الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

علو الهمة لإصلاح حال الأمة (4) الشيخ عبد الرحمن بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



علو الهمة لإصلاح حال الأمة (4)


عبد الرحمن بن ندى العتيبي


عندما نذكر أصحاب الهمم العالية الذين سعوا في الإصلاح فإننا نبدأ برسل الله الذين جعلهم الله قدوة للمؤمنين في محاربتهم لما طرأ على حياة الخلق من انحراف في العبادة وفساد في الأخلاق وفي هذا الشأن كان سعي النبي إبراهيم عليه السلام في إصلاح ما فسد من حال قومه عندما أشركوا بالله وعبدوا الأصنام، فقام إبراهيم بنصحهم وأقام الحجة عليهم وصبر على أذاهم وكل ذلك في ذات الله فأثنى الله عليه في قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)} [النحل].

فإبراهيم (أمة) أي إماماً في الهدى والدلالة على الخير، (قانتاً) مائلاً عن الشرك موحداً لله لا يعبد سواه، وهذه الخيرة لإبراهيم هي بفضل الله ورحمته وكان إبراهيم مقراً بفضل الله عليه {شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121)} [النحل].


إعلان البراءة من الشرك


لا مودة بين أهل التوحيد وأهل الشرك ويجب على المسلم أن يعادي أعداء الله ولا يتخذهم أصدقاء يأنس بصحبتهم ويطلب مخالطتهم ويسكت عن باطلهم، فكل ذلك ينافي الإخلاص لله ويخدش في الولاء والبراء، فيجب إظهار الولاء لله ومحبة أوليائه والبراءة من أهل الشرك، وما قام به إبراهيم هو دعوة قومه إلى توحيد الله فلما تبين له إعراضهم ورفضهم لدعوته الإصلاحية تبرأ منهم ومن معبوداتهم وأظهر على الملأ بطلان معتقداتهم وطالبهم بتغييرها والرجوع إلى الحق، وقد جعل الله إبراهيم قدوة لمن بعده من المؤمنين في إعلان البراءة من  المخالفين لأمر الله قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة:4]، وفي إظهار البراءة من المعتقدات الفاسدة وأصحابها مصلحة ظاهرة في التمييز بين الحق والباطل حتى لا يلتبس الأمر على عامة الناس فيظنون أن جميع العقائد صحيحة ولا فرق بينها، وربما توهموا أن لكل شخص الحق في أن يعبد ما يشاء وهذا خطأ فادح فيه خلط بين الحق والباطل، فالبراءة من الشرك وأهله واجب شرعي وعلى المؤمن أن يتعبد لله به، وفي إظهار البراءة إصلاح لمفاسد من معتقدات الناس حتى تحصل عندهم مراجعة لما هم عليه ويتضح لهم أنهم على خطأ فيبادروا إلى الإذعان للحق والرجوع إلى الجادة الصحيحة وهي القيام بعبادة الله وحده والتوبة من الشرك والبدع المحدثة، وقد ضرب إبراهيم أروع الأمثلة في مجاهدة أهل الباطل والبراءة من الشرك وأهله ولو كان المشرك ممن تربطهم به صلة القرابة، فعندما تبين لإبراهيم أن والده مصرٌّ على الشرك تبرأ منه، قال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة:114]، وهذه البراءة من الوالد لا تعني العقوق ولكنها من الشفقة عليه حتى يترك عبادة غير الله لأن والده إن استمر على الشرك فمصيره إلى النار وهدف إبراهيم بيان الحق والانتصار لدين الله، والعبودية الحقة تقتضي ألا يكون محباً لأعداء الله.


