الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

ما المنهاج والمنهج؟! (12) الشيخ عبد العزيز بن ندَى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



ما المنهاج والمنهج؟! (12) 

مرحلة استقرار العلوم الشرعية 

 

بعد تعريف المنهاج والمنهج، وبيان ستة أصول تعين على ضبط المنهاج وإدراكه، وما تلاه من الكلام على تاريخ ونشأة العلوم والفنون الشرعية بحثاً عن هوية المنهاج؛ نكمل الحديث ورحلة البحث عن هذه الهوية.


هل هو أحد العلوم الشرعية أو كتاب يدرس في الحلق العلمية أم ماذا؟!


لقد استقر الأمر بعد مرحلة التدوين والتصنيف على التوجه إلى تسهيل فهم الدين ومعرفة شرائع الإسلام، فظهرت كتب اصطلح على تسميتها بكتب «العقيدة»، وكتب «الفقه»، وكتب «التفسير»، وكتب «شروح الحديث وعلومه»، تحوي علوماً كلاً منها يُدرس على حدة، وله أهله المتخصصون من علماء وطلاب علم. وبعد مرحلة زمنية برز جدُّ الناس واجتهادهم في سبيل العلم والمعرفة، فكَثُرت العلوم والفنون:


أولا: علوم اصطلح على تسميتها بعلوم الآلة:


وهي وسيلة لفهم العلوم الأخرى ومنها:


1- علوم اللغة العربية كالنحو والصرف والبلاغة..


2- علوم الحديث، وفنونه المختلفة ككتب الرجال والطبقات وتواريخ البلدان...


3- أصول التفسير


4- أصول الفقه، وغير ذلك من الفنون والوسائل التي تعين المبتدي وتفيد المنتهي لفهم العلوم الشرعية التالية:


ثانياً: العلوم المشهورة:


(1) العقيدة.(2) الفقه [ العبادات والمعاملات].(3) تفسير كلام رب العلمين.(4) دراسة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم سنداً ومتناً.(5) الأخلاق والسلوك. كما في الكتب المصنفة في الآداب والأخلاق والزهد، ومنها:


1- كتاب الآداب، وكتاب الاستئذان في صحيح البخاري. 2- والأدب المفرد لمحمد بن اسماعيل البخاري. 3- والأدب لابن أبي شيبة.4- وكتاب «أخلاق العلماء»، و«أدب النفوس» للآجري. 5- وكـتاب «أخلاق النبي وآدابه»، و«التوبيخ والتنبيه» لأبي الشيخ الأصبهاني. 6- وكتاب «الشمائل» لأبي عيسى الترمذي.7- وكتاب الآداب للبيهقي.


8- وكتاب الزهد لعبد الله بن المبارك، والزهد لوكيع بن الجراح، والزهد لأحمد بن حنبل، والزهد لهناد بن السري.


لا يوجد في حلق العلماء والمشايخ


حلق علمية تُسمى «علم المنهاج»


وبعد البحث بتتبع واستقراء العلوم التي يتناولها الطلاب في الحلق العلمية على أيدي العلماء والمشايخ وطلبة العلم، لا نجد علماً اصطلح عليه تسميته بـ«علم المنهاج أو فن المنهج»، فلا هو بالذي وجدناه في قائمة «علوم الآلة»؛ - علوم وسيلة لفهم العلوم الأخرى-، وكذلك لم نقف على ذكره في قائمة العلوم والمعارف المشهورة.


وهل وقفت على «كتاب المنهاج»


و«باب المنهاج» في كتب الحديث؟!


وكذلك عند النظر في كتب السنة التي جمعت الأحاديث والأخبار الصحيحة المنسوبة لخير البرية، لا يوجد فيها كتاب اسمه «كتاب المنهاج»، ولا باب اسمه «باب المنهاج»، - حسب ما وقفت عليه - رغم ما نراه من جهود قد بذلت للاستنباط من النصوص الشرعية؛ والآيات والأحاديث النبوية الصحيحة، وكثرة التبويب للدلالة على معنى في الآية أو فائدة في الحديث.


