الشيخ سلطان بن عبدالرحمن العيد

حُسنُ المسعى في تاريخ المسعى - الشيخ سلطان العيد

أضيف بتاريخ : 22 / 07 / 2008
                                

حُسنُ المسعى في تاريخ المسعى


إن تاريخنا نحن المسلمين هو تاريخُ الإسلام، هناك عند الحجر الأسود وزمزم، والحِجر والملتزم، هناك على الصفا والمروة، كان لنا تاريخُ عزٍّ ونصر، وبركة وتأييد، وتوبة وإنابة لرب ذلك البيت العتيق (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ).


إن تاريخنا نحن أهل الإسلام مُشرق وضَّاء، مبدوء بما بدأ به الرسل والأنبياء، لما أقبل رسول صلى الله عليه وسلم على الصفا قرأ الآية (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّه) ثم قال صلى الله عليه وسلم: « أبدأ بما بدأ الله به».


قال الله جل وعلا في بيان هذه الشعائر التي هي من شعائره: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) عن عروة عن عائشة قال: "قلتُ: أرأيتِ قول الله تعالى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا) قلتُ: فو الله ما على أحد جناح ألا يطوف بهما. فقالت عائشة رضي الله عنها: بئس ما قلتَ يا ابن أختي، إنها لو كانت على ما أوَّلتها عليه كانت "فلا جناح عليه ألا يطوف بهما"، ولكنها إنما أنزلت: أن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المُشلَّل، وكان من أهلَّ لها يتحرج أن يطوف بهما، فسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية فأنزل الها عز وجل: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا) قالت عائشة: ثم قد سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بهما، فليس لأحد أن يدع الطواف بهما". رواه الإمام أحمد والشيخان .


وفي رواية عن الزهري أنه قال:" فحدثتُ بهذا الحديث أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال: إن هذا العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم يقولون: إن الناس - إلا من ذكرت عائشة -كانوا يقولون : إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية، وقال آخرون من الأنصار: إنما أُمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة؛ فأنزل الله عز وجل(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ )، قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فلعلها نزلت في هؤلاء وهؤلاء".


روى البخاري عن عاصم بن سليمان قال: سألت أنساً رضي الله عنه عن الصفا و المروة فقال:"كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله عز وجل: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ..)".


المسعى في الجاهلية


* وأما حال المسعى في الجاهلية فقد ذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس قال:"كانت الشياطين تفرَّقُ بين الصفا والمروة الليل كله، وكانت بينهما آلهة - أي أصنام- فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطواف بينهما فنزلت هذه الآية".


وقال الشعبي – رحمه الله-:" كان إساف على الصفا، وكانت نائلة على المروة، وكانوا يستلمونهما، فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما فنزلت هذه الآية".


وقد ذكر الإمام محمد ابن إسحاق في كتاب «السيرة»، أن إسافاً ونائلة كانا بشرين، فزنيا داخل الكعبة، فمسخا حجرين، فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عبدا، ثم حُولا إلى الصفا والمروة فنصبا هنالك، فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما، فلهذا يقول أبو طالب في قصيدته المشهورة :


وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم *** لمفضى السيول من إساف ونائلِ


أصل السعي


* وأما أصل السعي بينهما.. فهو ما عملته هاجر عليها السلام؛ وكان من خبرها ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال:" أول ما اتخذ النساء المِنطَق – وهو ما تشد المرأة في وسطها عند الشغل؛ لئلا تعثر في ذيلها- من قِبَل أم إسماعيل؛ اتخذت مِنطقاً لتخفي أثرها على سارة, فلما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان خرج بهاجر وابنها إسماعيل وهي ترضعه إلى مكة، فوضعهما هناك عند البيت، أي : عند المكان الذي سيبنى فيه البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هناك، ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاءً أو شنة فيها ماء؛ فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة فيدر لبنها على صبيها، ثم قَفَّى إبراهيم عليه السلام منطلقاً إلى أهله، فتبعته أم إسماعيل حتى لما بلغوا كداء نادته من ورائه فقالت: " يا إبراهيم أين تذهب؟! وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء ؟!فقالت له ذلك مراراً، وجعل عليه السلام لا يلتفت إليها . فقالت: إلى من تتركنا: قال عليه السلام: إلى الله. فقالت له : آالله الذي أمرك بهذا؟! قال: نعم. قالت:إذاً لا يضيِّعنا, ثم رجعت.


فأنطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت أي : موضع البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ).


وجعلت هاجر ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، ويدر لبنها على صبيها، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى، أو قال: يتلبَّط.


قالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا، قال: فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ،ثم استقبلت الوادي تنظر هل تر أحدا، فلم ترى أحد، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل تر أحداً، فلم ترى أحداً ، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل - تعني الصبي- فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه ينشغ للموت ، فلم تقرها نفسها فقالت:لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحداً ؟ فذهبت فصعدت الصفا فنظرت ونظرت فلم تحس أحدا ، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فذلك سعي الناس بينهما», فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت:صهٍ -تريد نفسها – أي: اسكتي، ثم تسمَّعت، فسمعت أيضاً، فقالت:" قد أسمعتَ إن كان عندك غواث، أغث إن كان عندك خير".


