الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

ما المنهاج والمنهج ؟! (11) الشيخ عبد العزيز بن ندَى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



ما المنهاج والمنهج ؟! (11) 

هل المنهج والمنهاج أحد العلوم الشرعية أم ماذا؟!! 

 

أُنزل هذا الدين على محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:{ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }[النحل: 44]، فهو الذي أوحي إليه دين الإسلام، ولم يوح إلى غيره، فأخذ به ودعا إليه. وكان المنهاج في العهد الأول قائم على التسليم التام بكل ما جاء في كتاب الله، وما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأفعال جملة وتفصيلا، وبلا تخصيص أو تسمية لبعض النصوص الشرعية دون غيرها.


تاريخ ونشأة الفنون والعلوم الشرعية


ونحن في رحلة البحث والتساؤل عن المنهاج والمنهج؛ هل جمعت دلالته ومفهومه في كتاب محدد؟ وهل كان فناً وعلماً خاصاً قائماً بذاته؟ وجب علينا دراسة وتتبع التاريخ الذي مرت به النصوص والأدلة الشرعية حتى استقرت علوماً مختلفة وأين موقع المنهاج منها؟


وتحريراً لهذه المسألة نقول: إن عوامل عدة، ومصالح كثيرة، كانت سبباً في ذهاب أهل العلم إلى تقسيم النصوص والأدلة الشرعية إلى مجموعة علوم شرعية، ولكثرة المصالح والأسباب؛ فلا نجد مجالاً في هذا المختصر لحصرها، ومحلاً لبسط القول فيها ولكن نذكر منها:


1- تسهيل فهم الإسلام وتعليمه وبيان الأهم فالمهم.


2- ظهور الفتن وإحداث البدع كبدعة الخوارج والقدرية.


إيجاد العلوم الشرعية ليس بدعة


إن جعل هذا الدين مجموعة من الفنون، وجملة من العلوم كل على حدة؛ جاء تبياناً لهذا الدين، وتسهيلاً على المسلمين، ودفعاً لشبهات المبتدعة والمنحرفين، ولا يعد ذلك الأمر إحداثاً وابتداعاً في الدين، وزيادة على ما كان عليه المسلمون في العهد الأول، وكيف يكون هذا الأمر مبتدعاً؟! وقد عمل الرسول صلى الله عليه وسل بِمثل هذا؛ عندما أرسل معاذَ بن جبل وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما إلى اليمن، لدعوة الناس إلى الإسلام، فقد روى البخاري (1458)، ومسلم (19) في صحيحيهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا بعث معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن قال: «إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه: عبادة الله».


- وفي رواية: «أن يوحدوا الله»، [توحيد الله].


- وفي رواية: «ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله»،


«فإذا أطاعوا لذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا؛ فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالِهم وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بِها؛ فخذ منهم، وتوق كرائم أموال الناس».


أولاً: بيان مباني الإسلام العظيمة


وتقديمها على غيرها من شرائع الإسلام


لقد بَيَّن النبي صلى الله عليه وسلم مباني الإسلام العظام، والتي كانت باباً لدخول الناس في الإسلام، وسبباً في عصمة الدماء والأموال، كما رواه البخاري (8)، ومسلم (16) في صحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بُنِيَ الإسلام على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، وحجِّ البيت، وصوم رمضان».


ثانياً: بيان أن الإيمان شعب كثيرة أعظمها الأعلى ودونه الأدنى


وذلك لما رواه البخاري (9)، ومسلم (35) واللفظ له في صحيحيهما من أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وستون شعبة؛ فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».


ثالثاً: وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يُبَيِّن


ويُفاضل، بحسب المقام وبحسب السائل


(1) أيُّ الأعمال أفضل؟


أجاب النبي صلى الله عليه مسلم في مقامٍ على أي الأعمال أفضل من غيرها، كما روى البخاري (2518)، ومسلم (84) في صحيحيهما من حديث عن أبي ذرٍ جندب بن جنادة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمان بالله، والجهاد في سبيله»، وروى البخاري (26)، ومسلم (83) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أفضل؟ فقال: «إيمان بالله ورسوله»، قيل ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قيل ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور».


(2) أي الأعمال أحب إلى الله؟


وفي مقام ومناسبة أخرى بيَّن وأجاب عن سؤال السائل عن الأعمال الأحَبِّ إلى الله، كما روى البخاري (527)، ومسلم (85) في صحيحيهما من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي الأعمال أحب إلى الله ؟ قال: «الصلاة على وقتها»، قلت: ثم أي؟ قال: «ثم بر الوالدين»، قلت: ثم أي؟ قال: «ثم الجهاد في سبيل الله».قال: حدثني بهن ولو استزدته لزادني. وفي بابه ما رواه البخاري (12)، ومسلم (39) في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم أيُّ الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لَم تعرف».


(3) أي الذنب أعظم عند الله؟


وكذا بين الذنب الأعظم والذي دونه، فقد روى البخاري (4477)، ومسلم (86) في صحيحيهما من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك»، قال: قلت له: إن ذلك لعظيم، قال: قلت: ثم أي؟ قال: «ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك»، قال: قلت: ثم أي؟ قال: «ثم أن تزاني حليلة جارك».


(4) أكبر الكبائر


وفي باب الكبائر بَيَّن وقَسَّم وحَذَّر من أكبر الكبائر، وجعل الشرك بالله أكبر كبيرة على الإطلاق، لما روى البخاري (2654)، ومسلم (87) في صحيحيهما من حديث أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» ثلاثاً، قالوا: بلى يا رسول الله! قال؛ «الإشراك بالله وعقوق الوالدين»، وجلس وكان متكئا فقال: «ألا وقول الزور»، قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته يسكت.


