الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

فوائد علمية وآداب إسلامية (29) الشيخ عبد الرحمن بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



فوائد علمية وآداب إسلامية (29) 

 


عبد الرحمن بن ندى العتيبي


-68 النصح للأمة فيه البراءة للذمة


عن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم« [رواه مسلم].

النصيحة للأمة والحرص على نفعها وجمع شملها على العقيدة الصحيحة من علامات الإيمان، وغش الأمة وخيانتها والنيل من دينها من علامات النفاق، وفي هذا الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم »الدين النصيحة« والنصيحة بمعنى الإخلاص، وقال الخطابي رحمه الله: النصيحة كلمة جامعة لأنواع معناها حيازة الخط للمنصوح له، وقيل النصيحة مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، فشبهوا فعل الناصح فيما تحراه من إصلاح المنصوح له بما يسده من خلل الثوب، وقيل إنها مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع، شبهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط. أ هـ [شرح النووي على مسلم].

»النصيحة لله« إخلاص العبادة له وحده لا شريك له والإيمان بأسمائه وصفاته دون تحريف أو تعطيل وتنزيهه عما لا يليق به جل وعلا والإنابة إليه وقصده بجميع أنواع العبادات مع القيام بما أمر والابتعاد عما نهى عنه والموالاة والمعاداة فيه.

»النصيحة لكتابه« الإيمان بأنه كلام الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وتلاوته بتدبر رغبة في ثواب التلاوة وتعظيماً له، والعمل به وحفظه في الصدور ومعرفة أحكامه وآداب تلاوته، والإنصات له عند سماعه عندما يتلى وتصديق خبره.

»النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم« واتباعه والعمل بسنته، والذب عن عرضه ومعاداة من عاداه، وتصديقه فيما أخبر به واتخاذه قدوة صلى الله عليه وسلم.

»النصيحة لأئمة المسلمين« تذكيره بما يجب عليهم، ومعاونتهم على الحق، وطاعتهم فيما فيه صلاح البلاد والعباد، والجهاد معهم والبعد عن إثارة الفتن والحذر من تأليب المسلمين على أئمتهم مما يحدث الفوضى وسفك الدماء وضياع الأمن ومن النصيحة لأئمة المسلمين مطالبتهم بتطبيق شرع الله لأن في ذلك إظهاراً للعبودية لله رب العالمين { إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون } [يوسف: 41]، وفي تطبيق شرع الله صلاح للراعي والرعية.

النصيحة لعامة المسلمين: عامة المسلمين يشمل جميع أفراد الأمة ما عدا ولاة الأمر الذين تقدم بيان النصيحة لهم، وهنا نذكر ما ذكره النووي في شرحه على صحيح مسلم عندما بين المراد بالنصيحة لعامة المسلمين فذكر أن النصيحة لعامة المسلمين إرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وكف الأذى عنهم، فيعلمهم ما يجهلونه من دينهم، ويعينهم عليه بالقول والفعل، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص، والشفقة عليهم وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وتخولهم بالموعظة الحسنة، وترك غشهم وحسدهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من المكروه، والذب عن أموالهم واعراضهم وغير ذلك من أحوالهم بالقول والفعل، وتنشيط هممهم إلى الطاعات. أ هـ


موقف يدل على نصيحة الصحابة لعامة المسلمين


مما ذكره في مناقب الصحابي جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن جريراً أمر مولاه أن يشتري له فرساً فاشترى له فرساً بثلاثمائة درهم وجاء به وبصاحبه ليعطيه الثمن، فقال جرير لصاحب الفرس: فرسك خير من ثلاثمائة درهم اتبيعه بأربعمائة درهم، قال ذلك إليك يا أبا عبد الله فقال فرسك خير من ذلك اتبيعه بخمسمائة فما زال يزيده حتى اشتراه منه بثمانمائة فقيل لجرير كيف فعل ذلك؟ فقال: إني بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم، وحديث البيعة على النصيحة لكل مسلم رواه البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: »بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم«.


المحافظة على مصالح الأمة


من النصح للأمة تقديم من هو أهل وإسناد الأمر إلى أهله ممن هم من أهل الاختصاص وفيهم ديانة وتقى وعندهم مراقبة لله تعالى ممن يعلمون الحلال والحرام ويقفون عند حدود الله ويكونون أمناء على مصالح الأمة، ويحاربون الغش والفساد ويتجنبون ما يسخط الله مما يجلب للأمة الانهيار والدمار ومن ذلك محاربة الله تجعل الاقتصاد يدور على الربا، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ } [البقرة: 278-279].

ومن محاربة الله التصريح لبنوك الربا بالتعامل بهذه الكبيرة حتى تلبس بها بعض المسلمين وهذه المعاملات الربوية أحد أسباب الأزمات الاقتصادية التي تعصف ببلدان العالم، ومن يحارب الله عاقبته سيئة في الدنيا والآخرة قال تعالى: { عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [الفتح: 6]، والمسلم الناصح لأمته لا يمكن أن يفرط بآخرته لأجل دنياه أو يعرض نفسه وأمته لسخط الله، وإنما ترتكب الخيانة للأمة وسرقة ثرواتها وتضييع مصالحها إذا ضعف الوازع الديني.


الشعور بالمسؤولية والحرص على هداية الناس


أعظم ما يقدمه الناصح لأمته هو إرشادها إلى ما ينفعها في الدنيا والآخرة وهو التمسك بالإسلام والعمل به والعناية بالعقيدة الصحيحة وهذا ما عمله خير البشر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا } [الكهف: 6]، »باخع نفسك« مهلكها وقاتلها من الغم لأنهم انصرفوا عن الإيمان بما تدعو إليه، ويقول الله تعالى: { أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } [فاطر: 8]، والنبي صلى الله عليه وسلم ناصح لأمته واتباعه هم من يسيرون على أثره وتكون اهتماماتهم في السعي لتبليغ دعوته ونفع أمتهم وتعليمهم ما ينفعهم وتحذيرهم مما يضرهم، وهكذا عمل الأنبياء قال نبي الله نوح عليه السلام »وأنصح لكم« [الأعراف: 6]، وقد مكث فيهم مدة طويلة يدعوهم وقال هود عليه السلام { وأنا لكم ناصح أمين } [الأعراف:68].

فالشعور بالمسؤولية من النصح للأمة ويسعى كل شخص بحسب إمكاناته وقدرته قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا } [الكهف: 30].

ومن نصح لأمته نال رضا الله وكسب محبة الناس وثقتهم وأراح ضميره وحسنت سمعته والله الموفق.





تاريخ النشر 13/04/2009 



الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127