الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

فوائد علمية وآداب إسلامية (33) الشيخ عبد الرحمن بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



فوائد علمية وآداب إسلامية (33) 

 


عبد الرحمن بن ندى العتيبي




-72 عامل عدوك بما ينفعك ولا يضرك


الأصل في التعامل مع الناس حسن الخلق والرحمة والصدق والإحسان إليهم وتبادل المنافع والتعاون معهم على الخير، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، وينبغي العمل على إرشادهم إلى ما ينفعهم وكف الأذى عنهم وحسن الظن بهم، والحرص على كسب ثقتهم ونيل محبتهم وفي ذلك راحة للنفس وقد قيل (المحبوب مرتاح) فمن أحبه الناس قبلوا كلامه واتخذوه قدوة وغضوا الطرف عن هفواته.


وعين الرضا عن كل عيب كليلة


ولكن عين السخط تبدي المساويا



وقد يجد المرء العداوة من الآخرين من غير سبب، وربما وجدها ممن يحسن إليهم، لأنهم قد يحسدونه لما أنعم الله عليه فاتق شر من أحسنت إليه، وقد يكون سبب العداوة سوء تفاهم، أو سبب العداوة عنصرية لقوم دون آخرين كما حصل من اليهود فإنهم يعادون الآخرين لاعتقادهم أن جنسهم أفضل من جنس غيرهم من البشر، قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} [المائدة: 18]، فهناك من يشابه اليهود في تعامله مع الآخرين فهو يعاديهم لظنه أنه خير منهم، وفي الحقيقة الأفضلية لمن هو على تقوى من الله وحسن خلق وديانة قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)} [الحجرات].


العداوة الواجبة


يجب على المسلم معاداة أعداء الله لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} [الممتحنة: 1]، فيجب معاداة أعداء الله من جميع ملل الكفر، ومن ناصرهم من أهل المذاهب الباطلة الذين خالفوا العقيدة الإسلامية، فصرفوا العبادة لغير الله وحرّفوا وبدلوا حتى أصبحت عقيدتهم خليطاً من ديانات البشر فخالفت العقيدة الإسلامية الصافية التي أمرت بصرف العبادة لله وحده، والإقرار بأنه عالم الغيب وحده، وهو وحده من بيده جلب النفع وكشف الضر، والمحبة لله ومن والاه والعداوة لأعداء الله، ولا بد من التفريق في المحبة فلا يصح أن تكون المحبة لجميع الناس على السواء، فصاحب المعتقد السليم يصرف المحبة لمن يستحقها فلا يساوي بين المسلم والكافر، ولا بين المطيع لربه والعاصي قال تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)} [القلم]، ومتى ما كان العبد أشد التزاما بأمر ربه كانت المحبة له ومحبته من الإيمان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" [رواه البخاري ومسلم].


ذكر من زمن من مضى أن رجلاً من العباد كان ملازماً للمسجد ويمكث فيه كل يوم من المغرب إلى العشاء وقد جرى على هذه العادة، ولهذا الرجل زوجه تلاطفه دائماً في مخاطبتها له فتقول: "يا قلبي"، وفي أحد الأيام رجع إلى البيت قبل صلاة العشاء، وكانت الزوجة منشغلة بإعداد طعام العشاء، وعندما دخل الزوج المنزل سمع زوجته تتكلم في المطبخ وتقول: ابتعد يا قلبي، دخل إلى المطبخ ليرى من تخاطب زوجته فوجدها تبعد قطاً عن الأواني وتقول له: ابتعد يا قلبي، حزن الزوج وقال لها: أجعلتني كهذا القط وهل منزلتي عندك كمنزلة القط؟!


وهذه القصة الطريفة تنبئ عن فطرة سليمة، فالبعض يحب الجميع كافر ومسلم، مطيع وعاص، ويأنس بالجميع ويصادق الجميع دون تفرقة، ومن هذا عمله فهو مخطئ، ومن يصرف المحبة للجميع دون تفرقة فقد اختلطت عليه الأمور واختلت عنده الموازين، ولم يعمل بعقيدة الولاء والبراء، قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)} [المجادلة].


المشروع العداوة وليس التعدي


هناك فرق بين العداوة والتعدي، فالعداوة لأعداء الله ممن كفر وأعرض عن الإسلام مطلوبة شرعاً، أما التعدي على الكافرين المسالمين فهو محرم شرعا، فهؤلاء المسالمون يجوز الإحسان إليهم والتعامل معهم بأحسن الأخلاق قال تعالى {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)} [الممتحنة]، والجهاد المفروض شرعاً هو لإعلاء كلمة الله ولمقاتلة أعداء الله الذين يقاتلون أهل الإسلام ويقفون في وجه الإسلام حتى لا يصل إلى الآخرين، وللجهاد أحكام خاصة يجب فقهها والعمل بها بما يوافق الشريعة، أما من لم يقاتل المسلمين ولم يعين على ذلك وله عهد عند المسلمين فلا يجوز الغدر به والتعدي على ماله ونفسه بغير حق، عن بريدة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش، أو سرية، أوصاه بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: " اغزوا باسم الله في سبيل الله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم" [رواه مسلم].


وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم "فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم" فتبقى العداوة ولكن يحرم التعدي.


حسن التصرف مع العدو


العداوة أنواع فمنها عداوة لأجل الدين، ومنها عداوة لخلاف دنيوي، ومن أحسن التصرف مع العدو أمن شره بإذن الله، وقد يكسبه فينهي العداوة، فأمر العداوة لا يستهان به وأربعة أشياء لا يستقل منها قليل (النار والمرض والدين والعدو) فمن عاداك سعى بالإضرار بك ومن أراد إنهاء العداوة أو التخفيف من شرها فليراع الآداب التالية:


-1 الإحسان إلى الطرف الآخر قد يساعد على إنهاء العداوة عندما يكون الخلاف دنيوياً قال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)} [فصلت].


-2 التخلق بالأخلاق الحسنة بطيب الكلام وبذل الهدية وتجنب الإساءة للآخرين.


-3 الابتعاد عن الانتقام ويغلب جانب الصفح والعفو قال تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)} [آل عمران].


-4 إظهار العداوة يكون بحسب المصلحة فإن كانت العداوة لأجل الدين وكان الأصلح لحال المعادي أن تظهر له العداوة حتى يرتدع ويترك ذلك المعتقد الفاسد ففي هذه الحالة تظهر العداوة قال تعالى:{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4]، وإن كان العدو قوياً ومتمكناً وفي إظهار العداوة له دافع لزيادة بطشه فقد يكون الأصلح عدم إبداء العداوة، لكي لا يزداد في غيه، أما العداوة لخلاف دنيوي فالأصلح عدم إظهارها وقد قالوا: لا ينفعك أن تخبر عدوك وحاسدك أنك عدو له، فتنذره بنفسك وتؤذنه بحربك، فتحمله على التسلح لك انه أعظم لخطرك أن يرى عدوك أنك لا تتخذه عدواً فإن ذلك غرة له وسبيل إلى القدرة عليه.


نسأل الله الهداية للجميع والتوفيق لما يحب ويرضى.




تاريخ النشر 29/06/2009 





الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127