الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

فوائد من حديث «جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» الشيخ عبد العزيز بن ندَى العتيـبيي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



فوائد من حديث «جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» 

 


د/عبد العزيز بن ندَى العتيـبيي


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين؛ أما بعد:


روى مسلم في صحيحه (8) من حديث عمر رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا»، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره»، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة؛ رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان»، ثم انطلق، فلبثت ملياً ثم قال: «يا عمر! أتدري من السائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم».


حديث أم السنة


وهذا حديث عظيم القدر جمع الأعمال الظاهرة والباطنة وكذلك إليه تعود جميع شرائع الإسلام لما جمع من معاني علم السنة فهو كالأم للسنة كما سميت الفاتحة: أم القرآن لما حوته من جمع معاني القرآن.


-1 لم يتفق الشيخان على إخراجه من طريق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وانفرد مسلم بروايته في صحيح عن عمر .


-2 رواه البخاري (50، 4777)، ومسلم (9، 10) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه فاتفقا على روايته من طريق أبي هريرة .


? قوله:«بينما» ويجوز بينا بلا ميم، والأصل بين الظرفية: وفي بينا زيدت عليها الألف لتكفها عن عملها الخفض، أو يزاد عليها «ما» ويعرب ما بعده مرفوع على الابتداء، وقيل أصل بينا بينما فحذفت الميم. و«بينما»: ، والأصل أن بين مضافة إلى أوقات، وأوقات مضافة بدورها إلى الجملة بعدها فحذفت هذه الأوقات وعوض عنها بـ«ما» فأصبح معنى: «بينما كذا»:أي؛ بين أوقات كذا.وتقدير قوله: «بينما نحن جلوس»: أي؛ بين أوقات جلوسنا.


? قوله: «نحن» اسم؛ والأسماء تنقسم في ذلك على ثلاثة أقسام اسمٍ ظاهرٍ ومضمرٍ ومبهمٍ .


و«نحن» من الأسماء المضمرة تستعمل للجمع والمثنى وللواحد المعظم نفسه، قال تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر: 9]، والأسماء المضمرة كلها معارف؛ بل هي أعرف المعارف، والذي يدل على أن الضمائر أعرف المعارف أنها لا تفتقر إلى أن توصف، ولأنها توصل إلى معنى مراد بلا اشتراك في الدلالة عليه، ومثاله: «أنا»: فإنها اسم مضمر للمتكلم ويعني واحداً وذاتاً محددةً لا يشترك فيها اثنان .


? «بينما نحن جلوس» «جلوس»: قال ابن منظور في اللسان: الجلوس: القعود. جلس يجلس جلوسا ، فهو جالس من قوم جلوس وجلاس، وأجلسه غيره. والجلسة: الهيئة التي تجلس عليها، بالكسر على ما يطرد عليه هذا النحو، وفي الصحاح: الجلسة الحال التي يكون عليه الجالس، وهو حسن الجلسة اهـ


ومن الجلوس ما هو محرم ومنه المباح والمستحب والواجب


1- الجلوس المحرم: مجالس الغيبة والنميمة والمعاصي، ومجالس البدع والكفر ، قال تعالى:{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:68]، وقال تعالى: {قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا}[النساء:140]، قال ابن جرير الطبري في التفسير (4/328): وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كل نوع من المبتدعة والفسقة عند خوضهم في باطلهم. وبنحو ذلك كان جماعة من الأئمة الماضين يقولون تأولاً منهم هذه الآية؛ أنه مراد بِها النهي عن مشاهدة كل باطل عند خوض أهله فيه . وروى الإمام أحمد في المسند (3/339)، والترمذي (2801) في السنن من حديث جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر». وهو حسن بالشواهد والمتابعات.


3- الجلوس المباح يستفاد من الحديث أن الأصل في الجلوس والاجتماع والمخالطة الإباحة.


4- الجلوس المستحب: استحباب الاجتماع والجلوس للفائدة، والازدياد في العلم ومعرفة فروض الكفاية .


5- الجلوس والواجب: ويكون الجلوس والاستماع واجب على المكلف إذا كان العلم من فروض الأعيان واجبات الدين؛ كتعلم الشهادتين والصلاة والصوم.


5- يستفاد من مجالسة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم الاجتماع للعلم ومذاكرته .


آداب الجلوس:


1- على الجلساء أن يختاروا مكاناً بعيدا عن طريق الناس وأماكن حاجتهم لما روى مسلم في صحيحه (269) من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا اللعانين»، قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم».


2- رواه البخاري(2465)، ومسلم (2121) في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والجلوس في الطرقات»، فقالوا: ما لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: «فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها»، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر».


3- ومن الآداب ما رواه البخاري(911)، ومسلم (2177) في صحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه».


4- روى أحمد في المسند (2/213)، وأبو داود(4845)، والترمذي(2752) في السنن من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل للرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما» . وفي رواية لأبي داود(4844): «لا يجلس بين رجلين إلا بإذنهما».


5- روى أحمد في المسند (2/494)، والترمذي (3433) في السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جلس في مجلس؛ فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم! وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك».


والحديث صحيح وله شواهد منها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أبي داود في السنن(4857)


ونتابع في أعداد قادمة الفوائد والتعليقات



تاريخ النشر 06/07/2009 


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127