الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

فوائد علمية وآداب إسلامية (32) الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



فوائد علمية وآداب إسلامية (32) 

 

عبدالرحمن بن ندى العتيبي




71- «لا تغتروا بالدنيا فإنها زخرف زائل»


من اغتر بدنياه حتى غفل عن الاستعداد لآخرته فهو ناقص عقل غير حازم، نظره لا يتعدى الزمن اليسير الذي يقضيه في دنياه وقلما يصفو العيش لأحد في هذه الدنيا، وأي فرح بعيش منكدر بالموت والهرم، فإذا فاجأه الأجل وانقطع به الأمل، اكتشف زيف دنياه، فالدنيا زخرف زائل، قال تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (24) [يونس].


فالدنيا متاع زائل والعاقل لا يمكن أن يفرط بالنعيم الدائم لأجل الزخرف الفاني وإنما جل اهتمامه وأعماله يصرفها لمرضاة ربه ولنيل الجائزة التي أعدها الله لمن أطاعه قال تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26)} [يونس]. الحسنى في الجنة والزيادة هي رؤية الله تبارك وتعالى وهي أعظم لذة في نعيم الآخرة قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} [القيامة]، ولمثل ذلك النعيم يتطلع أهل الصلاح والرشد وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. نسأل الله الكريم من فضله.


الدنيا تخدع من عمل لها


الدنيا دار غرور قال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)} [آل عمران]، وهي غرور لأنها تخدع صاحبها فينشغل بها ولا ينتبه لما يستقبله من خطر فيغفل عن الاستعداد لآخرته وتشغله الدنيا ثم يخرج منها بغير زاد، والمتأمل في كتاب الله يجد أن كثيراً من الآيات تحذر من الانشغال بالدنيا عن الآخرة وتدعو إلى العمل لما فيه رضا الله ومغفرته والفوز بالجنة، قال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)} [الحديد]، وهذه الدعوة من الله وجدت قبولاً عند صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فحفزتهم إلى بذل الأنفس في سبيل الله فهذا الصحابي الجليل عمر بن الحمام عندما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: قوموا إلى جنة عرضها كعرض السماء والأرض، قال عمر: عرضها كعرض السماء والأرض، وكان في يده تمرات، فقال: إنها لحياة طويلة حتى آكل هذه التمرات، فألقى ما في يده ثم قاتل حتى قُتل.


عن جابر رضي الله عنه قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: في الجنة، فألقى تمرات كن في يده فقاتل حتى قُتل. [رواه البخاري ومسلم].


الدنيا تتغير فيها الأحوال ومصيرها إلى زوال


كم قد انتزعت الدنيا ممن استمكن منها واعتكفت له فأصبحت الأعمال أعمالهم والدنيا دنيا غيره، وأخذ متاعهم من لم يحمدهم وخرجوا إلى من لا يعذرهم فأصبحنا خلفاً من بعدهم نتوقع مثل الذي نزل بهم، فنحن إذا تدبرنا أمورهم لزمنا أن ننظر ما نغبطهم به فنتنعه وما نخاف عليهم منه فنجتنبه والدنيا زخرف يغلب الجوارح ما لم تغلبه الألباب والحكيم من يغضي عنه ولم يشغل به قلبه وإنما تطلعه لما يبقى ويدوم وهذه الدنيا لا يمكن مقارنتها بالآخرة لتباين المدة الزمنية فالدنيا مدتها يسيرة ولها نهاية والآخرة أبدية لا نهاية لها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع» [رواه مسلم]، وعندما نتساءل من يضع إصبعه في البحر فكم من قطرة ماء ستعلق بهذا الإصبع وهل تساوي هذه القطرة شيئاً عند ماء البحر؟ وهكذا حال الدنيا مع الآخرة والمثال للتقريب.


