الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

فوائد علمية وآداب إسلامية (20) الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



فوائد علمية وآداب إسلامية (20) 

 

عبدالرحمن بن ندى العتيبي


-54الشمس والقمر من الآيات الدالة على توحيد الله وقدرته

قال تعالى *وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ* [يس: 40-37].

يبين المولى جل وعلا أن في مخلوقاته ما يدل على عظمته وأنه وحده المستحق للعبادة (وآية لهم) آية: علامة دالة على توحيد الله وقدرته ووجوب الهيئة (الليل نسلخ منه النهار) السلخ: النزع وذهاب الضوء ومجيء الظلمة كالسلخ، (والشمس تجري لمستقر لها) آية أخرى مستقلة من آيات الله الدالة على قدرته ووجوب توحيده ومستقرها قيل يوم القيامة فلا تتحرك فيه، وقيل آخر ما تنتهي إليه وقيل نهاية ارتفاعها في الصيف والشتاء، وقيل إنها تذهب تسجد تحت العرش لربها وتستأذن في أن تعود وفي ذلك حديث في الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم قال: »يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: انها تذهب تسجد تحت العرش«، فالشمس مخلوق خاضع لأمر الله، (ذلك تقدير العزيز) الغالب القاهر، (العليم) المحيط علمه بكل شيء.

(والقمر قدرناه منازل) منازل القمر هي المنازل الثمانية والعشرون التي ينزل القمر في كل ليلة في واحد منها فإذا صار القمر في آخرها عاد إلى أولها فيقطع الفلك في ثمانية وعشرين ليلة ثم يستتر ليلتين ثم يطلع هلالاً، (حتى عاد كالعرجون) والعرجون هو عود العذق الذي في النخلة الذي فيه الشماريخ، العود اليابس في عذق النخلة أي يصغر القمر في آخره حتى يصبح على شكل هلال صغير، وقد شبه عمر الإنسان بحال القمر، فالقمر في بداية الشهر يكون هلالاً صغيراً وفي منتصف الشهر يصبح بدراً مكتملاً يراه الناس مستديراً مضيئاً فيبدأ في التناقض حتى لا يرى في آخر الشهر وهكذا حال الإنسان يولد صغيراً ضعيفاً ثم تكتمل قوته في منتصف عمره ويبدأ في النقص حتى يفنى.


والمرء كهلال عند طلعته

يبدو ضئيلا ثم يتسق


ولكل من الشمس والقمر مساره المقدر له (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر) لا تنزل في منازله أو تسير كسرعة سيره لأن لكل واحد منهما سلطانه فلا يدخل أحدهما على الآخر وفي ظلمة الليل لا تكون الشمس مع القمر، (ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) الفلك المدار أو السطح المستدير، و السبح: السير، فالكل يسير في الفضاء *صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ* -[النمل: 88].


الآيات الكونية دالة على وحدانية الله


كل مخلوق في هذا الكون يشير إلى عظمة الخالق وكمال قدرته وانه المستحق لأن تألهه القلوب وتصرف له العبادة ويطاع فلا يعصى ويذكر ولا ينسى ويخضع له ولا يجحد.


فواعجبا كيف يُعصى الإله

أم كيف يجحده الجاحد

وفي كل شيء له آية

تدل على أنه واحد


فالله هو الخالق المدبر لهذا الكون بعلمه وحكمته وقيوميته فهو قائم على شؤون هذا الكون لا يغيب عنه شيء، مطلع على الظاهر والباطن وكل شيء عنده بمقدار، وقد حث على التفكر في مخلوقاته تفكراً يزيد في الإيمان ويؤدي إلى اليقين ويجعل القلب في تعلق مستمر برب العالمين وينهض بالهمة ليقوم العبد بما افترض الله عليه من صلاة وأركان وهو منشرح الصدر معظم للإله الحق سبحانه وبحمده، ومن العلامات الدالة على توحيد الله الشمس والقمر والليل والنهار كما ذكر في الآيات، فالشمس مخلوق كبير الحجم متوهج بعض الإضاءة، وقد جعل الله الشمس على مسافة معينة من الأرض لو اقتربت الشمس من الأرض لأحرقت الأرض ومن عليها، ولو ابتعدت عن الأرض لتجمدت الأرض ومن عليها فكانت الحاجة لها بقدر هذه المسافة المقدرة من لدن حكيم خبير، وفي الشمس حياة للإنسان والحيوان والنبات والجماد فالجميع يأخذ منها طاقة تساعده على نموه وصلاح معيشته، فهي تمد الأرض بالإضاءة التي يحتاجها البشر لكسب معاشهم وتصريف أمور حياتهم وهي تسير وفق ما أمرت به ولها منافع كثيرة، والقمر آية أخرى فمن خلاله يعرف عدد السنين والحساب، ويستضاء به في الصحاري والبحار لمن أراد تدبير شؤونه ليلاً فهو كالنور الخافت الذي لا يزعج من أراد الراحة والسكون ويفيد من كان مستيقظا، ومن الآيات الليل والنهار وهما يتعاقبان ولا يطغى احدهما على الآخر وإنما بينهما تقارب في مدة الزمن ليتحقق بهما مصالح الخلق، قال تعالى *قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ* [القصص: 72-71].