فإذا هي بالملَك جبرائيل عند موضع زمزم فبحث بعقبه هكذا، وغمز عقبه على الأرض حتى ظهر الماء، فدهشت أم إسماعيل، فجعلت تحوِّضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف، قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم:«يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم» أو قال: «لو لم تغرف من الماء»، وفي رواية : «لولا أنها عجلت لكانت زمزم عيناً معيناً»، وفي رواية:«لو تركته كان الماء ظاهراً». فقال ابن عباس: فشربت من الماء، وأرضعت ولدها، ويدر لبنها على صبيها, فقال الملك: لا تخافوا الضيعة ،فإن ها هنا بيت الله عز وجل يبنيه هذا الغلام وأبوه؛ فإن الله لا يضيِّع أهله . أخرجه الإمام البخاري وغيره.


* ثم شرع الله السعي بينهما بعد ذلك لإبراهيم عليه السلام، قال الإمام ابن كثير في تفسير الآية (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ..):"بيَّن الله أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، أي: مما شرع الله لإبراهيم في مناسك الحج، وقد تقدم في حديث ابن عباس أن أصل ذلك مأخوذ من تطواف هاجر عليها السلام وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها لما نفد ماؤهما وزادهما حين تركهما إبراهيم عليه السلام هناك، وليس عندهما أحد من الناس، فلما خافت الضيعة على ولدها هنالك ونفد ما عندهما، قامت تطلب الغوث من الله عز وجل، فلم تزل تتردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة متذللة خائفة وجلة مضطرة فقيرة إلى الله عز وجل حتى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرج شدتها، وأنبع لها زمزم التي ماؤها طعام طُعم وشفاء سقم, فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذله وحاجته إلى الله عزوجل في هداية قلبه وصلاح حاله وغفران ذنبه، وأن يلتجأ إلى الله عز وجل ليزيح ما هو به من النقائص والعيوب, وأن يهديه إلى الصراط المستقيم, وأن يثبته عليه إلى مماته, وأن يحوله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي إلى حال الكمال والغفران والسداد والإستقامة كما فعل بهاجر عليها السلام".


قال العلامة ابن قاسم في حاشية الروض المربع [4/118]:"فجُعل ذلك- أي: السعي بين الصفا والمروة- نسكاً إظهاراً لشرفها، وتفخيماً لأمرها عليها السلام".


موضع الصفا والمروة


* وأما موضع الصفا والمروة ووصفهما ..


فالصفا هو مبدأ السعي، وهو في أصل جبل أبي قُبيس، وهو واقع في الجهة الجنوبية من المسجد الحرام، على مقربة من الباب المسمى باب الصفا، وهو موضع مرتفع من جبل، وكان له درج وثلاثة عقود, وجبل الصفا يقابل ركن الحجر الأسود من الكعبة، وهو جبل صلد أملس.


وأما المروة فهي واقعة جهة المُدَّعى، وإليها ينتهي السعي, وجبل المروة رخو بالنسبة لجبل الصفا، وهو في أصل جبل قُعيقعان، يقع في الجهة الشمالية الشرقية من المسجد، قال في القاموس:" قعيقعان: جبل بمكة وجهه إلى أبي قبيس، وسمي بذلك؛ لأن جُرهُمْ كانت تجعل فيه أسلحتها فتقعقع فيه، أو لأنهم لما تحاربوا وقطوراء قعقعوا بالسلاح في ذلك المكان, والمروة في الأصل: الحجر الأبيض البراق" .


وقد كان بني على الصفا والمروة أبنية حتى سترتهما، حيث لا يظهر منهما غير يسير من الصفا، على ما ذكره المحب الطبري، وقد أزيلت هذه الأبنية بحمد الله عز وجل.


ولم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم درج على الصفا ولا على المروة، وقد بقي على هذه الحال إلى زمن أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي-رحمه الله- المتوفى سنة 158هـ ففي عهده بني عليهما الدرج.


روى الأزرقي في تاريخه عن جده أحمد بن محمد أنه قال:" كان الصفا والمروة يسند فيهما من سعى بينهما، ولم يكن فيهما بناء ولا درج، حتى كان عبد الصمد ابن علي في خلافة أبي جعفر المنصور، فبنى درجهما التي هي اليوم درجهما، فكان أول من أحدث بناءها".


وقد أزيل هذا الدرج في التوسعة السعودية الجديدة، وأصبح موضع الدرج منحدراً مبلطاً متصلاً ببقية المسعى؛ ليكون أيسر على الطائفين بهما.


جبل الصفا


* جبل الصفا وما أدراك ما جبل الصفا.. لقد جرى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عنده من الابتلاء والأذى، ثم النصر والتأييد ما جرى.