مرحلة جمع الأدلة والنصوص الشرعية


لقد وعد الله بحفظ دينه، وصون كل ما دل على شرائع الإسلام وبَيَّنَها فقال تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [الحجر: 9].


حفظ كلام الله تعالى:


1- كلام الله محفوظ: وكان الحفظ التام المعصوم لكلام الله، وجمع في مصحف واحدٍ في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأرسلها إلى البلدان والآفاق. فقد قال البخاري في صحيحه في كتاب العلم - باب ما يُذكرُ في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البُلدان-: وقال أنس: نسخ عثمان المصاحف فبعث بها إلى الآفاق. وروى موصولاً عند البخاري في فضائل القرآن (4988) من طريق ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه، أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين! أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصُّحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القريشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن؛ فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم فافعلوا، حتى إذا نسخوا الصُّحُفَ في المصَاحِفِ، رَدَّ عثمان الصُّحُفَ إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بِمُصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مُصحف أن يُحرق.قال ابن شهاب: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، سمع زيد بن ثابت قال: فَقَدْت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف؛ قد كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها، فالتمسناها، فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري { مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ }. فألحقناها في سورتها في المصحف.


القرآن سُوَرُه، وآياته، محفوظة من الله تعالى


لا يستطيع أحد أن يُبَدِّله، ولا يزيد فيه


قال الذهبي في سير أعلام النبلاء(10/171): أما القرآن العظيم؛ سُوَرُه، وآياته، فمتواتر ولله الحمد، محفوظ من الله تعالى، لا يستطيع أحد أن يُبَدِّله، ولا يزيد فيه آية، ولا جملة مستقلة، ولو فعل ذلك أحدٌ عمداً، لانسلخ من الدين، قال الله تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَوَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُوْنَ }[الحِجْرُ:9].اهـ


حفظ السنة


2- الأحاديث والآثار لرسول صلى الله علي وسلم: حفظ الصحابة رضي الله عنهم ما كان من قول وفعل وتقرير ووصف للنبي صلى الله عليه وسلم، وجمع الرواة وعلماء الحديث ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث على مراحل بدأت منذ عهده إلى أن استوت، وكان قمة الجمع والإجادة في القرنين الثاني والثالث، وأول من جمع عبد الملك بن جريج بمكة، ومحمد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب ومالك بن أنس بالمدينة، والربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة بن دينار بالبصرة، وسفيان الثوري بالكوفة، والأوزاعي بالشام، وهشيم بواسط، ومعمر بن راشد باليمن، وجرير بن عبد الحميد الضبي بالري، وعبد الله بن المبارك بخراسان، وكان هؤلاء في عصر واحد، وكان لموطأ مالك الشهرة والانتشار، وكثر التصنيف بعد ذلك في القرن الثالث؛ فمنهم من رتب على المسانيد؛ ويعد مسند الإمام أحمد الأكبر والأشهر، ومنهم رتبه على الأبواب كـ (صحيحي) البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، ومصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة، وهناك كتب كثيرة يصعب ذكرها وعدها في هذه الورقات، جمعت السنة على كتب وأبواب ومسائل، وعلى مسانيد أسماء الرواة ومعاجم الشيوخ، وغيرها من طرق الجمع المختلفة.


مرحلة تخصيص النصوص الشرعية بالتسمية


مع مرحلة البداية لأهل الحديث في جمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بدأت مرحلة تسمية جملة من الأدلة المتعلقة بجامع واحد، وباب واحد، كـ(كتاب الإيمان)، وكتاب الطهور وكتاب الصلاة وغيرها:


? ولذلك هناك من جمع مرويات وأحاديث في باب يتعلق بمسألة واحدة ومنها: كتاب «الإيمان» لابن أبي شيبة، وكتب «الإيمان»، و«الطهور»، و«الأموال» لأبي عبيد القاسم بن سلام، وكتاب «فضائل الصحابة» للإمام أحمد، وكتابي «خلق أفعال العباد»، و«رفع اليدين في الصلاة» للبخاري، وغير ما ذكرت من هذا النوع في الجمع والتصنيف كثير.


? ومنهم من جمعه مرتباً على أول قائل للحديث وأول من تلقاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون الكتاب مرتباً على أسماء الصحابة الذين هم مخرج الرواية ويسمى المسند وجمعه المسانيد، ومنها «مسند أحمد» رحمه الله.


? ومنهم من جمعه مرتباً على آخر قائل للحديث، ويكون الكتاب مرتباً على أسماء شيوخه الذين أخذ عنهم هذه الروايات، ويسمى معجماً وجمعه معاجم ومنها «معجم الطبراني الأوسط» رحمه الله.


? ومنهم من جعله جامعا لمجموعة كتب وأبواب كما فعل محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله وكتابه المشهور بين الناس باسم: «صحيح البخاري»، اسمه الحقيقي كما سماه المصنف: «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه». وهذا الكتاب جمع فيه البخاري ما يزيد على تسعين كتاباً في أنواع العلوم، وذكر في كل كتاب عدة أبواب، وكل باب جمع فيه الأحاديث مسندة شاهداً لهذا الباب.


والبخاري افتتح الجامع الصحيح 1- بكتاب بدء الوحي. 2- كتاب الإيمان وجمع فيه جملة من الأحاديث متعلقة بمسائل الإيمان مفرقة على ثلاثة وأربعين بابا. 3- كتاب العلم. 4- كتاب الوضوء. 5- كتاب الغسل.6- كتاب الحيض. 7- كتاب التيمم. 8- كتاب الصلاة. وهكذا إلى أن ذكر كتاب الزكاة، وكتاب الحج، وكتاب الصيام، ثم ذكر كتاب البيوع، وختم تصنيفه بذكر كتاب التوحيد.


د.عبد العزيز بن ندَى العتيبي




تاريخ النشر 11/05/2009


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127