الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

فوائد علمية وآداب إسلامية (26) الشيخ عبد الرحمن بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                


فوائد علمية وآداب إسلامية (26) 

 


عبد الرحمن بن ندى العتيبي


الحمد لله وبعد: نكمل ما سبق ذكره من فوائد علمية وآداب إسلامية:


-64 من عظم الدنيا وغفل عن الآخرة تثاقل عن طاعة الله

عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: »ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس« [رواه ابن ماجه والبيهقي وحسنه النووي والألباني في السلسلة الصحيحة (944)«.

الزهد في الدنيا: الرغبة عنها وألا يتناول ما لا ينفعه في الآخرة فطلب ما زاد عن الكفاية مذموم، أما طلب الكفاية فواجب، وينافي الزهد عدم القناعة وطلب التباهي والتميز في الملبس والمسكن والمركب.

فبعض الناس يحرص على شراء ما هو باهظ الثمن ليس لجودته وإنما ليفاخر بذكر سعره، وهناك من يثقل كاهله بالديون ليجاري الآخرين في عيشهم المترف، والبعض يشقي نفسه ليحصل على الكماليات، ويعظم شأن الدنيا كأنه سيخلد فيها، متناسياً أن ما يحصل عليه من الدنيا فهو كالعارية في يده، والعارية سيفقدها وتنتقل إلى غيره، وكان الأولى ألا ينشغل عن طاعة ربه بطلب ما يستطيع الاستغناء عنه، فمن لهث لأجل الدنيا ورغب فيها وزخرفها تثاقل عن الطاعة وقلة رغبته في الآخرة وما أعد الله فيها من النعيم المقيم فمن كانت الدنيا أكبر همه ضعف استعداده للآخرة، وكان الأجدر بالعاقل أن يزهد في الدينا حتى يحبه الله كما أرشد إلى ذلك الحديث.

»الدنيا« سميت بهذا الاسم لأنها دنيا في الزمن فهي قبل الآخرة أو لأنها دنيا في المرتبة فهي أقل من الآخرة، ولا تعد الدنيا شيئاً بالنسبة للآخرة، فمن ناحية المكث الزمني الدنيا محدودة والآخرة لا نهاية لها، ومن ناحية المرتبة فالدنيا زائلة وملذاتها ناقصة وعيشها منغص، أما الآخرة فقد أعد الله في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر في أمن وخلود.


الفرق بين الزهد والورع


الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة.

الورع: ترك ما يخشى ضرره في الآخرة.

الزهد أعلى من الورع، فالزهد ترك التوسع في المباح، والورع ترك ما يخشى أن يترتب على فعله مساءلة في الآخرة، وكل هذه المقامات لأولياء الله الذين وفقوا للحرص على ما ينفعهم في مستقبلهم في الآخرة، وسعدوا في الدنيا بلذة الطاعة، وقاموا بترك حظوظ النفس من أجل التقرب إلى الله مولاهم وخالقهم، وهؤلاء هم العقلاء على الحقيقة، وخلافهم من أفنى عمره لأجل الدنيا، وحاله كمن يتبع السراب ولن يصل إلى شيء، وفي نهاية الأمر يكتشف أنه كان في غرور، وهذه الأمة لم تخل في زمن من الأزمنة من وجود الزهاد الذين لم يجعلوا الدنيا شغلهم الشاغل، وإنما انصرفوا إلى طاعة الله وجعلوا دنياهم مزرعة لآخرتهم.


المكث في الدنيا قليل فلماذا لأجلها كل هذا العويل؟


هناك من ينادي ويقطع رحمه ويسفك الدماء لأجل الدنيا، ومن ينتهك المحرمات ويخل بالواجبات لأجل الدنيا، أو ما علم هذا المسرف أن المكث في الدنيا قليل، وأنها لا تستحق أن يعصى الله لأجلها، فمن شقي للحصول على ملذات الدنيا إن حصل له شيء من ذلك فإنه في النهاية سيرحل عن الدنيا ويسأل عن عمره فيما أفناه وعن العبادة التي أوجبها الله عليه { أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) } [الشعراء: 207-205].

وحينئذ يعلم الإنسان أن مكثه في الدنيا قليل قال تعالى { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ } [يونس: 45].