وأما ما نقف عليه من كتب؛ كـ(كتاب السنة لأحمد)، وابنه عبدالله، وكتاب السنة للبربهاري، وابن البناء، والإبانة الصغرى والكبرى لابن بطة، وكتاب المحجة، واعتقاد أهل السنة للالكائي، فهي كتب متعلقة بمسائل الاعتقاد.


أين نجد المنهاج وكيف نقف على المنهج؟!


وللإجابة عن هذا السؤال نقول:


إن المنهاج ما هو إلا ملكة علم ومعرفة، وملكة فهم وقدرة على النقد، نتيجة تلقي مادة علمية صافية نقية، يوفق إليها العبد المسلم بعد الاطلاع على الأدلة الشرعية الداعية للاتباع والامتثال والتمسك بها، ونبذ التقليد ومعاداته، والرد عند التنازع والخلاف إلى كتاب الله وسنة رسوله، والإتباع المطلق لسنة النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم أصحابه وأَتْبَاعِهِ وسلوك طريقه وسبيله. ونُذَكِّرُ اختصاراً لما سبق شرحه وتفصيله:


المنهاج ملكة فهم وقوة علمية وقدرة نقدية تكونت بالآتي:


* ملكة الاتباع: ويكون بترويض النفس على التجرد للامتثال واتباع الكتاب والسنة، وذلك وفق الاستطاعة؛ حتى تصبح ملكة لا تنفك عنه، عند تعاطي أمور الدنيا والآخرة.


* ملكة عدم التقليد: بالتجرد الكلي لله تعالى، وعدم التقليد ونبذه بأنواعه في الصغير والكبير؛ حتى لو بلغ الأمر مخالفة الاباء والأجداد، فصار عدم التقليد ملكة موجودة عند التعامل بأمور الدنيا والآخرة.


* ملكة الرد عند النزاع: لا بد من معالجة النفس عند الخلاف والنزاع، فلا تعرف إلا الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله؛ حتى أصبحت ملكة الرد حاضرة عند النزاع.


* ملكة تعظيم حدود الشرع: إن تعويد النفس على عدم الغلو في الدين ومجاوزة الشرع، تجعله مع الأيام ملكة لا تنفك عن الدين عند العمل بأمور الشرع في الدنيا والآخرة.


* ملكة تقديم النقل في كل حال: معرفة قيمة النقل وتقديمه في كل الأحوال على العقل، حتى يصير أمراً مسلماً به في حياة العبد؛ تخلق ملكة خاصة تتناول بها نصوص الشرع.


وبتكون هذه الملكة ونقدها لمقالة شيخ مكتوبة، أو قول مثقف مسموع، أو تأثير مشهد مرئي، تكون الخلاصة والنهاية؛ هي الخروج بنتيجة صافية غير مشوبة.


المنهاج ملكة فهم وقوة علمية وقدرة نقدية


تتكون ملكة فهم وقوة علمية وقدرة نقدية عند الإنسان بعد الأخذ بالأصول والضوابط الستة التي تم تقدم ذكرها فيما سبق، فعند التعرض لسماع أحد المتكلمين، أو قراءة كتاب أو مشاهدة رأى لأحد المتحدثين، فمهما كانت المادة المسموعة والمقروءة والمرئية، تحمل من بيان الكلام، وزخرف القول، والحشو المنمق، تأتي رياح ملكة الفهم والمعرفة بالنقد والنبش والتفتيش على المسموع والمقروء والمرئي فما كان منه خيراً وجد قبولا، وما كان خلاف ذلك رُفِض وقذفت به الرياح بعيدا. قال تعالى: { فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ }[الرعد: 17].