أما النصر والعاقبة الحسنى؛ فقد ظهر ذلك في حجة الوداع، بعد أن هزم الله المشركين وفتحت مكة، وكان الاعتراف لله بهذه النعمة وهذا النصر والتأييد هناك؛ قال جابر رضي الله عنه في وصف حجة الوداع:"ثم خرج رسول صلى الله عليه وسلم يعني بعد الطواف من باب الصفا إلى الصفا، فلما دنى من الصفا قرأ (إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ) « أبدأ بما بدأ الله به» فبدأ بالصفا فرقي عليه، حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحَّد الله وكبره ثلاثاً وحمده، وقال:«لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده»، ثم دعا صلى الله عليه وسلم بين ذلك ، وقال مثل ذلك ثلاث مرات".


بهذه الكلمات أقرَّ نبينا صلى الله عليه وسلم واعترف لله سبحانه وتعالى بهذه النعمة، وهو على الصفا وحوله ألوف الموحدين يقتدون به، ويذبون عنه وهو في رفعة ونصر وعز, أقر بأن ذلك النصر من الله وحده.


نعم.. قبل سنوات من ذلك جرى للنبي صلى الله عليه وسلم على هذا الجبل نفسه، ما آلمه وأحزنه؛ يقول ابن عباس رضي الله عنهما:" لما نزلت هذه الآية (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الصفا فصعد عليه، ثم نادى: « يا صباحاه»، قال: فاجتمع الناس إليه، فبين رجل يجئ وبين رجل يبعث رسوله . فقال صلى الله عليه وسلم :«يا بني عبد المطلب، يا بني قُصيّ، يا بني عبد مناف، يا بني، يا بني: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح الجبل تريد أن تغير عليكم أصدقتموني», قالوا : نعم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد», فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ؟!، قال فنزلت الآية(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)".


وكان من تعنت قريش ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال :"قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً ! فإن أصبح ذهباً اتبعناك!".


* وأما المروة فقد كان لنبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه عليها موقف؛ قال جابر رضي الله عنه:"حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال صلى الله عليه وسلم :«يأيها الناس: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي، فليحل وليجعلها عمرة» . فقام سُراقة بن مالك بن جعشم -وهو في أسفل المروة – فقال: يا رسول الله، أرأيت متعتنا هذه، ألعامنا هذا، أم لأبد الأبد ؟! قال: فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، لا بل لأبد أبد، لا بل لأبد أبد». ثم سأله سراقة هناك عند المروة، والناس مجتمعون في هذا الموقف العظيم، قال يا رسول الله: بيِّن لنا ديننا كأن خلقنا الآن فيم العمل؟ أفيما جفت به الأقلام ، وجرت به المقادير، أو فيما نستقبل ؟ فقال ﷺ : «لا بل في ما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير». قال سراقة : ففيم العمل إذن؟!، قال صلى الله عليه وسلم: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له».


الدعاء على الصفا والمروة


* إن الصفا والمروة من مواضع الدعاء، فأكثروا الدعاء على الصفا وعلى المروة، وألحوا واجتهدوا كما فعل نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم قال جابر رضي الله عنه:" فبدأ صلى الله عليه وسلم بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة فوحَّد الله وكبره، قال: ثم دعا صلى الله عليه وسلم بين ذلك" .


وروى الفاكهي عن إبراهيم قال:"كانوا يقومون على الصفا والمروة قدر ما يقرأ الرجل عشرين أو خمساً وعشرين آية من سورة البقرة" .


وقال صالح ابن مسعود :" رأيت محمد بن الحنيفة على الصفا، رافعاً يديه حتى خرج إبطاه، وهو يدعو". وصحح العلامة الألباني عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما، أنهما كانا يدعوان في السعي يقولان: "رب اغفر ورحم إنك أنت الأعز الأكرم".


* ويسن قراءة الآية عند الدنو من الصفا، أي: قبل أن يرقى الصفا- كان صلى الله عليه وسلم بعد الطواف إذا دنا من الصفا ، أي: قرب منها لا إذا صعدها، يفعل ما رواه جابر قال:"إن النبي صلى الله عليه وسلم لما طاف وصلى خلف المقام ، ثم أتى الحجر ، فاستلمه ثم خرج إلى الصفا وقال: «أبدأ بما بدأ الله به» فبدأ بالصفا وقرأ(إن الصفا والمروة من شعائر الله).


وهذه الآية لا تقرأ في غير هذا الموضع، أي أنها تقرأ مرة واحدة فقط في هذاالموضع الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم .


* ومن سنته عليه الصلاة والسلام: الإسراع في بطن الوادي بين العلمين الأخضرين؛ لما سعى النبي صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة أسرع في بطن الوادي ، قال جابر:" ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم -يعني من الصفا- ما شياً إلى المروة، حتى إذا انصبت قداماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا - يعني قدماه- الشق الأخر مشى، حتى أتى المروة، تقول أم ولد شيبة:"إنها أبصرت النبي صلى الله عليه وسلم يسعى بين الصفا والمروة وهو يقول :«لا يقطع الأبطح إلا شدا» .رواه الفاكهي وغيره


وكان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وادياً أبطح فيه دقاق الحصى؛ قال ابن عمر رضي الله عنهما:" إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسعى في بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة". خرجه الفاكهي .


