الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

فوائد علمية وآداب إسلامية (16) الشيخ عبد الرحمن بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



فوائد علمية وآداب إسلامية (16) 

 

عبد الرحمن بن ندى العتيبي


الحمد لله وبعد: نكمل ما سبق ذكره من فوائد علمية وآداب اسلامية:


-46 (من عبد الله ولا يشرك به شيئا ويعمل بأركان الاسلام يدخل الجنة ويباعد عن النار):


عن معاذ بن جبل قال: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير فقلت يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: لقد سألتني عن عظيم وانه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل، قال: ثم تلا ?تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم - حتى بلغ - يعملون? ثم قال: ألا أخبركم برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه: قلت: بلى يا رسول الله قال: رأس الأمر الاسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد. ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله، قلت بلى يا رسول الله، قال: فأخذ بلسانه، قال: كف عليك هذا. فقلت: يا نبي الله وانا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، الا حصائد ألسنتهم». [رواه الترمذي] وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه النسائي وابن ماجه وأحمد وحسنه الألباني في الارواء.


معاذ بن جبل ابتعثه النبي صلى الله عليه وسلم داعية الى اليمن ليعلمهم الاسلام، ومما ورد في فضله «معاذ يسبق العلماء برتوة» وكان عالما بالحلال والحرام، وهذا الحديث يدل على حرص الصحابة رضي الله عنهم على تعلم العلم النافع ومعرفة الخير ليعملوا به ومعرفة الشر ليجتنبوه، وهم نقلوا العلم للأمة والاعتراف بفضلهم من الايمان وبغضهم علامة على النفاق فرضي الله عنهم أجمعين.


بيان معاني مفردات الحديث وشرحها:


(تعبد) تتذلل له بالعبادة حباً وتقرباً وتعظيماً، فبالمحبة تفعل الطاعات، وبالتعظيم تترك المعاصي.


(أبواب) مسالك أو مسائل، في هذا الباب يعني المسألة ويجوز المقصود الباب المعروف الذي منه الدخول والخروج.


(الصوم جنة) مانع يمنع صاحبه في الدنيا والآخرة في الدنيا يمنعه من الشهوات والوقوع في المحرمات، ولذلك من صام قال عند مسبته (اني صائم) فالصوم منعه من شتم الآخرين وفي الآخرة الصوم جنة لأنه يقيك من النار.


(وصلاة الرجل) معطوفة على الصدقة أي كما أن الصدقة تطفئ الخطيئة فكذلك الصلاة في جوف الليل تطفئ الخطيئة، فمن يقم من الليل ويترك لذة النوم ليتقرب الى ربه للعبادة فان عمله يمحو السيئات عنه ويجلب له رضا الرب تبارك وتعالى، قال تعالى ?وكانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون? [الذاريات: 18-17]


(ثكلتك أمك) فقدتك أمك وليس المقصود هو الدعاء على معاذ وانما هذه عبارة كانت تستعملها العرب عند التعجب والتنبيه على شأن أمر ما.


(رأس الأمر الاسلام) الأمر الذي خلق لأجله.


(عمود الاسلام) الصلوات وعمود الخيمة ما تقوم عليه.


(ذروة سنامه) الذروة أعلى الشيء، وبالجهاد يعلو الاسلام.


ما يستفاد من الحديث:


-1 علو همة معاذ بن جبل حيث يسأل عن أمور الآخرة وليس عن أمور الدنيا.


-2 اثبات الجنة والنار.


-3 العمل يدخل الجنة ويباعد عن النار لقول الصحابي (بعمل يدخلني الجنة) والباء لها معنيان، تارة للسببية وتارة للعوض، فنقول بعت عليك الكتاب بدرهم، الباء هنا للعوض، وتقول: أكرمتك باكرامك اياي، الباء هنا للسببية، والباء في (بعمل) للسببية وليس للمعاوضة، وما يقدمه الانسان من عمل لله ما ينال عليه من جزاء من الله فهو من كرم الله وفضله، ولو كانت المسألة بالمعاوضة لكانت نعمة من نعم الله على العبد تقتضي على كل ما عمل، فالعمل سبب لدخول الجنة والمباعدة عن النار.


