الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

علو الهمة لإصلاح حال الأمة (7) الشيخ عبد الرحمن بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



علو الهمة لإصلاح حال الأمة (7) 

 


عبد الرحمن بن ندى العتيبي


إن تردي أوضاع الأمة يقلق المخلصين الذين يعملون للإصلاح والذي أدى إلى تردي أوضاع الأمة أسباب كثيرة، ولا يمكن للأمة أن تنهض من كبوتها وتسير في الطريق الصحيح إلا بمعرفة هذه الأسباب ومعالجتها ووضع الحلول لها والسعي لإصلاح حال الأمة من خلال العمل الجاد والله لا يخيب سعي من صدق وتوكل على ربه وعمل بحسب استطاعته، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)} [العنكبوت].


أسباب تردي أوضاع الأمة

1- ضعف الإيمان والتهاون في إقامة شعائر الإسلام وعدم التمسك بها فأهل الإيمان القوي هم الأقرب إلى الله والأنفع لأمتهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير«، فمن قوي إيمانه وسعى إلى العمل بتعاليم الإسلام ودعا الآخرين إلى العمل بها فإن الله يرفع من شأنه ويجعله مفتاح خير لنصرة الأمة، قال تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)} [محمد].

ونصرة الله هي نصرة دينه والتزام العقيدة الصحيحة ونبذ الشرك والبدع وإقامة شعائر الإسلام والعمل بها في جميع شؤون الحياة والتزام كل فرد من أفراد الأمة بتعاليم الدين الحنيف أمر مطلوب لرفع الوهن الذي أصاب الأمة، قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)} [الشورى]، ويجب الحرص على عمل الخير الذي يشرف عند لقاء الله، وعلى العبد ألا يؤتى من قبل نفسه فهو يجني ثمرة عمله وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى (يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) [رواه مسلم].

2- ظهور الفرق الضالة وعملها على إضعاف الأمة وقد كانت الأمة في عز وخير في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفيما بعده في القرون الثلاثة المفضلة حتى ظهرت الفرق المنحرفة التي أضرت بالأمة وأدت إلى تفرقها وجاءت بمعتقدات باطلة وأعمال مبتدعة لا يقرها الإسلام وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الفرق وأنها منحرفة ومصير من يعتنقها نار جهنم، في قوله: »إن أهل الكتابين افترقوا على ثنتين وسبعين ملة وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة« [رواه أحمد].

فهذا الحديث الشريف فيه التحذير لمعتنقي المذاهب الباطلة لكي يخرجوا من باطلهم ويعلنوا توبتهم ثم يلتزموا بكتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ويسلكوا نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم، وعلى أصحاب المذاهب الباطلة أن يبتعدوا عن تقديس البشر وتأليههم ويتركوا التعلق بالخرافات والبدع وإن أرادوا السعادة في الدنيا والجنة في الآخرة فليعبدوا الله وحده لا شريك له ويلتزموا الطريق المستقيم وهو طريق النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن يلقي ذلك منهم ويعود إلى رشده فهو ذو حظ عظيم.

3- الجهل، ويعتبر الجهل مرتعاً خصباً لدعاة الضلالة وسبباً لتلقي الأمة كل ما يعرض عليها من عادات دخيلة وأخلاق تفسد المجتمع وتهد أركانه.

4- الركون إلى الدعة والراحة والتكاسل عن العمل في سبيل الإصلاح فيصبح الفرد لا همَّ له إلا البحث عن التسلية واللهو وتضييع الوقت بما لا ينفع في الدنيا ولا في الآخرة ومن يحرص على ذلك ويتبع الشهوات فإن ذلك علامة الخذلان قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60)} [مريم].والله قد كلف أهل الإيمان بالعمل على الإصلاح فإن كان هناك الكثير من المتخاذلين فلا يزال في الأمة خير وفيها من يسعى للإصلاح والقيام بالمهمة على أكمل وجه، قال تعالى: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ }(89)} [الأنعام]، وفي تفسير الآية أن المقصود الأنبياء أصلا والمؤمنون بهم تبعاً.

