الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

فوائد علمية وآداب إسلامية (19) الشيخ عبد الرحمن بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



فوائد علمية وآداب إسلامية (19) 

 


عبد الرحمن بن ندى العتيبي


الحمد لله، وبعد: نكمل ما سبق ذكره من فوائد علمية وآداب إسلامية:

-52 بنو إسرائيل نجاهم الله من فرعون فما شكروا المنعم ولكن طغوا وتجبروا

قال تعالى *وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)* [سورة البقرة].


تفسير الآيات


يذكر الله نعمه على بني إسرائيل ومنها بعث موسى فيهم ونجاتهم من فرعون الذي أذلهم، (نجيناكم): النجاة بمعنى الفوز فمن ينجو من هلكة فهو فائز. عن ابن عباس - قال: »قدم رسول الله - المدينة فرأى اليهود يصومون عاشوراء فقال: ما هذا اليوم؟ قالوا: هذا يوم صالح نجا الله فيه بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، فقال رسول الله: نحن أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه« [رواه البخاري ومسلم].

(يسومونكم): يذيقونكم أشد العذاب والإهانة وقد بينه تعالى بقوله (يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم) لأن فرعون قال له الكهنة إنه سيولد من بني إسرائيل رجل تكون نهاية ملكك على يده، فأخذ فرعون يذبح المواليد من الذكور ويستبقي الإناث ويجعلهن في الخدمة والامتهان، وفي ذلك (بلاء عظيم) على بني إسرائيل، ولما كتب الله نجاة موسى ومن معه من بني إسرائيل حصلت المعجزة في جعل البحر طريقا يبساً لبني إسرائيل فلما اجتازه بنو إسرائيل دخله بعدهم فرعون للحاق بهم، أطبق البحر على فرعون وجنده فأغرقهم الله وهلكوا (وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون): وحصل لهم أن يروا بأعينهم هلكة عدوهم (وأنتم تنظرون)، (وإذ واعدنا موسى): والنعمة على بني إسرائيل في هذا الوعد لأن موسى عندما يلاقي ربه سيأتيهم بالتوراة التي فيها الهدى والنور، وتنظيم شؤون حياتهم، وذلك الوصف للتوراة قبل أن تحرف التوراة، أما بعد أن مات موسى وطال العهد بهم حرفت التوراة واصبحت تحمل الشرك والإساءة إلى الرب، وجاء القرآن العظيم الذي نسخ العمل بالكتب السابقة، وقد تكفل الله بحفظه من التحريف قال تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإن له لحافظون) ولما ذهب موسى لميقات ربه اتخذ قومه من بعده عجلا عبدوه من دون الله وما حصل هو بظلم منهم لأن الشرك بالله أعظم الظلم فلا يستحق أن يعبد إلا الله (ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون) وهكذا عفو الله ورحمته وحلمه فهو يقبل التوبة من كل تائب مستغفر عما مضى من ذنوب ولو كانت الشرك بالله ولكن على العبد أن يصدق ويقلع عما يفعله من جرم ويندم ويقبل على ربه.

ما يستفاد من الآيات

-1 تذكير الله تعالى لبني إسرائيل بنعمته عليهم.

-2 ان الإنجاء من العدو نعمة عظيمة.

-3 بيان شدة حنق بني فرعون على بني إسرائيل.

-4 أن ذبح الرجال واستبقاء النساء من أعظم البلاء.

-5 أن الرجال هم المعدون للحماية والدفاع.

-6 أن الله يبتلي عباده بالنعم والنقم (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم).

-7 أن مثل هذا البلاء عظيم جدا.

-8 أن الرب له مطلق التصرف في عباده لقوله (من ربكم).

-9 قدرة الله جل وعلا فقد فرق البحر.

-10 إغراق عدوهم وهم ينظرون نعمه، وكذلك من يرى هلاك عدوه الظالم الذي لحقه الأذى منه.

-11 السخرية بفرعون وقدرة الله عليه فقد كان يفتخر بما تحته من الأنعام والأنهار، (وهذه الأنهار تجري من تحتي) فجعل الله هلكته بأن يغرف في الماء.

-12 حكمة الله تعالى في تقديره في وعد موسى أربعين ليلة وقد جعلها الله ثلاثين ليلة ثم أتمها عشرا وتم ميقات الله.

-13 بيان جهل بني إسرائيل لأنهم هم الذين صنعوا العجل من الحلي ثم عبدوه، فكيف يحصل منهم ذلك ولهم الفضل في صناعته.

-14 اتخاذهم العجل كان عن ظلم وهذا أبلغ في توبيخهم.

-15 سعة حلم الله تعالى لأنه مهما بلغ الإنسان من الطغيان يمكن أن يتوب الله عليه إذا تاب (ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون).


اليهود كذبوا على الله وافتروا عليه


بنو إسرائيل هم اليهود، وإسرائيل بمعنى عبد الله وهو يعقوب عليه السلام، واليهود لم يقفوا عند الإفساد في الأرض وإيذاء البشر بل تجاوز شرهم إلى التعدي على ربهم المنعم عليهم فزعموا أن له ولدا قال تعالى *وقالت اليهود عزير ابن الله* [التوبة: 30] وزعموا أن الله فقير قال تعالى *لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء* [آل عمران: 181]، ووصفوا الرب جل وعلا بالبخل قال تعالى *وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء* [المائدة: 64]، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، فالله عظيم جليل كريم وهو مسدي النعم ولكن اليهود ما قدروا الله حق قدره وسيحاسبهم الله على أقوالهم وأفعالهم وكل ينال جزاءه.


