الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

فوائد علمية وآداب إسلامية (31) الشيخ عبد الرحمن بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



فوائد علمية وآداب إسلامية (31) 

 

عبد الرحمن بن ندى العتيبي




الحمد لله وبعد: نكمل ما ذكرناه من فوائد علمية وآداب إسلامية:


من ضيع الفرائض فقد ترك حق الله عليه


عن أبي ثعلبة الخشتي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن اشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها" [رواه البيهقي والدارقطني والحاكم وحسنه النووي وضعفه بعض أهل العلم].


والحديث يشتمل على فوائد جليلة توافق الشريعة وقد شرح الحديث ابن دقيق العيد وغيره عند تعليقهم على الأربعين النووية، وسأشرح الحديث بحسب دراستنا لمتنه على علمائنا رحمهم الله.


أول ما يقوم به المؤمن أداء ما افترض الله عليه كالصلوات الخمس والصوم والزكاة والحج وبر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجار ومعاملة الناس بخلق حسن فالمؤمن همه أن يقوم بما أوجب الله عليه حتى يرضي ربه ويسعد في دنياه ويفوز بالجنة وينجو من النار، قوله صلى الله عليه وسلم (فرض) أي ألزم وأوجب، الفرض ينقسم إلى فرض كفاية إن قام به البعض سقط عن الباقين كصلاة الجنازة وفرض العين كالصلوات الخمس المفروضة فكل مسلم مطالب بالقيام بها، ولا تسقط عنه بقيام غيره بها، وقيل الفرض والواجب بمعنى واحد فإن تأكد صار فريضة وإن كان دون ذلك فهو واجب ومن ترك الفرض أو الواجب فهو آثم وقوله (فلا تضيعوها) لا تتركوها أو تهملوها أو يحدث تهاون بالقيام بها.


وأعظم حق لله على العباد (أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً)، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: (كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال لي: يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً) [رواه البخاري ومسلم].


وهذا دليل على عظم شأن التوحيد وخطورة الشرك بالله، فالشرك لا تنفع معه عبادة ولا يقبل الله من صاحب الشرك عملاً ومأواه جهنم وبئس المصير وإقامة الفرائض التي افترضها الله حق لله على عباده، ولا يصح أن يقال العبادة حرية شخصية ولكل شخص أن يتعبد بما يريد من عمل، فهذا القول باطل، فالله له الحق أن يعبد وحده ولا يعبد إلا بما شرع وأوجب على عباده.


قوله صلى الله عليه وسلم (وحدّ حدوداً فلا تعتدوها) أي أوجب واجبات وحدّها بشروط فلا تتجاوزوها ومن عظم أوامر الله وقام بها فهو علامة على تقواه، قال تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)} [الحج]، ومن أدى الحقوق التي عليه وأولها القيام بحق العبد فهذا خير له ومن توفيق الله لهذا العبد أن سخره لطاعته، قال تعالى {وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج: 30].


وحرمات الله هي أحكامه وسائر ما لا يحل ارتكابه ومن عمل الفرائض فهو في حفظ الله ورعايته قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فإنه من يطلبه الله من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم) [رواه مسلم].


وذمة الله أمانة وحفظه وعهده فمن حفظ الله في دينه حفظه الله في دنياه وآخرته وكان له عوناً ونصراً ومن أهمل ما أوجبه الله عليه وكله الله إلى نفسه وحل به الخيبة والخذلان وكانت له العقوبة والخسران الأكبر في الآخرة.


قوله (وحرم أشياء فلا تنتهكوها) حرم أشياء قبل الشرك وهو أشد الذنوب ويحبط العمل ومن وقع في الشرك الأكبر ولم يتب قبل وفاته فهو خالد مخلد في نار جهنم والعياذ بالله ولذلك يجب على العبد معرفة الشرك حتى يحذره ولا يقع فيه ومن المحرمات كبائر الذنوب، كقتل النفس التي حرم الله بغير حق، قال تعالى {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32]، وقال تعالى {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)} [النساء].


