الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

فوائد علمية وآداب إسلامية (30) الشيخ عبد الرحمن بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



فوائد علمية وآداب إسلامية (30) 

 

عبد الرحمن بن ندى العتيبي


69- متى ثبت الإضرار وجب رفعه مع ثبوت عقوبة الإضرار

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »لا ضرر ولا ضرار« [رواه ابن ماجه والدارقطني وقال عنه النووي حديث حسن].

هذا الحديث أصل عظيم في أبواب كثيرة وخاصة في المعاملات كالبيع والشراء والنكاح بأن يضار الرجل زوجته أو تضره زوجته، وفي باب الوصايا وقوله صلى الله عليه وسلم »لا ضرر ولا ضرار«، قيل إن معناهما واحد، وقيل الضرر ما يلحق بالشخص من غير جناية منه أو ما يلحقه بغيره من غير قصد منه، والضرار هو أن تضر من أضرك فلا ضرار اي لا تسب من يسبك وإنما تطلب حقك عند القضاء. والضرار منفي في الشريعة وذلك من محاسن الشريعة الإسلامية التي جاءت بكل خير، وحاربت كل شر وعملت على إصلاح حياة الناس ومنحهم حقوقهم من غير إضرار بهم، ومن الناس من يلجأ للإضرار بالآخرين لسوء تفاهم حصل بينهم فيبدأ بإزعاجه فهذا مضار.


النهي عن المضارة بين الزوجين

الأصل في الزواج الاستمرار وانه سبب لجلب الاستقرار للزوجين فإن حصل سوء تفاهم فلا يجوز اللجوء إلى المضارة، قال تعالى: { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } [البقرة: 231].

كانوا في الجاهلية إذا طلق الرجل المرأة ثم شارفت العدة أرجعها وطلقها ثم كذلك يقصد الإضرار بها، ومنعها من الزواج فرفع الله ذلك حيث جعل الطلاق ثلاثاً فقط.

ومن المضارة بالمطلقة ما يحصل من خلاف على الحضانة، فالحضانة للأم إلا إذا تزوجت فالمرأة تريد الزواج ولكن تخشى أن يأخذ الأولاد وهو يهددها بذلك، ويريد المضارة وهو في الحقيقة لا يريد الأولاد وإذا أخذهم لم يهتم بهم فإذا أخذهم للمضارة فهذا محرم.


مسائل فقهية يستدل فيها بهذا الحديث

-1 في باب التيمم: يباح التيمم إذا خاف على نفسه الضرر باستعمال الماء لمرض أو برد شديد أو خوف العطش بأن يكون الماء قليلاً ويخشى نفاده أو عدم الأمن عند طلب الماء واستدلوا بحديث »لا ضرر ولا ضرار«.

-2 في إنظار المعسر: قالوا وإن كان الدين حالاً على المعسر وجب انظاره ولا يحبس لأن حبسه لا يفيد صاحب الدين، وإنما هو محض إضرار في حق المديون وقد قال عليه الصلاة والسلام »لا ضرر ولا ضرار«، ولأنه إذا كان خارج الحبس ربما حصل واكتسب وسعى في قضاء الدين، وفي الحبس لا يقدر على ذلك.

-3 في باب الشفعة: قال في حق صاحب الشفعة »الشريك« فإن عجز عن أداء الثمن أو عن بضعه سقطت شفعته لأن أخذه المبيع من غير دفع الثمن أو بعضه إضرار بالمشتري، وقال صلى الله عليه وسلم »لا ضرر ولا ضرار«، ولأن ثبوت الشفعة لدفع الضرر عن الشفيع والضرر لا يدفع بالضرر فإن عجز عن الثمن بطلت الشفعة لأن من شروط الشفعة القدرة على الثمن.

-4 في باب القسمة: قال القسمة نوعان: أحدهما قسمة إجبار وهي قسمة ما يمكن قسمته من غير ضرر ولا رد عوض إذا طلب أحد الشريكين القسمة فأبى الآخر أجبره الحاكم إذا ثبت عنده ملكهما ببينة ولها شروط أحدها: ألا يكون فيها ضرر فإن كان فيها ضرر لم يجبر الممتنع منها لقوله صلى الله عليه وسلم »لا ضرر ولا ضرار«، النوع الثاني: قسمة التراضي وهي قسمة ما فيه ضرر بأن ينتفع احدهما بنصيبه فيما هو له أولا يمكن تعديله إلا برد عوض من أحدهما فلا إجبار فيها ومثال ما فيه ضرر أن تكون دار بين اثنين لأحدهما عشرها وللآخر الباقي إذا اقتسما لا يصلح لصاحب العشر ما ينفع به فيتضرر لذلك فإذا طلب صاحب الكثير القسمة لا يجبر الآخر لقوله صلى الله عليه وسلم »لا ضرر ولا ضرار«.

-5 في الشهادات: وتحمل الشهادة وأداؤها فرض على الكفاية إذا لم يوجد من يقوم بها سوى اثنين لزمهما القيام بها على القريب والبعيد لقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } [النساء: 135]، والشهادة أمانة فلزم أداؤها كسائر الأمانات فإذا ثبت هذا فإنه إذا دعي إلى تحمل شهادة في نكاح أو دين أو غيره لزمه الإجابة وإن كانت عنده شهادة فدعي إلى أدائها لزمه ذلك إذا أمكنه من غير ضرر عليه والضرر ربما يحصل لكون المكان بعيد عنه وعليه مشقة في الوصول إليه لقوله صلى الله عليه وسلم »لا ضرر ولا ضرار«، هذه المسائل أخذت من كتاب »العدة في شرح العمدة« مع شيء من التصرف وقد أردنا بيان مكانة هذا الحديث عند الفقهاء حتى قال عنه أبي داود: الفقه يدور على خمسة أحاديث وعدَّ هذا الحديث منها ومن هذا الحديث نعلم أن الشريعة لا تقر الضرر وتنكر الإضرار وأن الضرر متى ثبت وجب رفعه والإضرار متى ثبت وجب رفعه مع ثبوت عقوبة الإضرار، لأن الضرر يحصل بغير قصد والإضرار يحصل بقصد. نسأل الله العلم النافع والفقه في الدين.



تاريخ النشر 20/04/2009 



الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127