الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

الإيمان يماني والحكمة يمانية (2) الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



الإيمان يماني والحكمة يمانية (2) 

 


عبد الرحمن بن ندى العتيبي


الحمد لله وبعد: في حديثنا عن علماء اليمن ذكرنا منهم المحدث الشيخ مقبل الوادعي وقد حصل لنا في سفرنا إلى اليمن الوصول إلى قريته وحضور درسه ومقابلته. ولعل بعض القراء يرغب في معرفة أحوال الشعوب ويستفيد مما شاهده غيره في رحلاتهم فسأذكر شيئاً مما اطلعنا عليه من أحوال في بلاد اليمن، وقد دونت من قبل شيئاً من ذلك في حينه، وأول محطة نزلنا بها في اليمن كانت في قرية حدودية اسمها البقع وفيها مركز جوازات وهذه القرية بلا كهرباء، فلذلك المركز لا يعمل بعد الساعة الخامسة مساء، ويبدأ العمل في الساعة الثامنة صباحاً ومن وصل إليه في ليل فلابد أن ينتظر الصباح حتى يسمح له بدخول اليمن أو الخروج منها.


في هذه القرية بعض المساكن مبنية من الأخشاب ومن خلال مرورنا على دكاكين القرية رأينا الأسلحة الخفيفة كالرشاش والمسدس تُباع ويمكن استئجارها للتنقل وحملها داخل اليمن ثم عند العودة تُعاد إلى صاحبها وتُدفع الأجرة، وغالبية أهل اليمن يحملون السلاح خارج المدن الكبيرة، وهذا غير مستغرب عندهم، وعندما أردنا المبيت في القرية قال أحد الأخوة: كيف يأتينا النوم وهؤلاء الرجال من حولنا يحملون الأسلحة؟ ولكن الوضع آمن فنمنا واستيقظنا في اليوم التالي فأردنا مواصلة السير باتجاه صعدة وقد رأينا بعض الأشخاص يخزن القات، فسألنا عن ذلك فقالوا: من يخزن يجد متعة في ذلك ويشعر بفتور في جسمه، ورأينا القات يُباع وهو شبيه بالجرجير ومن يخزن يضع شيئاً من أوراقه في فمه ثم يأخذ طعمه، وتجده كل فتره يبصق وقد بدا مظهره وكأن انتفاخاً في خده وهو مظهر غير لائق، ويزرع القات عندهم بكثرة وقد أفتى علماؤنا بتحريم القات لأنه ثبت أنه مفتر ومضر وشراؤه تضييع للمال فهو غير مفيد للجسم.


بعد العصر واصلنا المسير باتجاه قرية الشيخ مقبل متجهين إلى صعدة وهي تبعد عن الحدود ثلاثمائة كم تقريباً سلكنا طريقاً صحراوياً وكانت الطريق وعرة مررنا من خلال أعالي جبال ام الرياح وكانت القيادة فيها صعبة مما جعلنا نتأخر، فلم نصل إلى صعدة إلا بعد منتصف الليل وبتنا في الفندق.


الجو في صعدة لطيف فلم نحتج إلى مكيف أو مراوح مع أننا في الصيف في الصباح اتجهنا إلى قرية دماج التي تبعد عن صعدة أحد عشر كيلو متراً، صعدة فيها مبان من طين وغالبية المساكن في اليمن فيهم البساطة ويغلب على السكان قلة ذات اليد حتى إن أحدهم قال لنا: أنتم تعيشون في بلادكم حياة منعمه مرفهة متوافر لكم كل شيء بخلاف معيشتنا في اليمن.


دخلت أحد المحلات في صعدة فإذا البائع يهودي من يهود اليمن ولهم تميز في المظهر فهم يجعلون شعر الرأس على شكل ضفائر وهذا ما رأيته في صاحب المحل وابنه الصغير، وقيل إنهم ألزموا التميز في لباسهم عن المسلمين حتى يعرفوا، المحل تباع فيه »الجنبيه« وهي الخنجر الذي يجعله أهل اليمن من ضمن لباسهم الشعبي، تركنا صعدة وواصلنا باتجاه قرية الشيخ.


لقاؤنا بالشيخ مقبل الوادعي


قرية دماج قرية صغيرة وبيوتها من الطين ما عدا الجامع وبالقرية مزارع. أخبرنا الأخوة أن درس الشيخ سيكون في الجامع بعد صلاة العصر، سألنا عن عدد طلاب الشيخ فقيل لنا ألف وثلاثمائة طالب. صلينا العصر مع الشيخ وكان عدد الحضور كبير وهو قريب من العدد الذي أخبرنا به يمكن يتجاوز الألف طالب معظمهم من اليمن وفيهم من مصر وبلاد أخرى، وهم قد تغربوا لطلب العلم وتحملوا شظف العيش والصبر على ملازمة الدرس واستفاد بعضهم فرجع إلى بلده وأصبح له حلق علمية ومؤلفات.


بعد صلاة العصر جلس الشيخ مقبل على منصة بحيث يراه الجميع وأخذ يسمع لطلابه وكانت القراءة من صحيح البخاري لحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: اجتمع عند البيت قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي كثيرة شحم بطونهم قليلة فقه قلوبهم فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول قال الآخر يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا وقال الآخر إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا فأنزل الله عز وجل {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم} الآية.