وهنا النهي صريح في تحريم قتل الأنفس المعصومة، وبينت الآية شناعة هذا الجرم وعظم العقوبة المترتبة عليه فقد توعده الله بنار جهنم وعليه من الله الغضب واللعنة وفي هذا الشأن نحذر من يفجر فيتسبب في قتل المسلمين ويتعلق بشبهات أوهى من بيت العنكبوت فيدعي أنه أراد بعمله الإضرار بالكفار فأين يذهب بالأنفس التي ستتعلق به وتسأله بأي ذنب قتلها؟ والعجب أن يدعي هذا القاتل بأنه أراد بعمله التقرب إلى الله ويريد الفوز بالجنة، فأي فقه هذا وأي تخبط حتى ترتكب المحرمات باسم القربات ولكن النجاة بإذن الله في العلم والتأني ومعرفة الحلال والحرام، ومن المحرمات الزنا وأكل الربا وشرب الخمر وهذه المحرمات وغيرها يجب ألا تعمل لقوله (فلا تنتهكوها) أي لا تقعوا فيها ومن المحرمات التي استهان بها بعض الناس ما يتعلق باللباس، فإن الشرع حرم على النساء التعري وأمرهن بالستر والحجاب ومن تركت الحجاب فقد انتهكت ما حرم الله وقد تحرم نفسها من دخول الجنة لقوله صلى الله عليه وسلم (نساء كاسيات عاريات لا يدخلن الجنة) والتزام المسلمة بالحجاب فيه طاعة لربها وحشمة ووقار لها أما ما يتعلق بلباس الرجال فقد حرم الله على الرجل أن يجعل إزاره أسفل كعبه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) [رواه البخاري]، الكعبان هما العظمان الناتئان اللذان في أسفل الساق من جانبي القدم وهذا يشمل الثياب والسراويل وغيرهما من ألبسة الرجال وجاء الوعيد الشديد لمن انتهك هذا المحرم. عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله ؟ قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) [رواه مسلم].


ولا يستهان بما حرم الله فإن العبودية لله تقتضي التسليم لله والتزام جميع ما أمر به واجتنباب جميع ما نهى عنه والقيام بالفرائض والواجبات مع التعظيم لمن أمر بها وقد أورد بعض الجهلة تقسيمات للدين فجعل منه (قشور ولباب) وهذا قول فاسد فالدين ليس فيه قشور وقد كان الصحابة يعملون بالنوافل دون أن يهملوها بحجة أنها ليست واجبة وكانوا يحذرون من الوقوع في صغائر الذنوب ولم يتهاونوا في شأنها بحجة أنها صغائر، وكبائر الذنوب يجب على من وقع فيها أن يتوب منها بالإقلاع عنها والندم على فعلها والعزم على عدم العودة إليها. والصغائر يحذر منها وتكفرها الصلاة والحج وإتباعها بالحسنات والله غفور رحيم قوله (وسكت عن أشياء) أي لم يفرضها ولم يحرمها رحمة بكم وليس نسيانا من الله فالله لا ينسى وهو منزه عن كل صفة نقص قال تعالى {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64)} [مريم]، وقال تعالى {لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52)} [طه]، ووصف الله تعالى بالسكوت من حيث المشيئة فهو يتكلم متى شاء ومن صفات الله المثبتة صفة الكلام وهي صفة ذاتية فعلية لأنها متعلقة بالذات والمشيئة وقد تكلم الله بصوت وحرف وكلم الله نبيه موسى عليه السلام وسمع موسى صوت الرب جل وعلا قال تعالى {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)} [طه]، فالله يتكلم بما شاء كيف شاء، وكلماته لا تنفد ولا تبيد، والقرآن كلام الله أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، قوله (فلا تبحثوا عنها) تبحثوا من البحث وهي تنقيب الطائر في الأرض والمقصود لا تسألوا عنها قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101)} [المائدة]، وهذا الحكم كان في عهد التشريع حتى لا يحرم شيء أو يفرض بسبب السؤال وقد كف الصحابة رضي الله عنهم عن سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لأجل ذلك وكانوا يفرحون إذا جاء الأعراب فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم وبعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم لا حرج في الإكثار من الأسئلة عن الأحكام الشرعية لأن الوحي قد انقطع، وأحكام الدين ثابتة في كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.


ما يستفاد من الحديث


-1 وجوب القيام بحقوق الله.


-2 الاهتمام بالفرائض والواجبات التي أوجبها الله وفعلها على الوجه المشروع.


-3 تحريم انتهاك المحرمات.


-4 عظم رحمة الله بعباده.


-5 انتفاء النسيان عن الله.




تاريخ النشر 15/06/2009 



الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :


الاسم: احمد
البلد: العراق
التعليق: جزاكم الله خيرا




Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127