وعن عباس رضي الله عنهما :" أنه رآهم يسعون بين الصفا والمروة؛ ليري المشركين قوته".


* ولا بأس بالمشي والركوب إن شق عليه السعى، قال كثير بن جمهان:"رأيت ابن عمر رضي الله عنهما يمشي في المسعى بين الصفا والمروة، فقلت يا أبا عبد الرحمن: أتمشي بين الصفا و المروة؟!، فقال:" إن سعيتُ فقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسعى، وإن أمشي فقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمشي، وأنا شيخ كبير". رواه الفاكهي .


وعند مسلم من حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم طاف بين الصفا والمروة على بعير؛ ليراه الناس وليشرف وليسألوه، فإن الناس غشوه، فهو صلى الله عليه وسلم طاف أولاً ماشياً، فلما كثر الناس عليه ركب، كما صرح به ابن عباس عند مسلم.


مواقف للنبي صلى الله عليه وسلم في المسعى الشريف


* في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة فتح مكة أنه قال: أقبل رسول صلى الله عليه وسلم حتى أقبل إلى الحجر فاستلمه وطاف بالبيت، وأتى إلى صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه، وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوسٌ وهو آخذ بسيتها (أي: ما عطف من طرفها)، فلما أتى على الصنم جعل يطعن في عينه ويقول: (جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً) ، فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت فرفع يديه وجعل صلى الله عليه وسلم يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو.


* وعلى الصفا كان موعد اجتماع الرسول صلى الله عليه وسلم بأصحابه يوم فتح مكة، ففي المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه ذكر فتح مكة ودخوله صلى الله عليه وسلم إليها ذلك اليوم، قال: فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا أبا هريرة) قلت: لبيك يا رسول الله، قال عليه الصلاة والسلام: (اهتف لي بالأنصار ولا يأتيني إلا أنصاري)، قال فهتفت بهم، فجاؤا فأطافوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام: (أترون إلى أوباش قريش وأتباعهم، ثم قال بيديه - إحداهما على الأخرى- احصدوهم حصداً حتى توافوني بالصفا).


ثم ذكر أبو هريرة طوافه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بالكعبة، وما جرى على الصفا من المعاتبة، وإظهار الأنصار محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخوفهم أن يمكث بمكة بعد الفتح، ويدع مدينتهم، قال رضي الله عنه:" ثم أتى صلى الله عليه وسلم الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت فرفع يديه فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه، قال: والأنصار تحته، قال: يقول بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته -يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم - ، قال أبو هريرة رضي الله عنه: وجاء الوحي، فقال عليه الصلاة والسلام: (يا معشر الأنصار أقلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته؟ قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: «إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم. قال فأقبلوا إليه يبكون، ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن( أي: البخل بالله ورسوله). قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم).


* وعلى الصفا كانت البيعة بعد فتح مكة كما ذكر الإمام جرير فقد قال:" ثم اجتمع الناس بمكة لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام فجلس لهم فيما بلغني على الصفا، وعمر بن الخطاب أسفل من مجلسه، فأخذ على الناس السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا". [تاريخ ابن كثير (6/616)]


التعـدّي على المسعى


* لقد ذكر المؤرخون للمسعى تعديات بعض الناس عليه؛ لِيُعْرف الفرقُ بين المصلح والمفسد؛ وليشكر المؤمنون نعمة الله عليهم بالأمن حال أداء نسكهم، وبضدها تتبين الأشياء .


فمما أذوي به الناس في ذلك المكان المعظَّم المشرَّف ما جرى في سنة تسع عشرة وست مائة، فقد ذكر صاحب «إتحاف الورى» [3/34] أن صاحب اليمن المسعود بن يوسف سار إلى مكة فقاتل صاحبها حسن بن قتادة بالمسعى بين الصفا والمروة ببطن مكة، وهزمه وولّى مدبراً، وملكها مسعود، ونهبها عسكره إلى العصر؛ حتى أخذوا الثياب عن الناس وبدا منه تجبّرٌ وقلة دين، ومن ذلك:


ضرب غلمانه الناس بالمسعى بالسيوف في أرجلهم وهم يسعون! ويقولون: اسعوا قليلاً قليلاً (أي: بهدوء) فإن السلطان نائم في دار السلطنة بالمسعى !! والدم يجري من سيقان الناس.


