الشيخ إبراهيم بن عبد الله المطلق

في ضيافة مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم!! الشيخ إبراهيم بن عبدالله المطلق

أضيف بتاريخ : 11 / 09 / 2009
                                



في ضيافة مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم!!

 

 

 

قبيل اختبارات الفصل الدراسي الثاني لهذا العام دعيت لحضور حفل تخريج وتوديع دفعة في إحدى مدارس تحفيظ القرآن الكريم الابتدائية وللمرة الثانية وحضرت مبتهجا لأنني أفخر بوجود مدارس رسمية تشرف عليها الدولة وتعنى بتحفيظ كتاب الله تعالى وقبل الحفل شاركت بالإشادة بجهد المدرسة في سجل الزيارات وكثيرا ما أشيد بهذا الجهد لأنها تترجم وتنبأ عن عناية ولاة الأمر وفقهم الله وحفظهم بكتاب الله تعالى وحرصهم الشديد على تخريج أجيال حفظة لكتابه الكريم ودعمهم حسيا ومعنويا وماديا الغير محدود لكل من يعنى بتحفيظ كتاب الله تعالى.


لفت انتباهي وانتباه البعض بدأ الحفل بأناشيد إسلامية على خلاف مناسباتنا والتي تبدأ عادة بأي من كتاب الله تعالى ولفت انتباهي كذلك استمرار هذه الأناشيد حتى نهاية الحفل قرابة الثانية عشر ظهرا ما بين التسجيل الصوتي والأناشيد المباشرة على المسرح بصوت عدد من الناشئة أصلح الله قلوبهم وتخلل ذلك كلمات بسيطة لمدير المدرسة ورئيس مجلس إدارتها وحتى تساءلت في نفسي هل نحن في مدرسة لتحفيظ للقرآن الكريم أم في مدرسة لتحفيظ الأناشيد الإسلامية ؟!!.


في تصوري أن تلقين الناشئة للأناشيد الإسلامية في هذا السن حتى وإن لم تكن أناشيد حماسية " جهادية " غير موفق وغير صحيح لأنه يعني اللبنة الأولى في تحبيب الطفل للأناشيد بصفة عامة وتدريبه عليها وتربيته على سماعها والتأثر بها وفي مراحل دراسية أخرى متقدمة " المتوسطة والثانوية "ربما يتم تلقين البعض منهم وباختيار وانتقائية مدروسة بعض الأناشيد المحظورة .


قررت هذه المرة واستجابة لعدد من إخواني الذين نصحوني في بعض الردود الصحفية على بعض مقالاتي بضرورة تقديم النصيحة الفردية لصاحب الخطأ مباشرة فقابلت مدير المدرسة من الغد وأنا أعرفه وهو يعرفني جيدا فشكرته وقلت له برفق لو قللتم من الأناشيد قليلا لأنها استولت على غالب وقت وفقرات الحفل فتلون وجهه وظهر فيه الغضب وقال لي بالحرف الواحد يا أخي كلها أناشيد في القرآن ونفض يديه وقال " رح اكتب عنا مقال اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه وارنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه " قلت آمين ثم قلت أنا كلمتك مباشرة ولم يخطر ببالي كتابة مقال وتركته وانصرفت وقلت في نفسي بعد ذلك أبشر فسوف أكتب مقالا بإذن الله تعالى .


تساؤلي هنا ما الغاية المنشودة وفي مثل هذا السن من تدريب الصغار على الأناشيد الإسلامية في بعض المدارس للتحفيظ حتى أنني سألت أحد طلاب إحدى المدارس الصغار عن بعض الأناشيد فقال لي كلها أحفظها وبدأ ينشد لي حتى قلت له حسبك.


تساؤل آخر: هل هذه المدارس رسالتها تحفيظ كتاب الله تعالى للناشئة أم أنها تحمل رسائل أخرى غير معلنة يتم توصيلها للناشئة من خلال هذه المؤسسات التعليمية الرسمية والتي يحسن الناس الظن بها إلى أبعد الحدود والتي تعمل تحت مظلة الدولة ؟!!.


وتساؤل ثالث: هل وزارة التربية والتعليم على علم بمثل هذه التجاوزات ؟وهل سبق التعميم على هذه المدارس بمنعها ؟ وهل استجاب المعنيون ؟ أم أن داء تمرد وعقوق بعضا من القائمين على هذه المدارس كما اكتسح المرجعية الشرعية فتاوى كبار العلماء واكتسح الشئون الإسلامية من كثير من خطبائها الذين غالبهم من منسوبي تلكم المدارس أيضا اكتسح هذه الوزارة الموقرة .!


