الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

فوائد علمية وآداب إسلامية (37) الشيخ عبد الرحمن بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



فوائد علمية وآداب إسلامية (37) 

 

عبد الرحمن بن ندى العتيبي


-77 من أطاع الله ولم يعصه حفظه الله


عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال لي: «يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح]. راوي الحديث هو عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبر هذه الأمة وقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين، فكان من علماء الصحابة وله المرجع في تفسير كتاب الله، وعندما توفي النبي صلى الله عليه وسلم كان عمره ثلاث عشرة سنة واستمر في طلب العلم على كبار الصحابة حتى أتاه الله الفقه في الدين وفي الحديث.


يقول ابن عباس: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان رديفاً له على حمار وقد ركب خلف النبي صلى الله عليه وسلم.


قوله صلى الله عليه وسلم «يا غلام إني أعلمك كلمات» الغلام يطلق على الطفل منذ ولادته إلى سن البلوغ، وفي حديث العقيقة قوله صلى الله عليه وسلم «عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة»، قوله صلى الله عليه وسلم «احفظ الله يحفظك» احفظ الله أي امتثل أوامره واعمل بها واجتنب ما نهى الله عنه، وليرك الله حيث أمرك تالياً لكتابه قائماً بما أوجب عليك من عبادته منفقاً في سبيله، واحذر أن يراك وأنت متلبس بمعصيته فيحل عليك غضبه وتبوء بالخسران، ومن حفظ الله فقام بعبادته على الوجه المشروع والتزم طاعته في العسر واليسر والمنشط والمكره وصبر على ذلك واحتسب حفظه الله من كل مكروه، وأمّنه في دنياه وأخراه وجعل له الفرج والحياة الطيبة قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)} [النحل].


قوله صلى الله عليه وسلم «احفظ الله تجده تجاهك» فإذا عملت بطاعته وابتعدت عن معصيته فسينفعك ذلك عند الشدائد، فتجد أن الله معك ويساعدك وينجيك ويكشف كربك كما حصل لنبي الله يونس عليه السلام، فإنه كان عابداً لربه ويكثر من التسبيح فلما حصلت له المصيبة والتقمه الحوت جاءه الفرج من الله، فانكشفت كربته وألقى به الحوت إلى الشاطئ وعافاه الله في جسده ورجعت إليه صحته، بعد أن أوشك على الهلكة، وما ذاك إلا لأنه كان مخلصاً لربه حافظاً له في كل حين مكثراً من التسبيح قال تعالى {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144)} [الصافات]، ومن حفظ الله فسيجد الله تجاهه ومن كان في طاعة الله فالله معه وهذا ما طمأن به النبي صلى الله عليه وسلم صاحبه في الهجرة أبا بكر رضي الله عنه عندما كان يقول له {لا تحزن إن الله معنا} فقد اشتد بهما الكرب ولحق بهما القوم بغية الإمساك بهما فأمن الله نبيه وصاحبه ورد كيد الكافرين، فمن حفظ الله حفظه الله قال تعالى {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)} [التوبة]، فمن حفظ حدود الله وشريعته وصدق خبره حفظه الله من الآفات العقلية والبدنية والفكرية ووجد الله تجاهه أي أمامه يدله على ما يه خير.


قوله صلى الله عليه وسلم (إذا سألت فاسأل الله) فيه التوكل على الله والاعتماد عليه وحده في جلب كل نفع ودفع كل ضر فطلب الحاجات يكون من الله وسؤاله بلا واسطة قال تعالى {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)} [البقرة]ن فالله قادر على كل شيء فبيده الشفاء من المرض والإغناء من الفقر وكشف الكربات قال تعالى {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62)} [النمل]، فالله هو الذي يعلم السر وأخفى وبيده ملكوت كل شيء فهو المتصرف في شؤون خلقه {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)} [آل عمران]، ومن احتاج إلى شيء من المخلوق وذلك المخلوق له القدرة على تلبية حاجته فلا ينسى العبد أن المسخر هو الله فهو المسخر لذلك المخلوق ليكون سبباً في نفعك ومن علم ذلك صرف قلبه للتعلق بربه وسأله أن يجيب حاجاته وأن يسخر له مخلوقاته، أما من يسأل المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله كشفاء المرض أو طلب الهداية والمغفرة وحصول العافية من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة، فمن طلب هذه الأشياء من غير الله فقد أشرك بالله. (فإذا سألت فاسأل الله) فخزائنه ملأى ولا ينقصها كثرة الإنفاق منها لأنها من عند من يقول للشيء كن فيكون فاطلب من الله ما تريد لأن المخلوق إذا طلبته قد يعتذر وقد لا يستطيع.


لا تسألن بني آدم حاجة وأسأل الذي أبوابه لا تحجب


الله يغضب إن تركت سؤاله وابن آدم يغضب إن سألته


قوله صلى الله عليه وسلم (وإذا استعنت فاستعن بالله) فالله هو القادر على معونتك فاستعن به فالأمور كلها بيده وله كامل التصرف في شؤون خلقه {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)} [الأنبياء]، وهو الذي قدر المقادير فمن أراد به خيراً فلا أحد يرد ذلك الخير {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} [هود: 107]، وهذا ما جاء في هذا الحديث لقوله صلى الله عليه وسلم (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) فاعلم علم يقين أن الأمة وهم الناس جميعاً لن يتصرفوا فيما (كتبه الله لك أو عليك) كتابة قدرية (رفعت الأقلام) أقلام القدر (وجفت الصحف) المكتوب فيها، فالأمر انتهى والمقدر كائن بإذن الله.


ما يستفاد من الحديث:


-1 أهمية هذه الوصايا حيث أسداها النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس ابن عمه.


-2 بذل العلم للجميع صغاراً أو كباراً حتى يستفيد الكل.


-3 مشروعية الإرداف على الراحلة ما لم يشق على الراحلة.


-4 تواضع النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يركب ويردف معه غيره.


-5 الجزاء من جنس العمل من قوله (احفظ الله يحفظك).


-6 حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم وتنبيه السامع لأهمية الأمر من قوله (إني أعلمك كلمات).


-7 ذكر الثواب الدنيوي لا ينقص من الأجر ولذلك رغب في صلة الرحم بقوله (من أراد أن يوسع له في رزقه وينسأ له في اثره فليصل رحمه).


-8 كون الله تجاهك أي أمامك لا يعني عدم علوه فإنه علي مع قربه من عبده وهو محيط بكل شيء.


-9 السؤال يكون لله فقط ومن سأل المخلوق فيما يقدر عليه المخلوق فليعلم أن المسبب هو الله والمخلوق سبب فيكون الاعتماد على الله.


-10 الله يسأل في كل صغير وكبير وفي شأن الدنيا والآخرة لأن الدعاء عبادة.


-11 طلب العون يكون من الله.


-12 الإنسان لا يبالي بالناس إذا كان على حق ولا يعني ذلك التهور بل ينبغي توقي الضرر لقوله صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار).


-13 الاعتماد على الله لأنه لا ينفعك أحد إلا بما قد كتبه الله لك ويجوز أن يقول فلان نفعني لأنه أمر محقق.


-14 رفعت الأقلام لا يعني عدم السؤال لأنك لا تدري ما المكتوب فلعل المكتوب أن تسأل فيجاب.


-15 عناية الله بالمقادير مع أنه معلوم ولكن كتب.


-16 التعرف إلى الله بالتقرب إليه بالطاعة فيجدك حيث أمرك ولا تكون حيث نهاك.




تاريخ النشر 27/07/2009 




الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127