* ولا تعجب فما فعله أتباع المهدي المزعوم الكذّاب بالصفا والمروة أعظم وأطمّ، فقاتل الله جماعات «التكفير» والتفجير التي تزعم الدعوة والجهاد والحياة «في ظلال القرآن» وتنادي بإعادة الخلافة الإسلامية والخروج في سبيل الله و«التبليغ»، فتسرق شبابنا وتجندهم للتخريب في بلادنا، وتسفك دماء الموحدين من رجال الأمن والعلماء الناصحين؛ فاحذروا ما يسمى بـ«الجماعات الإسلامية» فإن غالبها بُنِي على فكر «الصوفية» القبوريين أو «الخوارج» التكفيريين.


قال النهرواني في« الإعلام بأعلام بيت الله الحرام» [ص139]:"ومن عجيب ما نُقل في التعدي على المسعى واغتصابه ما وقع قبل عصرنا هذا بنحو مائة عام في أيام دولة الجراكسة في سلطنة الأشرف قايتباي المحمودي سامحه الله تعالى ، ثم أورد الحادثة وأوردها غيره كالنجم بن فهد في «إتحاف الورى» وحاصلها :


أنه كان للسلطان الأشرف تاجر يستخدمه قبل السلطنة اسمه ابن الزّمن وكان مقرباً منه بعد سلطنته ، وأرسله إلى مكة ليقوم ببعض شؤونه هناك، وكان مما أقدم عليه ابن الزمن هذا: أنه بنى ميضأة أمر بعملها السلطان الأشرف ، وقيل بل بناها لنفسه، يحدها من الغرب: المسعى الشريف، ومن الجنوب: مسيل وادي إبراهيم الذي يقال له الآن: سوق الليل، فشرع ابن الزمن في بناء الميضأة ، وهدم من المسعى مقدار ثلاثة أذرع واستولى عليه ،فمنعه قاضي الشرع برهان الدين ابن ظهيرة الشافعي ؛ فلم يمتنع من ذلك فجمع القاضي علماء المذاهب الأربعة منهم القاضي علاء الدين المرداوي الحنبلي، وحضر ابن الزمن؛ فسألهم القاضي عن تعدي ابن الزمن على أرض المسعى؛ فأفتوا بأن ذلك حرام.


قال ابن فهد: وأنكر القاضي علاء الدين المرداوي ذلك إنكاراً قوياً، وقام بأعباء المجلس جزاه الله خيراً وأكثر من أمثاله، ثم توجه القاضي برهان الدين ومنع البنائين من العمل، وأرسل إلى السلطان الأشرف بذلك، وكتب ابن الزمن الظالم أيضاً إلى السلطان وزوَّق وبدَّل وافترى على القاضي .


قال في «الإعلام»: وكانت الجراكسة لهم تعصب وقيام في مساعدة من يلوذ بهم ولو على الباطل ،فلما وقف على تلك الأحوال السلطان قايتباي نصر ابن الزمن ، وعزل القاضي برهان الدين ، وولى خصمه المنصب، وأمر أمير الحاج أن يضع الأساس على مراد ابن الزمن ، ويقف عليه بنفسه ، وجعل ابن الزمن ذلك رباطاً وسبيلاً .


قال:"ويالله العجب من ابن الزمن؛ كيف ارتكب هذا المحرم بإجماع المسلمين طالباً به الثواب، وكيف تعصب له سلطان عصره الأشرف قايتباي مع أنه أحسن ملوك الجراكسة عقلاً وديناً وخيريةً، وهو يأمر بفعل هذا الأمر المجمع على حرمته في مشعر من مشاعر الله تعالى، وكيف يعزل قاضي الشرع الشريف لكونه نهى عن منكر ظاهر الإنكار فرحم الله الجميع وغفر لهم" . انتهى كلام النهرواني.


الإصلاح في المسعى والاعتناء بتدوينه


* الناس في هذا المشعر الحرام صنفان:


محسنٌ وظالم لنفسه مبين، وتقدم ذكر شيء من الظلم هناك، وأما الإحسان والإصلاح فهو الأصل بحمد الله ومنّه وكرمه.


ولقد اعتنى العلماء بتدوين تاريخ المسجد الحرام والمشاعر العظام، وذكروا ما جرى فيها من إصلاحات وتيسير للحجاج والمعتمرين؛ اعترافاً بالجميل، وترغيباً لمن يأتي من بعد، وتعظيماً لحرمات الله، واحتفاءً بشعائره (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ).


نعم..إن في تدوين العلماء هذا التاريخ منافع جليلة فرحمهم الله وغفر لهم .


ومن ذلك: أنهم قيدوا ما عمله الملوك والسلاطين من إصلاحات في المسعى، وذكروا أموراً كانت عندهم جليلة:


* فها هو الإمام الفاكهي من علماء القرن الثالث الهجري يثبت في كتابه:« أخبار مكة» [2/245] ما قام به بعض الحكام من إنارة المسعى بالمصابيح حيث قال:


ذِكْر أول من استصبح بين الصفا والمروة : وقال بعض أهل مكة : إن خالد بن عبد الله القسري أول من استصبح بين الصفا والمروة في خلافة سليمان بن عبد الملك في الحج و في رجب .