وهنا والشيء بالشيء يذكر أتذكر أنني دعيت قبل قرابة السنتين لحضور حفل اختتام حلقات لتحفيظ القرآن الكريم على شرف أحد أعضاء هيئة كبار العلماء فاستجبت وذهبت ملبيا الدعوة بطيبة قلب وسلامة سريره فبدأ الحفل بكلمة لسماحة الشيخ وفقه الله ثم إجابة على أسئلة الحضور وكان ضمن الأسئلة تعريضا واضحا حيث تضمن السؤال رأي سماحته فيمن يتهم حلقات التحفيظ بأنها تفرخ الإرهاب من خلال برامجها للنزهة ورحلاتها واستراحاتها ؟!. كما تم عرض مشاهد للحفظ عبر جهاز عرض الصور فلت انتباهي أيضا وفي تعريض آخر تسليط الكمرة على مصحف مفتوح على سورة المنافقين حتى أنك تقرأ السورة كاملة من خلال التصوير بوضوح وسورة المنافقين فقط دون بقية سور كتاب الله تعالى فما السر في اختيار هذه السورة والتركيز عليها دون غيرها ؟ وهل هو من باب الصدفة ؟!! وهل نحن منافقون حينا نحذر من استغلال كتاب الله تعالى في مسائل فكرية أو أخلاقية محرمة وخطيرة ؟!!.


ثم بدأ الحفل وقد غلب على فقراته الأناشيد الإسلامية بشكل ممل وملفت للنظر حتى أن مدير عام تلكم الإدارة وهو المشرف العام على الحلقات شرفيا التي أقام منسوبيها الحفل وكان يقعد بجواري التفت إلي وقال ما علاقة هذه الأناشيد بالحفل ؟!! فأجبته ما المسئول بأعلم من السائل. وحتى أنني نظرت إلى وجهه شيخنا الكريم وإذا به قد أزعجه هذا الشيء حتى بدا ذلك في وجهه.


و يبقى سؤال ملح هنا ما السر يا ترى في تغييب الأناشيد الوطنية في مثل هذه المناسبات وتلكم الحفلات ؟!! الإجابة في بطن الشاعر!!.


ثم أليس من الأمانة التربوية أن نربي أبناءنا على الثقة بفتاوى كبار علمائنا فإذا كانت فتاوى بعضا من أعضاء هيئة كبار العلماء في هذا البلد الكريم كالشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين رحمهما الله والشيخ صالح الفوزان والشيخ عبد العزيز الراجحي حفظهما الله تؤكد حرمة الأناشيد الإسلامية والتحذير منها فما المبرر في تدريب الناشئة على التمرد على مثل هذه الفتاوى ألا يعتبر ذلك نوع من التدريب والتهيئة لخلق عصيان وتمرد على فتاواهم الهامة في قضايا هامة ومصيرية كقضايا الجهاد المعاصر ومسائل الولاء والبراء وغيرها والأخذ بفتاوى القيادات الحزبية المتضمنة التحريض على الحكام ووصفهم بالفجور والكفر والردة والدعوة إلى الثورة العارمة عليهم وقد قالها أحدهم مفتخرا في مؤتمر حزبي عالمي " الآن استطاعت الشعوب تجاوز حكوماتها ".


في نظري أن الخطورة في مثل هذا التحدي السافر والجريء لفتاوى كبار العلماء في مثل هذه المسألة لا يقتصر في تهميش المرجعية الشرعية والسخرية بها وفتاواها علنا وعلى حساب منهج وفتاوى قيادات حزبية لجماعة وافدة متطرفة فحسب وإنما تزداد الخطورة في أن هذا الإجراء العنيد يعتبر النواة الأولى لتدريب الناشئة على التطرف الفكري " الجهادي " فهنا أناشيد إسلامية بريئة وهناك وفي الوقت المناسب والمرحلية العمرية المناسبة والملتقيات المناسبة أناشيد إسلامية حماسية وجهادية وتكفيرية وتفجيرية ...ألخ .


وإليك أخي القارئ الكريم أنموذجين من فتاوى بعض علمائنا الفضلاء في بيان حكم الأناشيد الإسلامية والتي لم ترق لإدارة هذه المدرسة وأمثالها وآثروا عليها فتاوى بعض قيادات الفكر المتطرف.


