الشيخ عبدالمحسن العباد البدر

تنبيهات في الحج على الكتابة المسماة (افعل ولا حرج) (3) الشيخ العلامة/ عبد المحسن بن حمد العباد البدر

أضيف بتاريخ : 31 / 07 / 2008
                                



تنبيهات في الحج على الكتابة المسماة (افعل ولا حرج) (3)

الشيخ العلامة/ عبد المحسن بن حمد العباد البدر


الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد:

نكمل ما بدأناه في العدد السابق في الرد على الكتابة المسماة (افعل ولا حرج):

زعمه أن على المفتي مراعاة أحوال الناس وإدراك اختلافهم وتنوع مشاربهم ومذاهبهم

السابع : قال الكاتب(ص:76) :(وعلى المفتي أو طالب العلم أن يراعي أحوال الحجاج، وأن يجعل شعاره كما سبق(افعل ولا حرج) طالما أن في الأمر سعة ورخصة، كما أن على المفتي أن يدرك اختلاف الناس وتنوع مشاربهم ومذاهبهم وأقوال المفتين لديهم، وحملهم على قول واحد أو مذهب واحد متعسّر بل متعذر، وسعة الشريعة لا تحكم لضيق هذا المذهب أو ذاك في بعض الفروع والمسائل).

وأقول: هذا الكلام شبيه بكلامه المتقدم في التنبيه الثالث وهو عجيب غريب» فإن الذي على المفتي مراعاته أنه إذا تبين له الدليل أخذ به وأفتى به، ولا يجوز له مخالفة لقول الله(:(وَمَا كَانَ لًمُؤْمًن وَلَا مُؤْمًنَة إًذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخًيَرَةُ مًنْ أَمْرًهًمْ وَمَن يَعْصً اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبًيناً (الأحزاب36، وقال:(فَلْيَحْذَرً الَّذًينَ يُخَالًفُونَ عَنْ أَمْرًهً أَن تُصًيبَهُمْ فًتْنَةي أَوْ يُصًيبَهُمْ عَذَابي أَلًيمي (النور63وقال: (مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولًهً مًنْ أَهْلً الْقُرَى فَلًلَّهً وَلًلرَّسُولً وَلًذًي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكًينً وَابْنً السَّبًيلً كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنًيَاء مًنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إًنَّ اللَّهَ شَدًيدُ الْعًقَابً (الحشر7 وقال:(قُلْ إًن كُنتُمْ تُحًبُّونَ اللّهَ فَاتَّبًعُونًي يُحْبًبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفًرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُور رَّحًيم([آل عمرانـ31] قال ابن كثير في تفسير آية النور:(فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنا من كان).

وقال في تفسير آية آل عمران(هذه الآية حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية» فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله(أنه قال: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ).

وتقدّم قول الشافعي رحمه الله :(أجمع الناس على من استبانت له سنّة رسول الله(لم يكن له أن يدعها لقول أحد).

وقال ابن خزيمة كما في الفتح(3/95): (ويحرم على العالم أن يخالف السنّة بعد علمه بها).

ورجوع طالب العلم إلى كتب الفقه والوقوف على أقوال العلماء للاستعانة بما فيها للوصول إلى الحق أمر مطلوب مع لزوم احترام العلماء وتوقيرهم وذكرهم بالجميل اللائق بهم دون إفراط أو تفريط، وإذا تبين له الدليل لم يعدل عنه إلى غيره، كما قال ابن القيم في كتاب الروح(ص:395) بعد كلام له:(ومن هنا يتبيّن الفرق بين تقليد العالم في كل ما قال، وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه، فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلبي لدليله من الكتاب والسنّة، بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه ويقلده به، ولذلك سمي تقليداً، بخلاف من استعان بفهمه واستضاء بنور علمه في الوصول إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول، فإذا وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره، فمن استدل بالنجم على القبلة فإنه إذا شاهدها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى).

وليس للمفتي أن يعرف مذاهب الحجاج ليفتيهم بها، وإنما يجب عليه أن يفتي بما يظهر له أنه الحق وفقاً للدليل، قال ابن القيم في إعلام الموقعين(4/211): (لا يجوز للمفتي أن يعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح، ولا يعتد به بل يكتفي في العمل بمجرد كون ذلك قولاً قاله إمام أو وجهاً ذهب إليه جماعة، فيعمل بما يشاء من الوجوه والأقوال وفق إرادته وغرضه عمل به، فإرادته وغرضه هو المعيار وبها الترجيح، وهذا حرام باتفاق الأمة.....) إلى أن قال:(وبالجملة فلا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتشهي والتخيير وموافقة الغرض...).

وروى ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله (2/91) عن سليمان التيمي أنه قال: (إذا أخذْت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله)، قال ابن عبدالبر :(هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً)، ومع هذا الكلام المخيف لسليمان التيمي رحمه الله الذي قال عنه ابن عبد البر إنه إجماع لا خلاف فيه، نجد أن الكاتب لم يكتف بالتأكيد على الأخذ برخص الفقهاء، بل أضاف إلى ذلك نسبته إلى السنّة المحمدية، وأنها تجمع وتسع هذه الرخص، فصارت الحال كما قيل :(أحشفاً وسوء كيلة)، وهو مثل يضرب للجمع بين خصلتين ذميمتين.

والمفتي لا يحمل الناس على الأخذ بما يفتي به،وإنما القاضي هو الذي يحملهم على ما يقضي به، وهذا هو الفرق بين الإفتاء والقضاء، فإن الإفتاء إخبار بالحق من غير إلزام به، والقضاء هو الإخبار بالحق مع الإلزام به.

ويكون شعار المفتي (افعل ولا حرج) فيما قال الرسول (افعل ولا حرج، وقد جاء ذلك عنه(في عدّة أمور سُئل عنها يوم النحر، فأجاب بقوله (لا حرج)،وبقوله:(افعل ولا حرج)، وهي الحلق قبل الذبح، والذبح قبل الرمي، والحلق قبل الرمي، وطواف الإفاضة قبل الرمي، والرمي في المساء،والسعي قبل الطواف ومثلها الطواف قبل النحر والطواف قبل الحلق، ولا يعدى هذا الحكم إلى الأعمال الأخرى، كتقديم ركعتي الطواف على الطواف، وتقديم رمي جمرة العقبة على رمي الوسطى ورمي الوسطى على رمي الأولى »لأنه خلاف فعله(في أيام التشريق الثلاثة وتقدّمت الإشارة إلى ذلك في التنبيه الثاني.

وللحديث بقية بإذن الله تعالى والحمد لله رب العالمين.


تاريخ النشر: الاثنين 24/12/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127