الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

فوائد علمية وآداب إسلامية (34) الشيخ عبد الرحمن بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



فوائد علمية وآداب إسلامية (34) 


عبد الرحمن بن ندى العتيبي


73- الحذر من الوقوع في الشبهات براءة من الإثم


عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول: "إن الحلال بيّن وإن الحرم بيّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" [رواه البخاري ومسلم].


لهذا الحديث شأن عظيم قال أبو داود السجستاني: الإسلام يدور على أربعة أحاديث ذكر منهم هذا الحديث، والثلاثة الأخرى هي حديث (إنما الأعمال بالنيات)، وحديث (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) وحديث (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، واختار البعض حديث (ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس)، وقيل في هذا:


عمدة الدين عندنا كلمات مسندات من قول خير البرية


اترك المشبهات وازهد ودع ما ليس.. يعنيك واعمل بنية


قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الحلال بين والحرام بين) في عينهما ووصفهما بأدلتهما الظاهرة فمن الحلال البين أكل التفاح ومن الحرام البين أكل الخنزير، وأكل الميتة فهو منصوص على تحريمه في كتاب الله في قوله تعالى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3]، قوله صلى الله عليه وسلم (وبينهما أمور مشتبهات) بين الحلال والحرام قوله (لا يعلمهن كثير من الناس) وهذا يعني أن هناك من يعلمها وهم العلماء وطلبة العلم ممن له باع من الاستنباط ومعرفة الأحكام والقياس عليها، قال صلى الله عليه وسلم: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)، من ابتعد عن الشبهات ولم يقع فيها طلب براءة دينه فأصبح لا إثم عليه، لأنه لم يقع في الشبهة، وسلم عرضه لأنه إذا وقع في الشبهة تكلم الناس في حاله وأساءوا الظن فيه وقالوا عنه جريء على الحرام وقليل ديانة وكان ينبغي عليه حفظ عرضه حتى يصبح قدوة في الالتزام بتعاليم الدين الحنيف، وقد نجد بعض الناس يقع في الشبهات دون تردد وهذا دليل على ضعف الإيمان فالمسلم الحق هو من يتقي ربه في جميع شؤونه، في معاملاته مع الخلق وفي معاملاته المالية، والشبهات كثيراً ما تقع في النكاح والبيع وفقد أورد ذلك العلماء في كتب الفقه، وفي هذا الزمن تكثر الشبهات في المعاملات المالية فقد يطرأ عليها الربا، وفي الأسهم قد تكون الشركات يحرم المساهمة في إنشائها كحال البنوك الربوية ولذلك قبل الدخول في هذه المساهمات يجب التأني ومعرفة ما تزاوله هذه الشركات وهل لها نشاط تجاري في أمر مباح أما من يقدم ولا يسأل فينطبق عليه الحديث فهو يتعرض للشبهات، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، واستهانته في الشبهات تجعله ربما يوما ما يقع في الحرام الصريح فوجب الاحتياط والتقرب إلى الله بمراعاة حدوده ومراقبته في كل شيء حتى يكون العمل وفق ما أحل الله.


أمثلة في اتقاء الشبهات


عن أنس رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بتمرة مسقوطة فقال: (لولا أن تكون صدقة لأكلتها) [رواه البخاري]، في هذا الحديث مثال لاتقاء الشبهات فقد وجد النبي صلى الله عليه وسلم تمرة ولم يأخذها ليأكلها لأنه خشي أن تكون من تمر الصدقة، والصدقة لا تحل لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم فالتمر حلال ولكن لوجود شبهة أنه ربما كانت من تمر الصدقة تركها النبي صلى الله عليه وسلم.


ومثال آخر حديث عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: (يا رسول الله أرسل كلبي وأسمي، فأجد معه على الصيد كلباً آخر لم يسم عليه، ولا أدري أيهما آخذ؟ قال: لا تأكل إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر) وفي الحديث إرشاد إلى اتقاء الشبهة فربما الذي قتل الصيد الكلب الذي يسم عليه فلذلك يتركه ولا يأكل منه.