أولاً: فتوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله تعالى - وقد سأله شخص عن حكم الأناشيد الإسلامية فأجاب: (أنصحك بكتاب الله - عز وجل - وسنة رسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وسيرته العطرة؛ فهي والله خير من الاستماع للأناشيد، ولو قيل إنها أناشيد إسلامية، على أننا سمعنا أن هذه الأناشيد تغيرت وصارت تنشد بألحان تشبه ألحان الأغاني الماجنة، وأنها تكون بأصوات مغرية تثير الشهوة، وإذا كان الأمر كما سمعنا فإنه لا يجوز الاستماع إليها، نعم... إيش... وكذلك إذا كان بعض الدف فإنها تزداد إثماً).

ثالثاً: فتوى الشيخ صالح بن فوزان الفوزان - حفظه الله تعالى -: (هذه الأناشيد محرمة؛ لأنها من الغناء المحرم، ومن اللهو المحرم؛ فلا يجوز بيعها وشراؤها وتداولها، ولا يجوز الاستماع إليها؛ لأن هذه تشبه أناشيد الصوفية الذين يتخذون الأناشيد طاعة وقربة إلى الله وعبادة لله، وهذا من ابتداعهم الباطل. الذي يتخذ هذه الأناشيد يشبه الصوفية أو هو صوفي بالفعل، وما... هذه الأناشيد إلا من الصوفية ومن أصحاب الحزبيات والشعارات الحزبية التي غشت الناس اليوم، وما كانت معروفة عند المسلمين...). وقال الشيخ أيضاً: (أنا من أول الأمر من أول ما ظهرت الأناشيد أقول إنها غير جائزة؛ لأنها نوع من الأغاني وتشغل عن ذكر الله وفيها مفاسد. أنا من أول ما ظهرت وأنا مستنكر لها وكتبت فيها وكان الناس يستغربون في ذاك الوقت كيف أني أقول إنها غير جائزة وهي تعد عندهم من وسائل الدعوة، وأنا أقول إنها غير جائزة وليست من وسائل الدعوة بل هي من وسائل اللهو ونوع من الأغاني. والآن ترون كيف تطورت!).

أكرر هنا رؤيتي والتي سبق أن أشرت إليها في مقال سابق نشر في إحدى الصحف المحلية بضرورة دمج جميع مدارس التحفيظ الرسمية تحت مسمى معاهد تحفيظ القرآن الكريم وتشمل هذه المعاهد جميع مراحل التحفيظ ابتدائية ومتوسطة وثانوية كما أقترح ضرورة إلحاقها بمؤسسة تعليمية عليا كجامعة الإمام أو الجامعة الإسلامية مثلا ليتولى الإشراف المباشر عليها كلية القرآن الكريم بإحدى الجامعتين والتي هي أحدى كليات الجامعة الإسلامية و يجب أن تنشأ بجامعة الإمام لهذا الغرض بدلا من قسم القرآن وأقترح إدخال جميع المواد العلمية في تلكم المعاهد أسوة بالمعاهد العلمية ولتسهيل وتيسير قبول طلابها بجميع جامعات وكليات المملكة دون استثناء حلا لمعاناتهم في القبول حاليا أو إلحاق هذه المدارس في المعاهد العلمية لتكون أحد أقسامها الدراسية.


وأؤكد في الختام وللمنصفين فقط أنني لست ضد تحفيظ القرآن الكريم بمدارسه وحلقاته بل والله أنني من محبي هذه المدارس والحلقات ومؤيديها وداعميها حسيا ومعنويا وماديا فبعضا من أبنائي وبناتي من منسوبي تلكم المدارس والحلقات وقد أتم بعضهم بحمد الله حفظ القرآن كاملا ولكنني ضد استغلال هذه المدارس وتلكم الحلقات فيما سوى تحفيظ القرآن الكريم وضد تهميش دور الوالدين في تلكم المؤسسات التعليمية في مسألة تربية الأولاد والوصاية التامة على عقولهم بحجة تربيتهم ؟!!.


كما أؤكد أن هذا النقد لا يعني أن جميع مدارس التحفيظ وحلقاته لديها هذا الخلل ولا يعني اتهام الجميع بل أؤكد أنه موجود في بعض المدارس والحلقات بل ربما أكثرها بحسب القائمين والمشرفين وتوجهاتهم الفكرية والمنهجية.


والله من وراء القصد ،،،


د. إبراهيم بن عبد الله المطلق

 


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127