الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

علو الهمة لإصلاح حال الأمة (6) الشيخ عبد الرحمن بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



علو الهمة لإصلاح حال الأمة (6) 

 


عبد الرحمن بن ندى العتيبي




أصحاب الإيمان الصادق ترتفع بهم هممهم إلى العمل لإعلاء دين الله وطلب الرفعة للإسلام والمسلمين ويبذلون أموالهم وأنفسهم لقمع الباطل وكبت أهله، حتى لا يقف في طريق انتشار الحق، قال تعالى: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } [الأنفال: 39] فهممهم عالية وليست دنيا، ولا تطمئن نفوسهم إلا بالعمل فما يرضي ربهم الذي خلقهم لغاية عظمى وهي عبادته وحده لا شريك له، وهؤلاء العباد هم أنفع الناس للخلق وبهم تسعد البشرية وهم أولياء الله حقا، وقد برهنوا على صدق إيمانهم ببذل أنفسهم وإنفاق أموالهم في طاعة ربهم، قال تعالى: { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) } [الأحزاب].




قيل إن هذه الآية نزلت في الصحابي الجليل أنس بن النضر وأشباهه ممن صدقوا مع ربهم وفي ذلك حديث من رواية مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: عمي الذي سميت به لم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً،قال: فشق عليه، قال: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه وإن أراني الله مشهداً فيما بعد ليراني الله ما أصنع، قال: فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وفي معركة أحد كانت الغلبة في بداية المعركة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه فلما خالف الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيروا أماكنهم وبادروا إلى أخذ الغنائم تغير الوضع ورجحت كفة المشركين في المعركة فأصبحت الغلبة لكفار قريش وفي هذه اللحظة وقف الصحابي أنس بن النضر وأخذ ينظر إلى الصفين فالتفت إلى المسلمين وقال: »اللهم إني اعتذر إليك مما صنع هؤلاء«، ثم انطلق جهة المشركين.




عن أنس رضي الله عنه قال: ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال أنس: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها دون أحد، قال أنس بن مالك: فوجدناه به بضعة وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة بالرمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قُتل وقد مثل به المشركون فما عرفه إلا أخته عرفته ببنانه.




قال ابن بطال: يُحتمل أن يكون على الحقيقة وأنه وجد ريح الجنة حقيقة أو أنه وجد ريحاً طيبة ذكره طيبها بطيب الجنة، ويجوز أن يكون استحضر الجنة التي أُعدت للشهيد فتصوّر أنها في ذلك الموضع الذي يقاتل فيه.




وفي هذا المشهد تظهر صورة الهمة العالية في مناصرة الحق وإيثار الرغبة في الجنة التي أعدها الله لأوليائه وهو مثال لعلو همة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا ذكر الصحبة رضوان الله عليهم فإنه يتقدمهم ويفضلهم الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فأولئك من أصحاب الهمم العالية الذين عملوا على إصلاح حال أمتهم وتعدى نفعهم إلى غيرهم وقادوا الفتوحات لتطهير الأرض من دنس الشرك ولنشر الإسلام في أرجاء المعمورة.




أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم




له فضل السبق في الإسلام وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن لأبي بكر فضل في بذل ماله لنصرة دين الله. عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »إن آمن الناس عليّ في ماله وصحبته أبو بكر« [رواه مسلم]، وهمته عالية في القيام بالعبادة والاجتهاد في الطاعة وقد جمع بين خصال الخير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً، قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟، قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة« [رواه مسلم].




وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى خلافة أبي بكر بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فقد عهد إليه عند مرضه بإمامة المسلمين في الصلاة، وقال الصحابة بعد ذلك: من اختاره النبي صلى الله عليه وسلم للإمامة في ديننا نختاره للإمامة في دنيانا وحصل الإجماع على اختياره خليفة لهم في الأحاديث النبوية ما يشير إلى أنه مستخلف من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم.




عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه: ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى ويأبي الله والمؤمنون إلا أبا بكر. [رواه مسلم].




