الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

مسح الركنين اليمانيين لبيت الله الحرام لا التمسح ببيوت الموتى والقبور - الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



مسح الركنين اليمانيين لبيت الله الحرام لا التمسح ببيوت الموتى والقبور 

 


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أما بعد:


إن الكلام في بعض المسائل لا يكون إلا بالتعريف بدين الإسلام و ما يناقضه، وتوضيح أصول الاحتجاج فلا حجة إلا في الأصلين؛ كتاب الله والصحيح الثابت من سنة نبيّه، قال تعالى: {إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}[هود: 17]، أما أفعال الخلق فلم يجعلها الله حجة على خلقه، قال تعالى:{وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} -[الأنعام: 116].


الإسلام هو عبادة الله وحده لا شريك له


قال الله تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ} -[الزخرف: 45]، لقد حمل النَّبِي صلى الله عليه وسلم راية التوحيد كما حملها أنبياء الله ورسله من قبل، وبدأ الدعوة إلى الإسلام، فقام بهدم مظاهر الشرك ونبذ أهله، حتى استوى له الأمر على عوده، قال تعالى على لسان نبيه: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}-[الأنعام:161- 163]، ولم يتقرب إلى الله خلال دعوته التي امتدت إلى ثلاثة وعشرين عاماً باتخاذ قبر واحد لأحد السابقين الصالحين أو من صحابته المرضيين للتبرك [حاشاه من ذلك]؛ وفقد بعض أصحابه الذين صدقوا دعوته ونصروا دينه في غزوة بدر، وغزوة أحد، والغزوات الأخرى فلم يضرب القباب على قبورهم، وكان فيهم سيد الشهداء وعم رسول الله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه؛ لم يتخذ من قبره مزاراً تشد له الرحال للتمسح والتبرك، لكي يقتدي بفعله الصحابة، ولتكون سنة وشرعاً للمسلمين، وكذلك لم يجعل لابنه إبراهيم قبراً مُزيناً بقبة كبيرة تكسوها أطنان الذهب والحلي من كل جهة.


عباد الله! لم يكن هذا دين محمد صلى الله عليه وسلم ولم يأمره ربه بشيء من هذا، بل كان أمراً في كتابه العزيز الأمر بالقضاء على كل وسيلة تؤدي إلى الشرك بالله، ولذلك وجدنا الإسلام صافياً نقياً في ذلك العهد، بعيداً عن الشوائب والخرافات على الصراط المستقيم، وتلقيناه كما جاء من عند رب العالمين، حتى ظهور الأهواء والبدع، فقالوا في الإسلام قولا زوراً، قال تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا}-[المجادلة: 2]، وأدخلوا على المسلمين معتقدات وعبادات ما أنزل الله بها من سلطان، وأحدثوا في دين الله ما ليس منه.


إخلاص الدين لله وحده


إن حكمة وجود المخلوقات بدءاً من الأنبياء والمرسلين وغيرهم في هذا الكون، هو توحيد الله؛ وعبادته وحده لا شريك له، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}-[الذاريات: 56]، وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ}-[النحل: 48]، وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ}[الحج:18]، وفي قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ}-؛أي: من الملائكة في السماوات العلا، والحيوانات في جميع النواحي والجهات، من الإنس والجن والدواب والطير، وقال أيضا: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [النور: 41]، وقال تعالى: -{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44].


الدعوة إلى المحافظة على حقوق القبور


فيما سبق من آيات تبيَّن أن كل المخلوقات في هذا الكون قد صرفت العبادة لله وحدة، وذكر الله سبحانه منها الشمس القمر التي كان يعبدها المشركون، فلم تصرف شيئا من العبادة للقبور والأولياء، وكذلك جاء ذكر النجوم والجبال الشامخة، والتي ظلت في شموخها، فلم تنحن لملك مقرب أو نبي مرسل، ولا عرفت ما ادَّعاه بعض الناس من حقوق لقبور الأولياء والصالحين في الطاعات والقربات. وفي قوله: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ }؛ أي: أن كثيراً من الناس هم في مسألة جعل الدين كله لله، وتوحيد الله وعبادته؛ كباقي المخلوقات، يعبدونه وحده لا شريك له، وقوله: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ}؛أي: يخبر ربنا سبحانه وتعالى عن تلك الفرق والطوائف التي تصرف الناس عن عبادة الله وحده، و ما ابتدعوه من دعوة إلى المحافظة على حقوق القبور ومشاركتها لله في أفعال العباد والعياذ بالله.


الأنبياء لم يشاركوا الله في الألوهية والربوبية


لا ينبغي للأنبياء والمرسلين أن يشاركوا الله في حقوقه، فضلا عن من دونهم، ولا يجوز أن يُصرف شيءٌ من الطاعات والقربات لأفضل خلقه، ولذلك فإنه لا يخفى على مسلم ما لرسول الله (محمد صلى الله عليه وسلم) من مكانة عَلِيَّة عند ربِّه، وما جعل له واختص به من الفضائل التي لَم تكن لأحد من الخلق قبله وبعده، ومع ذلكم الاختصاص؛ فليس له ولا لأحد من خلقه الحق في مشاركة الله في الألوهية والربوبية، ولا ينبغي لأحد أن يعتقد بانقطاع العلاقة مع الله لموت أحد من خلقه، ونبَّه على ذلك بقوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}[آل عمران: 144]، وهذا ما فهمه أصحابه الذين عرفوا التوحيد الخالص وصدقوا المرسلين، فقد روى البخاري (1242، 3670، 4454) في صحيحه من طريق أبي سلمة، أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات، وفي الحديث... فقال أبو بكر: أما بعد: ألا من كان يَعْبُدُ محمداً صلى الله عليه وسلم؛ فإن محمداً قد مات، ومن كان يَعبُدُ الله؛ فإن الله حي لا يموت، وقال: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}، وقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}[آل عمران: 144]، فبينت الآيات أن التوحيد والعبودية الخالصة لا تتوقف لموت أحد، وليس لمحمد صلى الله عليه وسلم حقٌ فيها، كما لم تكن حق للأنبياء قبله، بل هي لله الواحد القهار الحي الذي لا يموت، ولذا قال تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ}[الزمر: 30-31]، فكل المخلوقات تنتهي، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام؛ فهو المستحق وحده، والمتفرد بخصائص الألوهية والربوبية، تجتمع المخلوقات لديه يوم القيامة؛ فدعاة التوحيد وأهل الحق يخبرون ربهم أنَّهم بلَّغوا التوحيد، وحذروا من الشرك و وسائله المفضية إليه، ويحتج المكذبون ويعتذر المعرضون؛ باتباع الآباء والمراجع والأولياء والاغواء. والحمد لله رب العالمين.


الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي



تاريخ النشر 03/08/2009 


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127