الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

الإنفاق في سبيل الله - الشيخ عبد الرحمن بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



الإنفاق في سبيل الله 

 

عبد الرحمن بن ندى العتيبي

هنيئاً لمن منحه الله طيب النفس وسجية الكرم، ووفقه إلى الإنفاق في سبيل الله في أعمال البر، ومما أمر الله به من الأعمال الخيّرة الصالحة الإنفاق في سبيله، قال تعالى *وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ* -[النور-33].

فالمال عارية عندكم والله يراكم ماذا تعملون به، فمن أنفقه في الواجبات والمستحبات أفلح وربح، قال تعالى*وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَنَ* [البقرة-272]، ومن ينفق في سبيل الله فنفقته مخلوفة عليه، عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أنفق يا ابن آدم ينفق عليك" [رواه البخاري ومسلم].


ما ينفق في سبيل الله يبقى


من أراد زيادة رصيده في الآخرة وحفظ أمواله حتى يجد ثمرتها في الدنيا وثوابها في الآخرة فعليه بالإنفاق في سبيل الله، قال تعالى *وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً* -[المزمل-20]، وسمى الله النفقة في سبيله بالقرض، قال تعالى *وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً* [المزمل-20]، ومعلوم أن القرض إذا أعطي لمن هو ثقة فهناك ضمان بأنه سيرده إلى صاحبه، وكذلك الصدقة فإنها ستعود بالبركة على المال في الدنيا وسيجد ثوابها في الآخرة.

عن عائشة- رضي الله عنها- أنهم ذبحوا شاة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما بقي"؟، منها قالت: ما بقي منها إلا كتفها، قال:"بقي كلها إلا كتفها" [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح].

مضاعفة الأجر لمن أنفق في سبيل الله فأجره يتضاعف، قال تعالى *مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ* [البقرة-261]، وهذه الصدقة ينميها الله حتى يجد صاحبها ثوابها يوم لقاء ربه، قال تعالى *يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ* [البقرة-276]، فإذا تقبلها الرحمن الرحيم عظم أجرها، قال صلى الله عليه وسلم "فإن الله يتقبلها ثم يربيها لصاحبها حتى تكون مثل الجبل" [متفق عليه].


أنواع النفقة في سبيل الله


النفقة منها ما هو واجب كالنفقة على الوالدين والزوجة والأولاد، عن أبي إمامة صدي بن عجلان- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وابدأ بمن تعول" [رواه مسلم]، ومن النفقة الواجبة إخراج الزكاة في الأموال والأنعام والزروع، ومن النفقة ما هو مستحب كالصدقة الجارية وهي (الوقف) الذي هو حبس الأصل وبذل المنفعة، قال صلى الله عليه وسلم "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" [رواه مسلم]، ومما يؤجر عليه وهو من الصدقة مساعدة الفقير والمسكين وبناء المساجد فإن من بنى مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة، ومن الصدقة السعي على الأرملة واليتيم، وحفر الآبار لسقيا المسلمين، ونشر الكتب الإسلامية، وإعانة طلبة العلم والدعاة إلى الله، والصدقة على المجاهدين في سبيل الله ففي الحديث "من جهز غازيا فقد غزا"، ويدفع لهم من الزكاة لقوله تعالى (وفي سبيل الله) [التوبة- 60].

أخبرني مسؤول في إحدى اللجان الخيرية أنه تقدم إليه متصدق وأعطاه مبلغاً كبيراً من المال وقال له وزع هذا المال على جميع الأعمال التي تقومون بها.

وهذا تصرف حسن فما أجمل أن يكون لك في كل عمل خيري نصيب فمن يستطيع أن يفعل ذلك فليبادر وينال من كل عمل خيريته وبركته وثوابه ولنحرص على الإنفاق في الوجوه التي تساعد على نشر العقيدة الصحيحة، وأن تصل الأموال إلى مستحقيها ومن يستعينون بها على عبادة الله وفق الكتاب والسنة.


ما يشترط لتقبل الله لما ينفق


1- الإسلام، وهو شرط لكل عمل، قال تعالى *وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ* [التوبة-54].

2- الإخلاص فيجب أن تكون لله وليس لطلب سمعة أو شهرة.

3- لا بد أن تكون النفقة في عمل أمر به الشرع لو أن أحداً قال سأقوم بعمل خيري سوف أبني مدرسة لتعليم العزف والغناء، قلنا له هذا ليس من العمل الخيري ولا تؤجر عليه لأنه لم يأمر به الله وهو لا يعين على طاعة الله، ومن يعمل ذلك يسعى بالإفساد والصد عن ذكر الله وهو آثم، ويجب على مثل هذا أن يعرف الأعمال التي فيها قربة إلى الله حتى ينفق ماله فيها.

ما يراعى عند الإنفاق


1- عدم إتباعها بالمن والأذى، قال تعالى *ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى* [البقرة-262]، فينبغي أن ينسى ما يبذل والأجر وقع على الله.

2- طيب النفس في دفعها ورجاء ثوابها فإن الموفق من وفقه الله بالاستمتاع بالإنفاق في سبيل الله وشعوره بأنه في غنم لا غرم.


الثروة والورثة


عجب لمن يملك أموالاً كثيرة ولا يقدم منها لنفسه في الآخرة فهذا حرمان الورثة لو ترك لهم نصف ماله فسوف يستمر معهم الثراء، وبعض الورثة يستمتع بالإرث وينسى المورث فلا يتصدق عنه ولا يدعي له، فليغتنم الفرصة من لديه أموال كثيرة فلينفق منها في سبيل الله حتى يجده أمامه، وله أن يوصي بالثلث من ماله في سبيل الله، وعن ابن مسعود- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟، قالوا: يا رسول الله ما منّا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر" [رواه البخاري].


أيهما أفضل صدقة السر أم الجهر؟


تختلف الأفضلية بحسب المقام فتارة يكون الجهر بها أفضل وتارة يكون السر أفضل، فإذا كان في الجهر تشجيع للآخرين حتى يقوموا بالاقتداء به وبذل المال فالجهر أفضل، وإن كان يخشى على نفسه الرياء ويرغب في تربية نفسه على الإخلاص فالإنفاق بالسر أفضل، وعن النبي صلى الله عليه وسلم "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمنيه".

وهذا المنفق سراً يجعل الله له ظلاً يوم القيامة والمنفق في سبيل الله مأجور في جميع الحالات، قال تعالى *الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ* [البقرة-274].


الدعاء بالبركة للمنفق في سبيل الله


كم نُسرُّ عندما نرى من ينفق في سبيل الله من المسلمين والمسلمات أصحاب الأعمال الخيرة، الذين يقومون بشكر نعمة الله عليهم لأن الشكر يزيدها *لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ* [إبراهيم-7]، ومن أنفق من ماله في سبيل الله حتى الملائكة تدعو له بالبركة في ماله، عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً" [متفق عليه].

فلنحرص على الإنفاق في سبيل الله ولنتثبت في وصول النفقة إلى مستحقها وأنها في عمل يحبه الله ويرضاه وأن نفعها يعود إلى مستحقها وأنها في عمل مشروع وأن نفعها يعود على المسلمين جعلنا الله من المنفقين في سبيله وبارك الله لنا ولكم فيما رزقنا وجعله خيراً لنا في الدنيا والآخرة.



تاريخ النشر 19/01/2009 





الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127