5- الاستعمار أحد الأسباب في تخلف الأمة فقد احتلت دول الكفر بلاد الإسلام ردحاً من الزمن ولما وجد المستعمر أن مصدر قوة هذه الأمة في تمسكها بدينها سعى المستعمر جاهداً في فصل الأمة عن هويتها الإسلامية وتغيير ثقافتها والعبث في معتقدها من خلال مؤازرة المذاهب الباطلة وحماية دعاة الضلالة ونشر أعمال الشرك والبدع وقد مكّن الاستعمار الإباحيين من رفع صوتهم وطرح أفكارهم والتشكيك في مبادئ الإسلام ومكّن الاستعمار أهل النفاق من الإمساك بزمام الأمور في بلاد المسلمين واعتلاء المناصب القيادية حتى يستمر الولاء لأهل الكفر وحتى لا تظهر عزة الإسلام، ولكي يصبح المسلمون تبعاً لغيرهم وعالة على دول الكفر ولم يخرج الاستعمار من الدول الإسلامية إلا وقد أوجد من ينفذ مخططاته.


إضاءات في طريق الإصلاح


-1 جعل الأولوية في دعوة الناس إلى توحيد الله ونبذ الشرك وهذا ما قام به الأنبياء عليهم السلام فإنهم يبدأون العمل الإصلاحي بالدعوة إلى توحيد الله ونبذ الشرك قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، وعندما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال له: فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

-2 الإخلاص لله في جميع الأعمال، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما الأعمال بالنيات فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" [رواه البخاري ومسلم].

-3 الاحتساب والصبر فمن يعمل ويحتسب يؤجر على عمله، وهداية الناس وإصلاحهم عمل عظيم وأجره كبير، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: »لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم« [رواه البخاري ومسلم]، وبالاحتساب والصبر يكون الظفر بإذن الله.

-4  نشر السنة وإحياؤها وقمع البدع بجميع أشكالها والتحذير منها.

-5 تحكيم شرع الله المطهر الذي فيه حفظ الأنفس والأموال والأعراض وفي إقامة الشرع إظهار للعبودية لله.

-6 الاهتمام بالعلم الشرعي الذي فيه حياة القلوب وصلاح المجتمع والاعتماد في مصادر العلم على كتاب الله والأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

-7 تقوية الروابط بين أفراد الأمة عن طريق الأرحام وبر الوالدين والعناية بالأخوة الإسلامية والعدل بين الأبناء.

-8 حفظ ثروات الأمة ومنع التعدي عليها واستخدامها بما فيه قوة الأمة وإدراك مصالحها.

-9 الحرص على التكافل الاجتماعي بين أفراد الأمة ومن ذلك الاهتمام بفريضة الزكاة التي هي حق أوجبه الله على الغني لينفع بذلك الفقير قال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) [التوبة: 103]، وفي إخراجها الخير الكثير للأمة فهي بركة للأموال وسبب لحلول النعم وزوال النقم ومن أبواب الخير في هذا الجانب كفالة الأيتام والأرامل وسداد الديون فإذا قامت الأمة بما أوجب الله عليها في الأموال فإن المجتمع يصبح في تجانس ومحبة ووئام بعيداً عن الأنانية والحسد والحقد والخيانة والسرقة وغيرها من الجرائم التي تحدث بسبب الحاجة إلى المال.

-10 تطهير البلاد من السوء ونقصد بالسوء جميع ما يغضب الله ويخالف أمره من المنكرات والمعاصي فإن الفساد إذا كثر في بلد ما فإن العقوبة توشك أن تحل بذلك البلد فإذا نزلت العقوبة فإنها تعم الصالح والطالح ويبعثون على نياتهم ومما يدل على أن البلد إذا كان أهلها غير صالحين فهي أرض سوء وأنها مصدر شر على ساكنيها ومما ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، فأتاه فقال : إنه قتل تسعة وتسعين نفسا، فهل له من توبة؟ فقال : لا، فقتله، فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال : إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال : نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيرا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال : قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة " [رواه البخاري ومسلم].

وهكذا أصبحت الأرض التي يعبد الله فيها ويكثر فيها الصالحون خيراً على هذا التائب فقبل الله توبته ورحمه.

-11 الصدع بالحق والبعد عن المداهنة على حساب الدين قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)} [القلم] وإذا صمت من يعرف الحق ولم ينكر على أهل الباطل فمتى يظهر الحق؟ ومن صدع بالحق ولم يقبل منه فليحذر من مخالطة من أعرضوا عن الحق فإن في مخالطتهم ذهاب لدينه قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24]، ومن تغير عليه قلبه صعبت عليه الطاعة واستمرأ الباطل ولم ينكره.

نسأل الله أن يصلح أحوال الأمة وأن يوفق الجميع لما فيه نجاتهم.



تاريخ النشر 08/06/2009 



الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127