الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

فوائد علمية وآداب إسلامية (28) الشيخ عبد الرحمن بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



فوائد علمية وآداب إسلامية (28) 

 

عبد الرحمن بن ندى العتيبي


67- العمل على تغيير المنكر دليل على قوة الإيمان


عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: »من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان« (روا ه مسلم).

قوله صلى الله عليه وسلم »من رأى« يحتمل رؤية البصر أي شاهد فعل المنكر ومباشرته، أو رأى بمعنى علم، وهذا أشمل لأنه ربما سمع بالمنكر وعرف مكانه دون أن يراه، وقوله »منكم« يدل على أن الأمر للجميع فمن حضر المنكر فعليه تغييره، وإن كانوا جماعة فغيره أحدهم سقط عن الباقين.

قوله صلى الله عليه وسلم »فليغيره« أمر يدل على الوجوب، وإن لم يغير فهو آثم وعند علماء أصول الفقه أن الأمر المطلق يفيد الوجوب، ولا يُصرف إلى الإباحة أو الندب إلا بقرينة وقد حذر الله من مخالفة أمره، بقوله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) (النور: 63).

»المنكر« هو ما نهى الله عنه ورسوله، ويكون منكراً ظاهراً لا اختلاف على أنه منكر في الشرع.

»بقلبه« يكرهه ويبغضه ويتمنى أنه لم يفعل وأنه يزال.


مراتب تغيير المنكر


1- تغيير المنكر باليد، وهذا يكون للسلطان أو من له ولاية وتمكن فيمن هو تحت يده، ومن ذلك رب الأسرة في ولايته على أسرته وتصرفه في منزله فلا يسمح بأن يقام فيه منكر، ومن ذلك كصاحب شركة يملكها وله حق في سن قوانينها فهذا يستطيع أن يمنع ما يخالف الشريعة، ومن ذلك من يملك وسيلة إعلامية مما يشاهد أو يسمع أو يقرأ فهذا يستطيع أن يمنع ما يخالف الشريعة ولا يسمح لأهل الباطل بنشر عقائدهم الفاسدة من خلال الوسيلة الإعلامية التي يملكها، فالتغيير باليد أعلى مراتب التغيير ومن يستطيعه لا يحل له الانتقال إلى المرتبة التالية لقوله صلى الله عليه وسلم »فليغيره بيده فإن لم يستطع« فشرط الانتقال هو عدم الاستطاعة.

2- تغيير المنكر باللسان لقوله صلى الله عليه وسلم »فإن لم يستطع فبلسانه«، ويكون التغيير باللسان لمن ليس له سلطة وقدرة على التغيير باليد، فينصح ويتكلم مع من هو قائم على المنكر كمن يتهاون من الصلاة أو يبيع ما حرم الله، ولا بد لمن يغير المنكر بلسانه بأن يكون على علم تام بأن الذي أمامه منكر في الشرع، ويحتسب عند تغيير المنكر، ويحرص على النصح على انفراد حتى يحصل له القبول ويتحقق المأمول.

3- تغيير المنكر بالقلب لقوله صلى الله عليه وسلم »فإن لم يستطع فبقلبه«، وهذه المرتبة لا ينتقل إليها إلا من عجز عن المراتب التي قبلها، ويكون الإنكار بالقلب بأن يبغض المنكر ويكرهه ويتمنى زواله، وقوله صلى الله عليه وسلم »وذلك أضعف الإيمان«، قال النووي: ليس المراد أن العاجز إذا أنكر بقلبه يكون إيمانه أضعف من إيمان غيره، وإنما المراد أن ذلك أدنى الإيمان وذلك أن العمل ثمرة الإيمان، وأعلى ثمرة الإيمان في باب النهي عن المنكر أن ينهى بيده، وإن قتل كان شهيداً« أ هـ.


الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام أمان للأمة


من لا ينكر المنكر ويرضى به فهو متعرض لسخط الله وعقابه وقد يبدل الله حاله من غنى إلى فقر ومن أمن إلى خوف، قال تعالى: { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } (المائدة: 79-78)، ومن يعش بين أفراد المجتمع ويخالطهم فيجب عليه الإنكار إذا رأى منهم مخالفة للشرع، ولا يصح قول من يقول »الأمر لا يعنيني«، أو من يقول هذه حرية شخصية فإن عمل المنكر قد يكون سبباً لإنزال العقوبة وهلاك الجميع. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم »مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً« (رواه البخاري).

وجاء في كتاب الله الكريم وصف من يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بأنهم المفلحون قال تعالى: { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون } (آل عمران: 104).


لا يغير المنكر بمنكر أكبر منه


تقدير المصلحة ومعرفة الأولى واختيار الوقت المناسب هذه الأمور ينبغي أن تراعى عند مباشرة تغيير المنكر خشية أن يؤدي إنكار المنكر إلى حصول منكر أكبر مثل أن يرى من يشرب الخمر فيباشر إنكار المنكر بالاعتداء عليه بما يؤدي إلى قتله وكان الواجب أن يبلغ عنه ويمنعه من إيذاء نفسه وإيذاء الآخرين، ويترك العقوبة لمن له الحق في إقامة الحد، فالمنكر لا يغير بمنكر أكبر منه، قال تعالى: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } (الأنعام: 108).


اللين والرفق عند إنكار المنكر


أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه. (رواه مسلم).

فاستخدام الأسلوب الحسن والكلام الطيب غالباً يؤدي إلى استجابة الطرف الآخر وتركه للمنكر، بخلاف أسلوب التعنيف والتوبيخ فربما أدى إلى التحدي والعناد والإصرار على المنكر وفي هذا الباب حديث الأعرابي الذي بال في المسجد فإن الصحابة بادروا إلى إنكار المنكر الذي قام به الأعرابي فزجروه حتى يترك التبول في هذا المكان الطاهر، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يتركوه حتى ينتهي فلما انتهى أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن المساجد لا تصلح لمثل هذا، فسرَّ الأعرابي بأسلوب النبي صلى الله عليه وسلم ورفقه معه، فقال: »اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً« فالرفق مطلوب عند الإنكار على قدر الإمكان.


الصبر عند تغيير المنكر


من يغير المنكر فهو يعمل في رضا مولاه ويسعى في نجاة قومه وسيجد من المحيطين من يشجعه على عمله، وربما اصطدم بأناس من الأشرار ممن لا يروق لهم ما يقوم به وقد يجد منهم تعنتاً وعداوة وإيذاء فعليه بالصبر، قال تعالى: { وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } (العصر)، ومن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لا بد أن يكون عنده صبر وقوة تحمل لسوء أخلاق الناس وحسن تعامل مع ردة فعلهم تجاهه عندما ينكر عليهم، ولقمان الحكيم أوصى ابنه بالصبر على ما يصيبه { يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور } (لقمان: 17)، ومن أوذي في سبيل الله فليحتسب وإن العاقبة ستكون له بإذن الله.


ما يستفاد من الحديث


1- أن النبي صلى الله عليه وسلم كلف جميع الأمة أن تنكر المنكر.

2- لابد من تيقن المنكر فيتيقن أنه منكر في ذاته، ويتيقن من أنه منكر في حق فاعله، فالأكل في رمضان منكر، ولكنه مباح للمسافر.

3- إثبات أن للقلب عملاً لقوله (فبقلبه) والعقيدة محلها القلب ومن عمل القلب الرجاء والخوف.

4- الإيمان عمل ونية، وإذا دل الدليل على أن العمل تركه يؤدي إلى الخروج من الإسلام، كان العمل شرطاً من صحة الإيمان، وما كان تركه لا يخرج من الإسلام فإنه دليل لكمال الإيمان.

5- الإيمان يتفاوت بين الأفراد فهناك من إيمانه قوي وهناك من إيمانه ضعيف.



تاريخ النشر 06/04/2009 




الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127