المنهاج هو الوقوف على الحق


وبتكون هذه الملكة ونقدها لمقالة شيخ مكتوبة، أو قول مثقف مسموع، أو تأثير مشهد مرئي، تكون الخلاصة والنهاية؛ هي الخروج بنتيجة صافية غير مشوبة.


المنهاج ملكة (علمية متجردة)


وحَكَمٌ على المقروء والمسموع والمرئي


المنهاج حكم على العقيدة:


يكون هذا المفهوم (المنهاج) مادة لإزالة الغشاوة عن الأعين، وسيفاً مصلتاً يذب عن دين الله، وحكما قائماً على العقيدة أثناء الدراسة والتعليم. حيث تكون روح النصوص الشرعية التي تنادي بالاتباع والامتثال حاضرة إبان تعلم العقيدة، والأدلة التي تنهى عن التقليد قائمة حين تعلم العقيدة، والرد إلى الكتاب والسنة موجوداً عند المسائل الخلافية في العقيدة.


وبوجود تلك الملكة العلمية، هذه الشخصية الحاضرة التي تحمل هذه القواعد؛ يعتقد المتعلم ما أراد الله منه أن يعتقد، ويعتقد من الإيمان والإسلام والإحسان ما يحبه الله ويرضاه، ولهذا لن يحصل انحراف في العقائد بإذن الله عند المتعلمين من طلاب العلم وغيرهم.


المنهاج حكم على الفقه


وعند دراسة وتعلم الفقه يكون منهج الاتباع، والامتثال مع الاستطاعة، وعدم التقليد، والرد عند التنازع إلى الكتاب والسنة، وطرح الآراء وما استحسنه العقل؛ سبيلاً وطريقاً ومنهجاً، وحكماً على ما يُتَعَلَّمُ ويناقش من مسائل العبادات والمعاملات وغيره، فلا ينتصر لأحد دون أحد، ولا يقول بقول دون آخر، ولا يقول في مسألة ولا يحرر فهماً وفقهاً بلا دليل شرعيٍّ صحيح واضحٌ بَيِّنٌ الدلالة.


المنهاج حكم على التفسير


وكذلك المنهاج حكم على علوم القرآن وتفسيره


المنهاج حكم على الأخلاق والسلوك:


إن استحضار الاتباع والامتثال مع الاستطاعة، وعدم التقليد، والرد عند الخلاف إلى الكتاب والسنة، وتقديم المنقول على رأي أهل السلوك وقصص الزهاد؛ هو المنهج الحاكم على السلوك والأخلاق، والملكة التي تيسر الطريق إلى الحق.فقد كان الشرع خلق النبي صلى الله عليه مسلم، لِما رواه مسلم في صحيحه (746) من حديث عائشة رضي الله عنها، قيل لَها: يا أُمَّ المؤمنين! أنبِئِيني عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ألست تقرأُ القرآن؟ قُلتُ: بلَى، قالت: فإن خُلُق نبي الله صلى الله عليه وسلم؛ كان القرآن، و في روايةٍ لأحمد فِي المسند (4/278): فقالت: كان خُلُقُه القرآن.


انتشال الإنسان من عبودية وذُلِّ الأولياء والطرق والأحزاب


أما من لَم يمتثل ولَم يتابع كتاب الله وسنة نبيه، وأَخَذَ السلوك من أرباب ومشايخ السلوك، فإنه سيرى أنواعاً من الطقوس المسلكية؛ تَهوي به إلى الذُلِّ والخضوع والخنوع، والركوع والسجود، وتقبيل الأيدي والفروع، بدعوى التبرك بالمشايخ والأولياء، وهذا نزول وانحدار وحط من كرامة ابن آدم، الذي كرمه الله من فوق سبع سماوات، قال تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ }[الإسراء: 70]، وجاء الإسلام لتكريمه، وعزته، ورفعته، وقام بانتشاله من درن الشرك، وعبودية المشايخ، وذُلِّ الطرق والأحزاب.


د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي


تاريخ النشر 18/05/2009 


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127