بعد انتهاء الدرس سلمنا على الشيخ وخرج معنا إلى الوادي. الشيخ ربعة وليس بالطويل وجهه أبيض مشرب بالحمرة ولا يوجد على عارضيه شعر إلا القليل وله في وسط الذقن لحية قد حنّا جزءاً منها وعمر الشيخ يقارب الستين، من عادة الشيخ أن يخرج كل عصر إلى الوادي والشيخ يسهر على التأليف ومعظم وقته في العلم إفتاء وتدريساً وتحقيقاً، وجو القرية جو علمي ومن يسكن عندهم يتعلم في زمن يسير الشيء الكثير. سألنا الشيخ عن الإكراه في قوله تعالى {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} وهل الإكراه في القول فقط؟ فأجاب بأن الإكراه في القول والفعل ويقصد بالإكراه على قول الكفر أو فعله في سيرنا مع الشيخ لاحظنا أن معه حرس مسلح وهم معه في كل وقت ويرأسهم الأخ أحمد وقال لنا قائد الحرس إن الشيخ عليه خطر من الفرق المخالفة لأهل السنة وقد أصابهم الغيظ من دعوة الشيخ، فهم يتربصون به. وأخبرنا أحمد أن السفيرة الأمريكية في اليمن زارت القرية وكان للشيخ موقف مشرف تجاه مقابلتها فطلب منها أن تلبس خمار وأن تجلس مع النساء وبعد ذلك يدور الحوار، وبعد رجوع السفيرة إلى صنعاء كتبت تقرير أن ما يقوم به الشيخ هو تدريس للعلم الشرعي وليس له علاقة بالجماعات المسلحة.


الشيخ مقبل طلب العلم في مكة وفي المدينة فهو خريج الجامعة الإسلامية وله مؤلفات كثيرة منها تحقيق تفسير ابن كثير- والشفاعة- والصحيح المسند لأسباب النزول وغيرها من المؤلفات الحديثية.


أقام الشيخ في اليمن دعوة مباركة عمادها التمسك بالكتاب والسنة ومنذ بداية عودته لليمن رفض التعامل مع الجماعات المخالفة للسنة وطلب التميز عنهم ليعرف الحق من الباطل، حدثنا الشيخ عن بداية دعوته في اليمن فيقول أول ما جئت لزمت مسجداً وبدأت بالتدريس وكان الحضور قليلاً ولم يكن في الحسبان أن الدعوة ستصل إلى هذه النمو السريع، بارك الله في الجهود فأصبح التلاميذ يقبلون من كل ناحية فأصبحت الدعوة قوية ولله الحمد وحصل لها القبول في أنحاء اليمن وعرف الناس السُّنَّة وخرجت دماج مشايخ رجعوا إلى قراهم فأخذوا يعلمون الناس الخير ويدعونهم إلى التمسك بالكتاب والسنة، بعد عودتنا من الوادي دعانا الشيخ إلى العشاء في منزله أكملنا طرح الأسئلة على الشيخ وتناولنا العشاء في بيت الشيخ، وهو منزل متواضع ينم عن قلة التعلق بالدنيا بعد تناول العشاء قال مرافقنا- وهو من سكان القرية-: العشاء الذي قدم لكم هو ما يقدمه الشيخ لضيوفه، وكان العشاء جبن ومربى وأطعمة أخرى، فقلنا للمرافق: نحن أعجبنا عدم التكلف وما أجمله من عشاء بهذه الصورة الصادقة، الشيخ يتحمل تكاليف النفقة على طلبته وقيل لنا إن المعونة تأتيه من الشيخ عبد العزيز بن باز.


في اليوم التالي قام أحد التلاميذ بإطلاعي على طريقة التعليم والكتب التي تدرس ومر بي على سكن الطلاب وأخبرني أن المتقدم في العلم يدرس المبتدئ والدارس يتعلم جميع الفنون في التفسير والحديث والنحو، انتهينا من رحلتنا التي أطلعنا فيها على نموذج حي للعالم العامل بعلمه الزاهد القدوة المتطلع إلى عودة الأمة إلى العمل بالكتاب والسنة وبعد لقائنا بالشيخ بسنوات مرض الشيخ ونقل للعلاج خارج اليمن وتوفي سنة 1422 هجرية وصلي عليه في الحرم المكي ودفن في مقبرة المعلاة بمكة.


رحمه الله رحمة واسعة وجميع موتى المسلمين وفي مثله يقال:


عز العزاء وعم الحادث الجلل


وخاب في تعميرك الأمل


قد كنت للدين نوراً يستضاء به


مسدداً منك فيه القول والعمل


وكنت تتلو كتاب الله معتبراً


لا يعتريك على تكراره ملل


وكنت في سنة المختار مجتهداً


وأنت باليمن والتوفيق مشتمل


وكنت زيناً لأهل العلم مفتخراً


على جديد كساهم ثوبك السمل


زهدت في هذه الدنيا وزخرفها


عزماً وحزماً فمضروب بك المثل




تاريخ النشر 10/08/2009 




الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127