فالنهار فيه الانطلاق إلى كسب المعاش وحرث الأرض والسير في المفاوز وإنجاز الأعمال، وفي الليل السكون والخلود للراحة والنوم وفي ذلك الحكمة البالغة، قال تعالى *وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ* [الإسراء: 12]، فما أعظم إبداع الخالق في هذا الكون وما أكثر الشواهد على توحيده وقدرته.


-55 مذهب الغلاة مذهب باطل وعقيدتهم فاسدة


العقيدة الصحيحة المرضية من الله هي المبنية على توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له والتوجه بسائر العبادات البدنية والقلبية إلى الله وحده، وأن يكون تعلق القلب الكامل بالله وحده رجاء وخوفاً ومحبة وتعظيماً، وأن من يلهج بالإكثار من ذكره هو الله سبحانه وتعالى حمدا وتمجيداً وتسبيحاً وتكبيراً وتهليلاً وتلاوة لكلامه في كتابه القرآن العظيم وتنسب إليه النعم ويشكر عليها ويلجأ إليه عند المحن، فمن كانت هذه حاله فهو قريب من الله بعيد من الشيطان والغلو والشرك.

أما العقيدة الفاسدة غير المرضية من الله ولا تنجي صاحبها من النار فهي عقيدة (الغلاة) الذين غلوا في حق أناس وخرجوا بهم عن حدود الخليقة، وحكموا فيهم بأحكام الإلهية، فربما شبهوا أحدهم بالإله ولجأوا إليه لكشف الضر الذي لا يستطيع كشفه إلا الله ويزعمون فيمن غلوا فيه أنه يعلم الغيب، وهذا شرك في الربوبية فعلم الغيب اختص الرب به نفسه إلا من أطلعه على شيء من ذلك مما يحصل في الآخرة، والغلاة نشأت شبهاتهم من مذهب الحلولية، ومذاهب التناسخية، ومذاهب اليهود والنصارى، فاليهود حصل منهم الغلو في عزير فقالوا: عزير ابن الله، والنصارى حصل منهم الغلو في عيسى فقالوا: عيسى ابن الله، تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، فالله منزه عن الصاحبة والولد وهو غني عن كل أحد، قال تعالى *قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد* [الإخلاص].

فلا شبيه له ولا مثيل وله الكمال في ذاته وأسمائه وصفاته منزه عن العيوب والنقائص، وما حصل عن تقصير في حقه وافتراء عليه فهو بظلم من البشر، وانحراف عن الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، والغلاة جمعوا بين مزيج من العقائد المنحرفة فأدى مذهبهم إلى صرف الخلق عن التعلق بخالقهم والإكثار من ذكره وعبادته، وأصبح عمل الغلاة وأتباعهم هو الإكثار من ذكر من غلو فيه من الخلق من البشر والتعلق به واللجوء إليه، وهذا ينافي الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فأول ما دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم هو توحيد الله وتعظيمه وسعى إلى ربط الناس بخالقهم لتكون العبودية له وحده وبين للناس أنه نبي بشر مرسل ليعلم الناس دينهم، وعليهم ألا يصرفوا شيئا من العبادة والاستغاثة لغير الله فهو الإله الحق الخالق وغيره مخلوق محتاج *قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا* [الكهف: 110].



تاريخ النشر 09/02/2009 



الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127