قال: وأول من استحدث هذه النفاطات، (وهي نوع من السرج) التي بين الصفا والمروة أمير المؤمنين المعتصم بالله، يُستصبح في المواسم إلى يومنا هذاً . انتهى


وذكر السنجاري في كتابه «منائح الكرم في أخبار مكة والبيت وولاة الحرم» [3/33] أعمالَ بعضِ السلاطين في سنة ثمانمائة وثلاث أربعين فقال:" وعين لميلي المسعى قنديلين من قناديل الحرم تعلق في رجب وشعبان ورمضان تضيء للمعتمرين، وجعل قنديلاً على الصفا وآخر على المروة" .


وذكر ما قام به بعض الولاة في سنة ألف واثنتين وسبعين للهجرة فقال:" ودُهن علميّ المسعى وعيّن نحو ثمانين قنديلاً تسرج في الثلاثة الأشهر: رجب وشعبان ورمضان، منتشرة من الصفا إلى المروة من الجانبين في أماكن متفرقة وعمَّر سبيلاً بالمسعى". أي: لشرب الساعي بين الصفا والمروة منها.


إصلاح المسعى دونه عقبات


إن محاولة إصلاح المسعى كانت يعترضها عقبات, نعم.. لقد كان إصلاح المسعى شرفاً مدَّخراً لهذه الدولة السعودية السَّنِيَّة، ولقد حاول من قبلهم ذلك فلم يقدّر لهم .


* وممن أراد ذلك على ما ذكره الغازي في تاريخه عن البلد الحرام [التاريخ القويم 5/351] المشير الحاج محمد حسيب باشا، الذي تولى مكة من قِبل الدولة العثمانية عام ألف ومائتين وأربعة وستين، فقد أراد المذكور أن يوسع المسعى ويهدمها ليتسع على الحجاج حال السعي ويأخذ من الدور الداخلة في مشعر المسعى، ويجعل طريقاً للذاهب في السعي وأخر للآيب، ونصب حبلاً كان مراده أن يجعل عِوضه دربزاناً من الحديد أو غيره، وهدم بعض الدور الداخلة بالمشعر، فكتب فيه بعض أهالي مكة ونقموا عليه، وتوجه بالكتب إلى الخليفة العثماني السيد عبد الله بن عقيل توجه خفية على ناقة إلى التنعيم، ثم أخذ براً من طريق الحديبية وتوجه إلى الآستانة وشكى حاكم مكة فأمر الخليفة العثماني بعزله ووئدت فكرة توسيع المسعى في مهدها.


وها هو أحد المؤرخين في الدولة العثمانية (أيوب صبري باشا المتوفى سنة ألف ومائتين وتسعين للهجرة) يتألم من حال المسعى فيقول في كتابه «مرآة الحرمين الشريفين» [2/840] : ويصيب الإنسان حيرة وهو يرى على جانبي طريق المسعى المحال والدكاكين، ووسط هذه المحال مكان للعبادة، ويدور في خاطره استحسان رفع هذا السوق من هناك .انتهى .


وقد تحققت رغبته هذا المؤرخ العثماني على يد دولتنا السعودية أعزها الله بالسنة وأدام عليها نعمة خدمة البيتين الكريمين والحرمين الشريفين (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ)



عناية الدولة السعودية الأولى بالمسعى


لقد كانت العناية بالمسجد الحرام والمسعى الشريف من أولويات الدولة السعودية الأولى، ومما قامت به تلك الدولة السعودية من خدمةٍ وتطهير للمسعى: ما جرى منهم لما ضموا مكة أول مرة للدولة السعودية قبل أكثر من مائتي عام على يد الإمام سعود بن عبد العزيز بن الإمام محمد بن سعود ، وقد ذكر المؤرخ الجبرتي، وهو من علماء مصر وقد كان صادقاً في وصفه لدعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، منكراً للأكاذيب الذي يروجها أعداؤها من عباد القبور والخرافيين، كان مما ذكره هذا المؤرخ المصري رحمه الله: أن الدولة السعودية دخلت الحجاز، وفي سنة ألف ومائتين وإحدى وعشرين أمرت بمنع المنكرات والتجاهر بها، ومنعت شرب التنباك (أي:الدخان) في المسعى بين الصفا والمروة، وأمرت بملازمة الصلوات في الجماعة، ودفع الزكاة، وأبطلت المكوس والمظالم، وأمرت بترك ما حدث في الناس من الالتجاء لغير الله من المخلوقين الأحياء والأموات في الشدائد، وما أحدثوه من بناء القباب على القبور والزخارف وتقبيل الأعتاب والخضوع والتذلل والمناداة والطواف والنذور والقربان لها، واختلاط الرجال بالنساء ، ثم قال الجبرتي : فعند ذلك أمنت السبل وانحلت الأسعار. (أي: رخصت)


عناية الدولة السعودية الثالثة بالمسعى


واستمرت جهود الدولة المباركة في خدمة المسعى وإصلاحه:


* ومما قامت به الدولة السعودية الثالثة من خدمة للمسعى الشريف على يد الملك عبد العزيز: فرش أرض المسعى بالبلاط وتسقيفه، ففي أوائل عام ألف وثلاثمائة وخمسة وأربعين أمر الملك عبد العزيز بفرش أرض المسعى بالبلاط الحجري المربّع من الصفا إلى المروة، وهذه أول مرة تفرش فيها أرض المسعى بالبلاط الحجري، بعد أن كانت أرضيته ترابية يثور منها الغبار عند المشي عليها، وبذلك استراح الناس من تلك الأتربة والغبار .