الورع في ترك الشبهات


قيل في تعريف الورع: هو ترك ما يُخشى ضرره في الآخرة ويدخل في الورع ترك الشبهات فإنه احتياط في الأمر لا يعلم أهو حلال أم حرام، وترك الشبهات من الورع المحمود الذي يدل على تقوى صاحبه وقيل إن الورع له أقسام:


1- ورع المتقين ترك ما لا شبهة فيه، ولكن يخشى أن يجر إلى الحرام، وهذا كمن يصمت في بعض المواقف إذا خشي أن يجر الكلام إلى الغيبة، فأصل الكلام مباح لكن إذا خشي أن يؤدي بالآخرين إلى الوقوع في الغيبة فترك الكلام ورع محمود.


2- ورع الصالحين وهو ترك ما يتطرق إليه احتمال التحريم بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع.


3- ورع الموسوسين وهو في حال من يكثر الشك فيما ليس هو محل شبهة، مثل ذلك الشخص الذي نزل عليه قطرات ماء من ميزاب فطرق باب المنزل على أهل ذلك البيت ليسألهم هل الماء الذي نزل من الميزاب طاهر أم نجس مع أن الأصل فيه الطهارة، وهناك من يعيد الوضوء خشية ألا تقبل صلاته وكل ذلك ورع مذموم لأنه يخالف السنة، فالإسلام لا يجلب المشقة وهم شقوا على أنفسهم فزادوا وأسرفوا.


قال صلى الله عليه وسلم (ألا وإن كل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه)، كانت الملوك يحمون شيئاً من الأراضي الخصبة لكي ترعى فيها دوابهم خاصة وكانت الناس تهابهم فلا أحد يقترب من ذلك الحمى لأنه يخشى أن تقع دوابه فيه فتناله العقوبة، أما حمى الله فهي (محارمه) أي ما حرمه على عباده فهو حماه لأنه حذرهم أن يقعوا فيه قال صلى الله عليه وسلم (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) المضغة قطعة من اللحم قدر ما يمضغه الماضغ، وفيه إشارة إلى مكانة القلب من الأعضاء فبصلاحه تصلح الأعضاء وبفساده تفسد الأعضاء فهو الموجه وهو الامر الناهي لها فكان بمنزلة الراعي للرعية ولذلك وجب الاعتناء بصلاح القلب وقد سمي «قلب» لكثرة تقلبه، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك) وهومحل للعقيدة الصحيحة ومحل للعقيدة الفاسدة، وهو الذي يكن النوايا الحسنة والنوايا السيئة وفيه الحقد والضغينة والصدق والمحبة وهو تحت نظر الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) [رواه مسلم].


فوائد الحديث


1- يسر الشريعة ووضوحها من قوله (الحلال بين والحرام بين).


2- سد الذرائع حتى لا يقع في الحرام.


3- المدار على القلب فينبغي الاعتناء به لقوله صلى الله عليه وسلم (إذا صلحت صلح الجسد كله)، ولا يغتر أحد بمن ظاهره الفساد ويدعي صلاح قلب فهذا الحديث يرد عليه فالظاهر ينبئ عن الباطن فمن لا يصلي لا نصدقه عندما يدعي التقوى في قلبه، فصلاح القلب يظهر على الجوارح يتضح من خلال المبادرة للعمل بأوامر الله.


4- الحديث فيه إشارة إلى أن العقل في القلب قال تعالى {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا}ـ [الحج: 46].


5- الظاهر يدل على الباطن.


6- من اشتبه عليه الأمر أحلال أم حرام فليجتنبه حتى يتبين له أنه حلال وليحتسب فمن ترك شيئاً لله عوضه الله بما هو خير له منه سواء في الدنيا أو في الآخرة.


7- فضل طلب العلم لقوله (لا يعلمهن كثير من الناس) أي أن هناك ومن يعلمها.


نسأل الله أن يوفق الجميع للعلم النافع والعمل الصالح.




تاريخ النشر 06/07/2009 


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية



اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127