ألحت مقيمات علينا ملحات


ليال وأيام لنا مستحثات


فنحن في الدنيا إلى كل لذة


ولكن آفات الزمان كثيرات


وكم من ملوك شيدوا وتحصنوا


فما سبقوا الأيام شيئاً ولا فاتوا


وكم من أناس رأيناهم بغبطة


ولكنهم من بعد غبطتهم ماتوا


لقد أغفل الأحياء حتى كأنهم


بما أغفلوا من طاعة الله أموات


ألا إنما غر ابن آدم أنه


له مدة تخفى عليه وميقات


أخي إن أملاكا توافوا إلى البلى


وكانت لهم في مدة العيش آفات


ألم تر إذا رصت جنادل


لهم تحتها لبث طويل مقيمات


وكل بني الدنيا يعلل نفسه


تمر شهور ذاهبات وساعات


دع الشر وابغ الخير في مستقره


فللخير عادات وللشر عادات


ومالك من دنيا مالا تعده


على غير ما تعطيه منها وتقتات


التحذير من الركون إلى الدنيا


حذر النبي صلى الله عليه وسلم اصحابه من الركون إلى الدنيا وتعظيم شأنها ورفعها إلى قدر لا تستحقه عن جابر رضي الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق والناس على كتفيه فمر بجدي أسك ميت فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال: أيكم يحب أن يكون له هذا بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ ثم قال: أتحبون أنه لكم؟ فقالوا: والله لو كان حياً لكان عيباً انه أسك فكيف وهو ميت؟ فقال: والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم. [رواه مسلم].


غريب الحديث:


كنفتيه: جانبيه، الجدي: التيس الصغير، أسك: صغير الأذن.


وفي هذا الحديث إرشاد إلى هوان الدنيا على الله وفي الحديث حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم عندما استغل فرصة تجمع الناس في السوق فبدأ يعلمهم دينهم ويحذرهم من تعظيم الدنيا والانشغال بها عن الآخرة وفي الحديث تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وأنه بشر فيمشي في السوق ويمسك بأذن التيس ويعرض بيعه على الناس وبهذا العرض يشد انتباه الناس ثم يعظهم حتى تبلغ الموعظة مبلغها من التأثير فهي تعرض من خلال مشهد حي وإذا كان هذا حال الدنيا فلماذا بسبب الانشغال بها يحصل ترك الصلاة ويمتنع البعض عن إخراج الزكاة بسبب تعظيمه للدنيا ويخشى أن تنقص أمواله وبسبب تعظيم الدنيا وقوة تمكنها من القلوب تحصل قطيعة الأرحام لأجل خلافات حول الإرث أو لأسباب أخرى ولذلك يجب تصحيح المفهوم حول الدنيا وتتضح الصورة بالنسبة لحال الدنيا حتى تصبح الدنيا مزرعة للآخرة تستغل فيها الفرص للتسابق للطاعات ويحصل فيها شيء من التنازل عن الحظوظ منها لكي يحصل التزاحم بين الأقارب ويحصل لم الشمل والخير لا يتأتى إلا بالقيام بامتثال أمر الله واجتناب ما نهى عنه.


من لم يعظم الدنيا فهو على خير


قال أحد العلماء في مدح صاحب له: إني مخبرك عن صاحب لي كان من اعظم الناس في عيني وكان رأس ما أعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجاً من سلطان لسانه فلا يقول ما لا يعلم ولا ينازع فيما لا يعلم كان أكثر دهره صائماً صامتاً فإذا نطق بز الناطقين، وكان أكثر دهره متضاعفاً فإذا جاء الجد فهو الليث عاديا.


وفي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر خير مثال على كيفية التعامل مع الدنيا، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله وعليه وسلم بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل. [رواه البخاري]، قال النووي: قالوا في شرح هذا الحديث معناه لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطناً ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها ولا تتعلق منها إلا كما يتعلق به الغريب في غير وطنه، ومن جعل الدنيا في يده ولم يجعلها في قلبه فهو على خير وهذا الصنف يتصرف في الدنيا بما يرضي ربه ويجلب له السعادة في الدنيا والآخرة. نسأل الله أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه.




تاريخ النشر 22/06/2009


 الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127