذا أحسن صاحبه النية، واحتسب أجره عند الله، قال صلى الله عليه وسلم: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها".


قال الشيخ ابن باز رحمه الله: "عمل المتطوعين في كل بلد ضد الفساد مع رجال الأمن، يعتبر من الجهاد في سبيل الله لمن أصلح الله نيته، وهو من الرباط في سبيل الله، لأن الرباط هو لزوم الثغور ضد الأعداء، وإذا كان العدوّ قد يكون في الباطن واحتاج المسلمون أن يتكاتفوا مع رجال الأمن ضد العدو الذي يخشى أن يكون في الباطن، يُرجى لهم أن يكونوا مرابطين، ولهم أجر المرابط لحماية البلاد من مكائد الأعداء الداخليين".


مع مراعاة إصلاح القصد والنية، وألا يعمد المرء إلى الظلم والاتهام دون بينة أو حجة.


فمن احتسب حراسته، ومحاربته لأوكار الفساد والمخدرات والتخريب فهو على خير عظيم.


كما ينبغي للمسلم والمسلمة أن يبتهلا إلى الله بالدعاء أن يؤمِّن بلادنا، وأن يرزقنا العمل بما يرضيه عنا، فإن المرء إن لم يسدده الله للعمل الصالح خاب سعيه، وليتضرع العبد إلى الله دائما أن يجنبه عذاب الله وأليم عقابه.


على أنه مما ينبغي ألا يهمل ذكره، أننا مع اعترافنا بحب الأوطان، وأنه من الحب الطبيعي الذي لا ينكر، لا بد أن يُعرف أنه لا يجوز عقد الموالاة والمعاداة على الوطنية، بل الموالاة والمعاداة تكون على الدين، فمن كان مسلما فهو أخ لنا، نحبه لإسلامه، وله حقوق الإسلام دون النظر إلى هويته وجنسه، ومن كان كافرا فإنه يُبغض لذلك وإن كان أخا قريبا.


فاتقوا الله أيها المسلمون، وحصنوا أنفسكم عن مواطن الشبه فإنها تُردي، وعليكم بالدعاء الصالح، وحسن اللجوء إلى الله أن يوفق ولاتنا لما فيه طاعته، وأن يثبت قلوبنا وقلوبهم على الحق والهدى، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا.


11/12/1425هـ الموافق 21/1/2005م

 


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127