فما أقصر مدة الدنيا لمن تأمل واعتبر وقد أعجبني مثالا يبين أن العاقل لا يضيع ساعة الدنيا بانتهاك المحرمات وتكون عاقبته نار جهنم، وإنما هذا التصرف يبدر من السفهاء الذين لا ينظرون إلى عواقب الأمور وإنما همهم ما بين أيديهم ويبين المثال حال من يقع في الدنيا في معصية الله كمثل رجل على باب منزل وكلما مر به شخص ناداه وقال له اصعد إلى أعلى المنزل فهناك غرفة فيها الخمر والفجور ولك أن تعمل فيها ما تشاء ولك ساعة فقط لتمكث في الغرفة وبعدها تنزل إليّ وأدخلك في هذا وأشار إلى تنور في أسفل المنزل يشتعل نارا، وإذا رميتك في التنور فلا تخرج منه ولا رجعة، فالعاقل إذا سمع هذا الكلام فإنه يقول لا ارغب في هذه الغرفة وملذاتها وساعتها وسيهرب وينجو بنفسه:


لا دار للمرء بعد الموت يسكنها

إلا التي كان قبل الموت يبنيها

فإن بناها بخير طاب مسكنه

وإن بناها بشر خاب بانيها

النفس ترغب في الدنيا وقد علمت

أن الزهادة فيها ترك ما فيها

فاغرس أصول التقى إن كنت مجتهدا

واعلم أنك بعد الموت لاقيها


طلب المناصب والزهد في الدنيا


من يستغل منصبه لنصرة الاسلام واهله، فهو على خير ومأجور على عمله، ومن يطلب المنصب لنيل شهرة او شيء من حطام الدنيا فهذا قد جانب الصواب وخاطر بدينه، عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »ما ذئبان جائعان ارسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف« (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح).

ليحرص المسلم على سلامة دينه، فمن اتى ابواب السلاطين افتتن، ولتكن المخالطة لاجل نفع المسلمين والنصح للامة، وخاصة فيما يتعلق بدينها والمحافظة عليه، ومن ذلك المطالبة بتطبيق الشريعة الاسلامية، ومحاسبة التبرج والسفور وما يدعو الى الرذيلة والحرص على حماية العقيدة الاسلامية، وعلى المسلم الحق ان يهتم اولا باعزاز دينه ورفعة شأنه ثم يأتي بعده الاهتمام بدنياه، ولا يجوز للمسلم ان يتشبه بأهل الغفلة ممن لا هم لهم الا الدنيا قال تعالى: { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الاخرة هم غافلون } (الروم).

وقوله صلى الله عليه وسلم: :»وازهد فيما عند الناس يحبك الناس« لا تتطلع الى ما في ايدي الناس ولا تسألهم شيئا فان من سألهم ينقص قدره عندهم وقوله (يحبك الناس) يشمل المسلم والكافر فلا محذور في ان يكون المسلم محبوبا عند الكافر، ولكن المحذور هو ان يحب المسلم الكافر.


ما يستفاد من الحديث

-1 حرص الصحابة رضي الله عنهم على معرفة ما يوصل الى محبة الله لهم.

-2 الناس يصرحون بمحبة الله، والسؤال ما هي صفة من يحبهم الله؟

-3 اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه وتعليمهم ما ينفعهم.

-4 اثبات صفة المحبة لله في قوله { يحبك الله } وهذه الصفة ذكرت في كتابه الله في قوله تعالى { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه }.

وهي صفة كمال تليق بالله، ولا يجوز ان يقال المقصود بالمحبة هي رضا الله فهذا من التحريف لصفات الله التي اثبتها لنفسه وهو أعلم بذاته جل وعلا وقد وقع هذا التحريف من بعض شراح الحديث.

-5 محبة الله لعبده المؤمن الذي زهد في الدنيا.

-6 الترغيب في الزهد في الدنيا.

-7 لا بأس في أن يطلب الشخص محبة الناس، المسلم والكافر منهم فالمحذور أن تحب الكفار لا ان يحبوك.

-8 الزهد فيما عند الناس سبب لنيل محبتهم.

-9 الحرص على القناعة واعفاف النفس عن التطلع لما عند الاخرين.

-10 الطمع في الدنيا والتعلق بها والمعاداة لاجلها سبب لبغض الله للعبد.



تاريخ النشر 23/03/2009 





الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127