-4 سؤال معاذ سؤال عظيم وهو سر الحياة فكل موجود غايته اما الجنة واما النار.


-5 أنه يسير على من يسره الله عليه وان كان عظيما.


-6 ينبغي أن يسأل الله التيسير فمن لم ييسر الله له يصعب عليه أي شيء.


-7 أغلى المهمات وأعظم الواجبات عبادة الله وحده.


-8 حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في التعليم حيث يأتي بما لم يتضمنه السؤال ولكنه ينفع السائل.


-9 الحث على الصدقة ببذل المال في سبيل الله والعناية بالفقراء والمساكين.


-10 فضل صلاة الليل والحث عليها لأنها سبب لمغفرة الذنب وقوة الايمان.


-11 الاستشهاد بالآيات يشترط له الاستفادة كما في الحديث وتكون الاستعاذة عند تلاوة القرآن لقوله تعالى (واذا قرأت القرآن فاستعذ بالله).


-12 التعليم بالقول والفعل لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا.


-13 ملاك الأمر كله (كف اللسان، وبيان خطورته وما يصدر عنه من كلام يغضب الرب، وأن اللسان قد يكون السبب في الوقوع في النار).


أغلب هذه الفوائد المستنبطة من هذا الحديث كتبتها عند سماعي لشرح الحديث وذلك عند حضوري لآخر دورة علمية أقامها شيخنا محمد العثيمين رحمه الله، والحديث يشتمل على معان عظيمة وقد اختصرت في شرحه لينضم مع عقد ما نكتب من فوائد علمية وآداب اسلامية وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح.



-47 السلف الصالح يتفكرون فيما يجري لهم ويربطون ذلك بالآخرة



تجري الأقدار على بني آدم فيتقلب ما بين صحة ومرض، وغنى وفقر، وسعة وضيق، وقليل من البشر من يقف ويتأمل ما يجري له ويربط ذلك بالآخرة كما يروى أن أحد السلف كان لا يملك من الدنيا شيئا، وكان منصرفا الى العبادة وطرح الدنيا واذا رأى الفاكهة تباع وعلم أنه لا يقدر على ثمنها قال لنفسه: اجتهدي في العبادة وموعد الفاكهة في الجنة باذن الله.


العابد الفضيل بن عياض يضطر لأكل الميتة


قيل إن الفضيل بن عياض رحمه الله اضطر في احدى المرات الى أكل الميتة، فوقف على بعير يأكل منه، وكان في الجانب الآخر كلب يأكل من البعير فنبح الكلب على الفضيل، قال الفضيل: ابتعد عني أيها الكلب فانني أفضل منك ان جعلني الله من أصحاب الجنة، وان كنت من أهل النار فأنت أفضل مني، هكذا نظرة السلف الصالح للدنيا التي يجتمع على طلب شهواتها الانسان والحيوان، الفضيل بن عياض قدوة في الزهد والعباد وكان معتكفا للعبادة في الحرم ليضاعف له الأجر ويسلم من الاثم والوزر ومع ذلك يقلل من شأن نفسه ويبعد عنها العجب والغرور، فالجنة والنار حق والأمر بيد الله وهو الذي يعلم الصادق من الكاذب، الفضيل بن عياض انقطع للعبادة وشهد له بذلك عبد الله بن المبارك عندما كان يحثه على الجهاد وقال له ابن المبارك:



يا عابد الحرمين لو أبصرتنا


لعلمت أنك في العبادة تلعب


من كان يخضب خده بدموعه


فنحورنا بدمائنا تتخضب



رحم الله الفضيل بن عياض ورحم الله عبد الله بن المبارك ورحم الله سائر الموحدين، وقد كان بين سلفنا الصالح التنافس في عمل الخيرات والاجتهاد فيها حتى صفت نفوسهم وصلحت أعمالهم وأقوالهم حتى أصبحوا قدوة لمن بعدهم.


نسأل الله حسن الخاتمة والتوفيق لما يحب ويرضى.



تاريخ النشر 29/12/2008 




الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127