قال المؤرخ باسلامة في «تاريخ عمارة المسجد الحرام» [ص296]: فكان هذا أول مرة رصف فيها شارع المسعى من الصفا إلى المروة منذ فرض الله على المسلمين الحج بل منذ سكن الحجاز، وكان الملك عبد العزيز السعود أول ملك اعتنى برصفه، ولا شك أن هذا العمل من أجلّ الأعمال التي قام بها رجال الإصلاح في مكة، وأعظم مفخرة من مفاخر الملوك المسلمين . اهـ


وفي عام ألف وثلاثمائة وستة ستين أمر الملك عبد العزيز بعمل مظلة على المسعى، فتمَّ عملها في العام نفسه؛ وكانت بطول المسعى من الصفا إلى المروة إلا يسيراً.


* ولقد كان الإصلاح الأعظم للمسعى على يد الملك سعود بن عبد العزيز غفر الله له، نعم.. إن مساحة المسجد الحرام قد وقفت منذ مئات السنين عند حد معين، حتى كانت الزيادة السعودية بحمد الله, وكذلك المسعى فإن البناء حوله لم يتوقف عند حد, بل ظل يزحف إليه حتى اتصلت به البيوت ودور الأهالي، وحالت المباني والدور الخاصة بينه وبين المسجد الحرام، وأصبح المسعى ضيقاً تقوم على جوانبه الحوانيت المتعددة تملؤها السلع، وترتفع فوقها المساكن طبقات، وتختلط أصوات البائعين بأصوات الساعين والعابرين، وصاحب ذلك تيسر السبل للحج والعمرة؛ فضاقت تلك العرصات المباركة، وكلما مرت الأعوام وازداد العدد كثرة ، والازدحام اشتداداً، وازداد من في مكة سكاناً وحجيجاً شعوراً بهذا الضيق: ارتفعت أكف الضراعة إلى الله بأن يهيئ للحجاج والمعتمرين من يسهل عليهم أداء نسكهم, وكان ذلك على يد الملك سعود فقد عمل في المسعى مالم يعمله أحد من الملوك والسلاطين قبله عبر تاريخ هذا المشعر العظيم، فما الذي عمله؟!


لقد أمر - رحمه الله- بتوسعة المسجد الحرام وتوسيع المسعى وبنائه وعمل ما يلزم للتيسير على الساعين؛ فتم شراء جميع المنازل المحيطة بالمسجد الحرام من جهاته الأربع , وكذلك المحيطة بالمسعى وكان الثمن باهظا ، ومع ذلك كان يقول للجنة التعويضات :" اظلمونا للناس، ولا تظلموهم لنا".أي: لا تبخسوهم حقهم . وبدأ العمل في المسعى الشريف.


* لقد كان المسعى مكشوفاً مئات السنين، ويتأذى الناس من حرارة الشمس، والغبار، والأتربة والسيول والمياه تحت أقدامهم وضاق المسعى لما يحيط به من مساكن وأبنية, وتقدم أن بعض الناس في أزمنة خلت تعدى على هذا المشعر وغصب جزءاً منه، فكان رفع هذا الظلم والتعدي على يد دولتنا السعودية أعزها الله بالسنة ، فبدأ العمل في شهر ربيع الثاني عام خمسة وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة ، فهدم ما كان بالمسعى من بيوت ودكاكين، وخُلِّصت أرض المسعى من التعديات عليها، ثم حفرت أساسات الجدار الخارجي للتوسعة التي تضم المسعى، واستمر العمل إلى عام ثمانية وسبعين وثلاثمائة وألف للهجرة، وقد تم فيها بحمد الله بناء المسعى بطابقيه؛ وطوله من الداخل ثلاثمائة وأربعة وتسعون متراً ونصف المتر وعرضه عشرون متراً، وارتفاع الطبقة الأولى اثنا عشر متراً، والثانية تسعة أمتار، وأقيم في وسط المسعى حاجز قليل الارتفاع يقسمه قسمين :


أحدهما للذاهب من الصفا إلى المروة والآخر للعائد منها إلى الصفا؛ لئلا يقابل الناس بعضهم بعض فيتضررون.


وقد سُرَّ المسلمون بهذا العمل العظيم الذي لم يسبق مثله في التاريخ ألا وهو بناء المسعى وتبليطه وصرف السيول عنه وجعله متعدد الطوابق.


