الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

علو الهمة لإصلاح حال الأمة (3) الشيخ عبد الرحمن بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



علو الهمة لإصلاح حال الأمة (3) 

 

عبد الرحمن بن ندى العتيبي


رسل الله عليهم السلام أصحاب همم عالية وعزائم قوية وكانوا يبعثون في أمم قد فسدت أحوالهم، فمن تلك الأمم من أشرك بالله واتخذوا من دون الله أنداداً تُصرف لهم العبادة من دون الله { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } [البقرة: 165]، كما حصل في قوم نوح عليه السلام عندما عكفوا على عبادة الأصنام وكانوا يتواصون بالتمسك بعبادة آلهتهم { وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) } [نوح].


وأسماء آلهتهم ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر أسماء لرجال صالحين من قومهم كانوا يرشدونهم إلى الخير فلما ماتوا حصل الغلو فيهم وطرأت على قومهم فكرة شيطانية، أصبحت ذريعة إلى الشرك، فقد غلوا فيهم وجعلوا على صورهم تماثيل لتذكرهم بأولئك الرجال الصالحين وليحفزهم ذلك إلى العبادة حتى لا يتكاسلوا عنها، وذلك العمل وتلك الصور أصبحت ذريعة إلى الشرك فحدث الشرك في أبنائهم وقد قيل إن الشرك وقع في الجيل العاشر، فظنوا أن التماثيل هي آلهة آبائهم فعبدوها من دون الله، وهنا تكمن خطورة الغلو في الأشخاص وتقديس البشر، وتصدى نبي الله نوح عليه السلام لذلك الفساد في المعتقد ودعا قومه بشتى الوسائل وفي جميع الأوقات { قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) } [نوح]، ولما حصل منهم الاستكبار والإعراض عن امتثال أمر الله نزل بهم سخط الله وأليم عقابه قال تعالى: { وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37) } [الفرقان]، فالله قوي عزيز لا غالب له ومن أطاع الله وامتثل أمره فقد أفلح ونجا، ومن عصى الله وأعرض عن دينه فقد خسر وهلك ومصيره إلى الحسرة والندامة، وفيما ذكر الله من خبر الأمم السابقة عظة وعبرة ومن الفساد الذي حصل في الأمم الماضية ما حدث في قوم لوط من شيوع الفاحشة وأصبح الرجل يأتي الرجل وينصرف عن الزواج من النساء، وتصدى نبي الله لوط عليه السلام لتلك الظاهرة السيئة وحذر قومه منها قال تعالى: { وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) } [الأعراف]، وعمل لوط على إصلاح ما فسد من حال قومه وأرشدهم إلى أن تصريف الشهوة لا يكون بهذه الطريقة وإنما بالزواج من النساء { قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) } [هود]، وقيل في تفسير بناتي: أي نساء أمتي فتزوجوا منهن، ولوط عليه السلام بمثابة الأب لبنات قومه وحذر لوط قومه من سخط الله وأليم عقابه إن هم استمروا على تلك الفعلة الشنيعة وسعى لوط بهمته العالية إلى تطهير أمته من ذلك الفساد ولم يبال بمن يعارضه من قومه فلوط يعمل بأمر الله وعمله فيه إصلاح لحال أمته، فلما أعرضوا عن قوله نجاه الله وأنزل الله بهم العقوبة قال تعالى: { وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84) } [الأعراف].


صلاح الفساد الإداري والتجاري


دين الله الإسلام ليس بمعزل عن حياة الناس، وتعاليم الشريعة جاءت لإصلاح دنيا البشر ومحاربة جميع أنواع الفساد وبينت الشريعة أن أمر إدارة شؤون المسلمين يجب أن يسند إلى أهله من أهل الصلاح والتقى والقوة والحزم حتى لا يستهان بأمر الله ويحل الفساد في كل مكان، ومما يدل على أن الله أمر بإصلاح الفساد التجاري ما حصل من أمة مدين فقد ظهر فيهم الغش والخداع في التجارة وتطفيف الكيل والميزان وتصدى لإصلاح هذا الفساد النبي شعيب عليه السلام، فأنكر على قومه، قال تعالى: { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) } [الأعراف]، ولم يعجب أهل الباطل ما يقوم به شعيب من سعي لإصلاح حال أمته فوقف في طريقه الذين استكبروا ممن تتعارض دعوة شعيب مع مصالحهم الشخصية، فهددوا شعيب بالطرد من البلد إن لم يترك دعوته { قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا } [الأعراف: 88]، ولم يثن ذلك التهديد شعيباً عن عمله الإصلاحي فهو مؤمن بربه وعلى ثقة من صحة ما يدعو إليه، فرفض النزول عند رغبتهم بترك ما يدعو إليه وطلب شعيب العون والنصر من الله { قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) } [الأعراف].


ولما خالفه قومه وأعرضوا عما يدعوهم إليه نزل بهم ما حذرهم منه فحل بهم سخط الله وأهلكتهم العقوبة جزاء ما صنعوا، قال تعالى: { فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) } [الأعراف]، وما نالهم هو جزاء من لا يستمع إلى النصيحة ويعارض عمل المصلحين { فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93) } [الأعراف]، وأي عقوبة نزلت بأمة من الأمم السابقة فهي بسبب مخالفة أمر الله وتلك العقوبة ليست ببعيدة عن أي أمة ترتكب تلك المخالفة وتعصي أمر ربها وتحيد عن دينه وكتاب الله عندما يذكر فيه ما حصل للأمم السابقة فذلك للتهديد والتحذير من سخط الله لمن خالف أمره وما ذكرناه من حال الأنبياء مع أقوامهم لبيان الهمة العالية عندهم وسعيهم لإصلاح حال أممهم وفيه القدوة لمن أراد الإصلاح من بعدهم قال تعالى: { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ } [الأنعام: 90].


نسأل الله أن يجعلنا جميعاً من الصالحين المصلحين.


تاريخ النشر 11/05/2009 




الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127