وعن جبير بن مطعم أن امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فأمرها أن ترجع إليه فقالت: يا رسول أرأيت إن جئت فلم أجدك كأنها تعني الموت، قال: فإن لم تجديني فأتي أبا بكر. [رواه مسلم].




موقف حصل به درء الفتنة




لما مات النبي صلى الله عليه وسلم فجع به أصحابه لعظم محبتهم له وشدة ملازمتهم له وتأثر الصحابة لموته مع أن الموت سنة الله في خلقه قال تعالى: { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) } [الأنبياء]، ولما قضى النبي صلى الله عليه وسلم أجله وتحقق ما قدر الله من موت نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بلغ ذلك الخبر أبو بكر فما كان منه إلا أن دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وكشف عن وجهه فقبله وهو يقول: ما أطيبك حياً وميتاً يا رسول الله، أما عمر فأظهر حزنه وقال: إن محمداً ذهب لميقات ربه كما ذهب موسى وسيعود، وذكر أنه قال:




وقلت يغيب الوحي عنا لفقده




كما غاب موسى ثم يرجع كما رجع




وكان هواي أن تطول حياته




وليس لحي في بقا ميت طمع




ندين على العلات منّا بدينه




ونعطي الذي أعطى ونمنع ما منع




ووليت محزوناً بعين سخينة




أكفكف دمعي والفؤاد قد انصدع




فلم تك لي عند المصيبة حيلة




أرد بها أهل الشماتة والقذع




سوى آذن الله في كتابه




وما آذن الله العباد به يقع




وجاء الموقف الحازم من أبي بكر الصديق رضي الله عنه فصعد المنبر فأثنى على الله وصلى على نبيه وقال: أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لم يمت ثم قرأ قوله تعالى: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) } [آل عمران]، قال عمر: والله لكأني لم أسمع بها في كتاب الله تعالى قبل الآن لما نزل بنا.




ولأبي بكر موقف آخر عندما ارتدت بعض قبائل العرب ورفضوا دفع الزكاة حتى قال بعضهم إنها جباية كنا ندفعها لمحمد ومحمد قد مات فعقد العزم الخليفة الراشد على قتالهم وقال: »والله لأقاتلن من فرّق بين الزكاة والصلاة«، ونصره الله عليهم وأذعنت قبائل العرب للإسلام وحفظ الله للأمة دينها ولبقية الخلفاء الراشدين مواقف تدل على علو الهمة والتفاني لخدمة الإسلام وأهله ففي زمن عمر كثرت الفتوحات وأطفأ الله به نار المجوسية في بلاد فارس وفي عهد عمر فتح الله على المسلمين وأصابوا خيراً كثيراً وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم برؤيا منامية فيها ما يدل على فضل عمر.




عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »بينا أنا نائم أريت أني انزع على حوضي أسقي الناس، فجاءني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليروحني فنزع دلوين وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، فجاء ابن الخطاب فأخذ منه فلم أر نزع رجل قط أقوى منه حتى تولى الناس والحوض ملآن ينفجر« [رواه مسلم].




والخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه مثال يُحتذى به في الإنفاق في سبيل الله فقد جهز جيش العسرة وحفر بئر رومية على نفقته ونفع الله به أمة الإسلام ثم جاء من بعده الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ذو الهمة العالية في الشجاعة والإقدام والتضحية فقد نام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة وتصدى لمنازلة مرحب اليهودي عندما طلب المنازلة وفي فضله حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن الفتح يوم خيبر سيكون على يديه.




عن سهيل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: »لأعطين هذه الراية رجلاً يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها قال: فلما أصبح الناس غدو على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجون أن يعطاها فقال: أين علي بن أبي طالب، فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه فأتى به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا فقال: أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم أدعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عنهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم« [رواه مسلم]، وهكذا حال الهمم العالية ممن ولاهم الله على شؤون المسلمين فهمهم إصلاح حال الأمة وليس تحصيل المكاسب لأشخاصهم ومن يدور في فلكهم نسأل الله أن يوقظ همنا لنسعى جميعاً في صلاح أمتنا.




تاريخ النشر 01/06/2009 



الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127