* وتتابع الملوك من آل سعود على العناية بالمسعى الشريف، حتى كانت التوسعة العظمى على يد الملك الراحل فهد -غفر الله له - وتيسر في زمنه للمسلمين الصلاة في سطح المسجد الحرام بعد تهيأته, وكذلك السعي بين الصفا والمروة فصار للمسعى دور ثالث ولله الحمد والمنة .


العلمان الأخضران في المسعى


ولعلك تسأل ما شأن العلمين الأخضرين في المسعى ولماذا وضعا في التوسعة السعودية؟


اعلم أن في المسعى ميلين أخضرين وضعا علامة لطلب الهرولة بينهما في السعي ذهاباً وإياباً، أحدهما كان تحت منارة باب علي, وثانيهما كان متصلاً بدار العباس بن عبد المطلب، والميل التي تحت منارة باب علي كان مسامتاً لابتداء السعي الشديد في بطن الوادي؛ كما فعل النبي عليه السلام، وكان السيل يهدمه فأخروه أي : الميل الأخضر عن مبدأ السعي بستة أذرع؛ فلذلك تسن الهرولة قبل هذا الميل الأخضر بنحو ستة أذرع.


قال في «الروض المربع شرح زاد المستنقع»: ثم ينزل من الصفا ماشياً إلى أن يبقى بينه وبين العلم الأول وهو الميل الأخضر في ركن المسجد نحو ستة أذرع، ثم يسعى سعياً شديداً إلى العلم الآخر. اهـ


قال الفاسي في «الزهور المقتطفة» [ص81] : ومقتضى هذا أن الساعي إذا قصد الصفا من المروة لا يزال يهرول حتى يجاوز هذين العلمين بنحو ستة أذرع؛ لأجل العلة التي شرع لأجلها الإسراع في التوجه إلى المروة .اهـ


* والعلمان الأخضران أعيد وضعهما في مكانهما ضمن توسعة السعودية ، وعليهما أنوار خضراء.


* والظاهر أن العلم الأخضر في المسعى وضع في أواخر القرن الأول الهجري فإن الناس في صدر الإسلام كانوا يعرفون موضع هرولة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لما سعى، ومع طول العهد رأوا أن يضعوا علامة للدلالة على ذلك الموضع؛ حتى لا يختلف الناس أو يخفى عليهم الأمر كما في «التاريخ القويم» [5/350] للكردي رحمه الله.



المسعى في عهد الملك عبد الله


وفي حج هذا العام ألف وأربعمائة وثمانية وعشرين بدأ العمل في مشروع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله - أيده الله- للمسعى الشريف وبنائه على طوابق متعددة، بعد هدم وإزالة المبنى القديم للمسعى، وعمل ما يلزم لإراحة الحجاج والمعتمرين، فجزى الله القائمين على هذا العمل خير الجزاء ورفع درجاتهم وكبت أعاديهم .


وهذا العمل الجليل لملكنا عبد الله – سدده الله- في المسعى مع مشروع الجمرات هو والله خير لأهل الإسلام وخدمة جليلة لحجاج بيت الله الحرام, وإذا كان العلماء كما تقدم دونوا وضع قنديل أو قنديلين في المسعى فكيف بهذا العمل العظيم، نسأل الله أن يبارك للمسلمين فيه وأن يجعله عونا على الطاعة وأن يجعلنا من المعظمين لشعائره ولنكن أهل الإسلام على سنة أبينا إبراهيم لما بنى الكعبة المشرفة كان يسأل ربه ويدعو: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).


إن هذه الخدمة الجليلة للمسجد الحرام والمسعى الشريف؛ لتؤكد جدارة الدولة السعودية – أعزها الله- بخدمة وحماية الحرمين الشريفين، فنسأل الله أن يبارك في الجهود ويسدد الخطا.


خروج الدابة من المسعى ؟!


يتردد عند بعض الناس أن الدابة تخرج من الصفا قال الله جلا وعلا: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُون) فهل تخرج هذه الدابة من الصفا ؟ روى ابن أبي حاتم عن عبدالله أنه قال: تخرج الدابة من صدع من الصفا .


وعن أبي الطفيل أنه قال:تخرج الدابة من الصفا أو المروة. أخرجه البيهقي .


قال الإمام ابن كثير في تاريخه[19/259]:"وقد ورد في ذلك حديث غريب رواه الطبراني في معجمه". ثم أورد الحديث من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً وفيه:" ثم تخرج دابة الأرض من صدع في الصفا". وعقّب الحافظ ابن كثير بقوله:" وهذا حديث غريب جداً ورفعه فيه إنكاره، ولعله من الزاملتين اللتين أصابهما عبد الله بن عمرو يوم اليرموك من كتب أهل الكتاب فكان يحدث منهما أشياء وغرائب. انتهى كلامه.


والله أعلم بموضع خروج الدابة فلا يجزم أنها تخرج من الصفا حتى يثبت الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام بذلك ، و الواجب الإيمان بأن خروجها من علامات الساعة, أما موضعه فربك أعلم به.


(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ).


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127