عداوة اليهود مستمرة لأهل الحق


اليهود يصعب كسب مودتهم وهم يسعون لسيادة العالم ولن يرضوا إلا على من سار في ركبهم قال تعالى *ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم* [البقرة: 120]، وعداوتهم مستمرة ويبدونها عندما يتمكنوا وتكون لهم شوكة قال تعالى *ولتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا* [المائدة: 82].

وهم يرون تميز جنسهم عن البشر وأن البشر دونهم وهذا أوجد عندهم التمييز العنصري واعتقادهم أنهم الأقرب إلى الله وبقية البشر خدم لهم قال تعالى *وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ*.


اليهود قتلة الأنبياء والرسل


حاول اليهود قتل النبي محمد صلى الله عليه وسلم عندما علموا أنه النبي الموعود به ولكنهم لم يتوقعوا كونه من العرب، فألبوا القبائل العربية ضده، وحاولوا الغدر به وهموا بقتله أو عمل السحر له ودسوا السم له في لحم شاة، وكل خططهم باءت بالفشل (والله يعصمك من الناس) فكان موقفهم غير مشرف من خاتم الأنبياء وكذلك فعلهم مع موسى عليه السلام عندما خذلوه وقالوا *فاذهب أنت وربك فقاتلا إن ها هنا قاعدون* [المائدة: 24]، فهم أهل كيد وخبث ومكر وغدر وكذلك تعاملهم مع سائر الانبياء وعمدوا الى قتل عيسى عليه السلام ولكن الله ابطل حيلهم فقتلوا من شبه لهم انه عيسى قال تعالى *وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم* [النساء: 157] وديدنهم التكذيب للرسل او القتل قال تعالى *أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون* [البقرة: 87].


لا يجوز موالاة اليهود والنصارى وغيرهم من أعداء الله


اذا علمنا حال اليهود والنصارى وبغضهم للاسلام وكيدهم لاهله توجب عدم موالاتهم والموالاة تعني محبتهم ونصرتهم والفرح بعلوهم على المسلمين وهذا امر محرم ويجب بغضهم في الله لأن الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الايمان، وعدم محبتهم لا يعني تحريم التعامل معهم في الامور الدنيوية ولا يجيز الغدر بمن هو معاهد ومسالم لا يؤذي المسلمين ومن والى اليهود والنصارى فهو على خطر من ان يسلب منه الايمان فيصبح في عداد الكفرة قال تعالى *يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم* [المائدة: 51] نسأل الله ان يرد كيد أعداء الحاقدين وينصر المسلمين ويعلي كلمة الدين.


-53 الجهاد سبيل رفع الذل عن المسلمين


الجهاد أنواع: جهاد بالنفس وجهاد بالمال وباللسان وبالقلم، ومجاهدة النفس والشيطان، وكلها ميدان عمل للمؤمن يقوم به في هذه الحياة الدنيا، وما نعنيه هو الجهاد ببذل الانفس في سبيل الله لحماية الدين والعرض والدفاع عن المسلمين وصد الاعداء الطامعين في بلاد المسلمين لنهب ثرواتهم وللجهاد المرتبة العالية في الاسلام مما يدعو الى اقامته امتثالا لامر الله ولنيل العزة والكرامة والرفعة بين الامم، قال تعالى *انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون* [التوبة: 41] وقد بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - مكانة الجهاد في قوله »رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد« (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح).

ومن جاهد في سبيل الله وبذل نفسه فقتل فإن له الخلود في الحياة الاخرة ويفوز بنعيم لا يقاس بنعيم الدنيا حتى ان الشهيد يتمنى الرجوع الى الدنيا لا ليأخذ منها شيئا وإنما يتمنى الرجوع ليقتل في سبيل الله مرة أخرى لما يرى مما اعد الله له من الكرامة قال تعالى *ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين* [آل عمران: 171-169].

ومتى ما تركت الامة الجهاد ركنت إلى الدنيا وملذاتها تأصل الجبن فيها وتسلط عليها الأعداء، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - »اذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم« فالامة مدعوة لاعداد العدة لجهاد اعداء الله الذين لا يعرفون الا منطق القوة الذين لا يقيمون وزنا للضعيف الذي هو محل تنفيذ مطامعهم وكلما وجدوا فرصة انقضوا عليه، وهولاء لا يردعهم الا رفع راية الجهاد لدحر كيدهم وصدهم عن غيهم، ومن اقام الجهاد في سبيل الله فقد احيا فريضة من فرائض الله وله الرضى من الله والتأييد والنصر، وسينال احدى الحسنيين اما النصر والتمكين او الشهادة في سبيل الله ونيل الدرجات العالية في الجنة في منازل الشهداء، نسأل الله ان يهيئ للمسلمين سبل رفع علم الجهاد وان يعلي كلمة التوحيد ويعز الاسلام والمسلمين ويهزم أعدائهم.



تاريخ النشر 02/02/2009 





الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127