حوار إبراهيم مع قومه


أسلوب الحوار أسلوب راق لمحاولة إقناع الآخرين وهذا الأسلوب لجأ إليه النبي إبراهيم عليه السلام في إقناع قومه لينصرفوا إلى عبادة الله وحده قال تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52)} [الأنبياء]، بين الله في هذه الآيات أنه منَّ على إبراهيم بإلهامه الحجة ومنحه رجاحة العقل ووفقه إلى عبادة ربه وإعطاء الجرأة على الإنكار على قومه عندما أشركوا بربهم، فأخذ إبراهيم يجادلهم ويشككهم في معبوداتهم ويثبت لهم أنها لا تستحق أن تعبد فهي مخلوقة وضعيفة لا تنفع نفسها فضلاً عن أن تنفع غيرها، والذي يستحق العبادة هو الله الرب الخالق القوي الوهاب {قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56)} [الأنبياء]، فدعاهم إلى إعمال العقل بالتفكير في مخلوقات الله فهذه السماوات والأرض تنطق بالربوبية لله والربوبية متضمنة لتوحيد الألوهية فإذا كان الله هو الرب الخالق فهو المستحق وحده للعبادة دون سواه ولما كان قوم إبراهيم في عماية عن الحق وقالوا لإبراهيم لن نعمل بقولك ولن نترك ما وجدنا عليه آباءنا، والتمسك بما عليه الآباء هو حجة أكثر المخالفين للحق، ثم انتقل إبراهيم إلى وسيلة أخرى في دعوته فانتهز فرصة خروج قومه من بلدتهم للاحتفال بعيد لهم، فقام إبراهيم بتحطيم الأصنام إلا واحداً منهم وجعل الفأس عند ذلك الصنم فلما رجعوا من احتفالهم استنكروا ما حصل لآلهتهم فاتهموا إبراهيم في ذلك فقال لهم إبراهيم اسألوا آلهتكم عن الفاعل {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63)} [الأنبياء]، وبعد المناقشة بينهم تيقنوا أنهم على خطأ }فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64){ [الأنبياء]، فأنكر عليهم إبراهيم عبادة الأصنام ودعاهم إلى عبادة الله وحده {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67)} [الأنبياء]، وصدهم الاستكبار عن الإذعان للحق مع وضوحه فأخذتهم العزة بالإثم فحاربوا إبراهيم {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ} [الأنبياء: 68]، فنجاه الله منهم {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70)} [الأنبياء].


قوة الحجة أخرست الظالم


قال تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)} [البقرة]، إبراهيم عليه السلام حاول إقناع هذا الملك المستكبر فذكر له إبراهيم شيئاً من خصائص الربوبية وهي الإحياء والإماتة فالله هو الخالق المحيي المميت ولا يقدر على ذلك غير الله ولكن هذا المعاند زعم أنه يملك ذلك فهو يعفو عمن وجب في حق القتل وهذا الحياء، ويأمر بقتل من شاء وهذه أمانة، ثم انتقل إبراهيم إلى حجة لا سبيل للمجادل في الاستمرار معها، فالله يأتي بالشمس من المشرق فهل يستطيع هذا الملك أن يأت بها من المغرب فبهت الكافر وأعلن عجزه وانتصر الحق، فالله وحده هو المتصرف في الكون وهو المستحق للعبادة وحده دون سواه وهكذا استخدم إبراهيم الإقناع بالأدلة العقلية مع من لا يؤمن بالأدلة النقلية وانتقل من حجة إلى أخرى بحسب حال المجادل.


أشد السفه ترك ملة إبراهيم


ملة إبراهيم هي توحيد الله ونبذ الشرك والبراءة منه ومن أهله وهذه الملة مطالب بها من آمن بالله، ومن يترك ملة إبراهيم وينحرف إلى الشرك بالله فيصرف شيئاً من العبادة لغير الله فهو سفيه ارتكب أسوأ أنواع الظلم قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130)}[البقرة]، وقد أمر الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم قال تعالى {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)} [النحل]، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم تبع له في ذلك، ومن هذا المنطلق ندعو جميع أفراد الأمة إلى اتباع ملة إبراهيم والبراءة من جميع صور الشرك ومظاهره فعبادة غير الله ليست منحصرة في عبادة الأصنام فهناك من يعبد هواه قال تعالى {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23]، ويحكم عقله في أوامر الله ونواهيه فما راق له عمل به وما لم يعجبه يتركه وهذا عين الانحراف والضلال، وهناك من يغلو في الصالحين ويقدسهم ويصرف لهم شيئاً من العبادة بالاستغاثة وطلب كشف الضر فيما لا يقدر عليه إلا الله ويقوم بالذبح لغير الله وتقديم القرابين عند الأضرحة ويطوف بالقبور وهناك من يحلف بغير الله وهذه المظاهر موجودة في بلاد المسلمين ويجب محاربتها والتحذير منها والبراءة من أهلها ومعتقداتهم الفاسدة.

نسأل الله أن يهدي الجميع لما فيه صلاحهم.



تاريخ النشر 18/05/2009 



الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127