الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

علو الهمة لإصلاح حال الأمة (2) الشيخ عبد الرحمن بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



علو الهمة لإصلاح حال الأمة (2) 

 


عبد الرحمن بن ندى العتيبي


من يسعى لإصلاح حال أمته فعمله في هذا الشأن يدل على علو همته وأنه مغاير لمن همه مقتصر على نفسه فقط، ويسعى لاكتساب عيشه ولا شأن له بما يدور حوله ولسان حاله يقول: »أنا وشأني ولا شأن لي بالفساد من حولي«، وهذا مخالف لما أمر الله به نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه من بعده في قوله تعالى: { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } [الشعراء: 214]، وهكذا كل داعية صادق همته في السعي في إنقاذ الناس من الجهل والشرك والفساد، وإخراجهم من الظلمات إلى النور بإذن الله، قال تعالى: { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } [إبراهيم: 1].

والمتأمل في هذه الآية الكريمة يجد أن الله عدد الظلمات ووحد النور، وهكذا هو الحال بالنسبة للحق والباطل، فالحق طريقه واحدة فقط ومنهجه لا يتغير، ومفهوم العقيدة وتعاليمها واحدة على مر العصور والباطل طرق متعددة وظلمات كثيرة لا تزيد معتنقيها إلا بعداً عن الله وأتباع الظلمات هم من يعتنقون الديانات المحرفة، وأصحاب المذاهب الكفرية ممن اسسها الفلاسفة، وأصحاب المذاهب الباطنية التي تنسب إلى الإسلام ولو راجعنا ما تحمل مذاهبهم من تعاليم لوجدنا أنها تعج بالمخالفات الصريحة لدين الإسلام وعقيدة التوحيد التي لا تسمح بالشرك أو ما هو ذريعة إلى الإخلال بالتوحيد، ولو تأملنا في منهج هذه المذاهب لوجدنا أنها تخالف شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وقد حصل من أصحاب هذه المذاهب الباطلة خلل في العبودية لله وخلل في تجريد الإتباع لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وما حصل من خلل في العبودية فقيامهم بصرف شيء من العبادة لغير الله، وذلك مخالف لأمر الله ودين الإسلام ويجب الإنكار على صاحبه وبيان الحق له والأخذ على يده ومنعه من باطله حتى يرجع إلى دين الإسلام الحق ويؤمن بالعقيدة الصحيحة التي لا يصرف فيها أي نوع من العبادة لغير الله، والشرك الأكبر أعظم ذنب يهدد العقيدة الصحيحة وهو محبط للعمل قليله ككثيره ولا يستهان به على أية حال، ولا مجال لمجاملة صاحبه وتقريبه من دين الإسلام، وما حصل من خلل في تجريد الإتباع للنبي محمد صلى الله عليه وسلم فيسبب تعظيم أصحاب الباطل لرموزهم حتى أنهم يقدمون اقوال البعض على قول النبي صلى الله عليه وسلم ويذكرون من يعظمون من الأشخاص أكثر من ذكرهم للنبي صلى الله عليه وسلم بل وصل الحال بالبعض منها أن جعلت العصمة لبعض الأسماء وجعلت من المروي عنهم تشريعاً فجعلوهم بمثابة النبي صلى الله عليه وسلم الذي ما روي عنه وحي وتشريع لأمة الإسلام وشتان بين الذين يتبعون الظلمات وأصحاب الحق الذين ينعمون بنور الحق فأهل الحق لا يصرفون شيئاً من العبادات لغير الله ولا يقدمون أحداً من البشر على نبيهم ويتعبدون لله بالإكثار من الصلاة على نبيه ويتدارسون الأحاديث الواردة عن نبيهم ويعملون بها في منهج حياتهم امتثالاً لقول ربهم { وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } [الحشر: 7]، وهذا الحال هو حال أهل الحديث الذين اتبعوا سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ولقد صدق القائل فيهم:


أهل الحديث هم أهل النبي

إن لم يصحبوا نفسه فأنفاسه قد صحبوا


(فالنور) واحد وهو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والتزمه أتباعه من بعده و(الظلمات) كثيرة ولا يمكن التقريب بين الحق والباطل ولا يجوز المزج بين العقيدة الصحيحة والعقائد الكفرية فأهل الحق عليهم التزام الحق وإن قل الإتباع ولا يجوز التنازل عن الحق لأجل مبدأ التعايش السلمي لإرضاء أهل الباطل الذين قال الله عنهم { الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ } [إبراهيم: 3].


صاحب الهمة العالية لا ييأس


داعية الحق المحتسب الذي ينشد التغير والإصلاح لا يثبطه عن عمله كثرة المخالفين وقلة المناصرين ولكنه يمضي بعزيمة صادقة قد جعل رضا الله والدار الآخرة نصب عينيه قال تعالى: { فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } (148) [آل عمران]، فالداعية للإصلاح يستمر في بذل المجهود لإنقاذ الآخرين وتنبيههم من غفلتهم وصاحب الهمة العالية يسعى في إصلاح ما فسد من حال الأمة ولا تثنيه الحوادث عن عزمه.


ولم أخش مهما مسني ضر حادث

فتلك حوادث جس بها نبض

فإن عشت أدركت المرام وإن أمت

فلله ميراث السماوات والأرض


والداعية الصادق صاحب همة عالية وهدفه نبيل وهو رفع الجهل عن غيره وأن يكون سبباً لهداية الآخرين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) [رواه البخاري ومسلم] وكم مستفيد سيدعو لمن كان السبب في صلاح أحواله وسيشعر أنه مدين لذلك المرشد المحتسب الذي يرجو رحمة ربه { لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا } (12)- [الإنسان].

نسأل الله من فضله ونسأله أن يوفق الجميع لما فيه صلاحهم.





تاريخ النشر 04/05/2009




الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127