الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

ما المنهاج والمنهج؟! (10) الشيخ عبد العزيز بن ندَى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



ما المنهاج والمنهج؟! (10) 

 

د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي


في عدد اليوم نحن مع سادس الضوابط والأصول لعل فيها نفع يعين المسلمين الى معرفة المنهاج والاستدلال على الطريق الواضح المبين والصراط المستقيم.

سادساً: تقديم النقل على العقل.

ان النقل الذي جاء في الكتاب والسنة مقدم على العقل، لان هذا النقل وحي من الله، فلا تصادم ولا تعارض، ولن يكون فهمه شاقاً على العقل الذي خلقه الله وخاطبه، والنقل وعاؤه العقل ويُفهَمُ على وجهٍ صحيح، فلا تعارض بين نقل صحيح صريح وعقل سليم صحيح.


عوائق في طريق النقل

ويجب على كل مسلم مكلف ألا يجعل التصورات الذهنية، والآثار البيئية، وهوى النفس، والمقدمات العقلية التي اكتسبها من أهل البدع والأهواء؛ عائقاً يُرَدُّ به الحق الذي انزله رب العالمين، وبينه سيد المرسلين. قال الله تعالى: { قُلْ لاَ أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ اِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ }«الانعام 56»، وقال تعالى: { أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ } «محمد: 14»، وقال تعالى: { وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا } «نوح: 24».

ان الواجب على العباد أخذ النقل بقوة والعمل به، دون إعمال العقل فيه، سواء كان ذلك المنقول معقول المعنى أو غير معقول المعنى، والحتم على كل مسلم؛ العلم بما جاء به الوحي والتعبد به الى الله، من غير انتظار ان تقف العقول على علته، ودون نظر هل عرفت العقول حكمته؟ فالمطلوب عبادة الله على الوجه الذي شرع، والتعبد بما جاء في الكتاب والسنة، وعدم الانشغال بحكمة الدليل وعلة التنزيل.


المدرسة العقلية وحجب الوحي بالغاء النقل

هناك من حاد عن الجادة وخالف الطريق الواضح، فأعرض عن المنقول الذي جاء في الكتاب والسنة، وذهب يطلب ما تستحسنه العقول وترضاه، ولذلك فقد تم استخدام كل الوسائل لاعمال العقول في النصوص الشرعية، وايجاد ما أصبح يعرف بعد ذلك بـ (المدرسة العقلية) وما عرف بمذاهب المعتزلة وما تبعها من فرق، وذلك عبر مسالك منحرفة منها:

أولا: تقسيم النصوص الشرعية الصحيحة الثابتة الى قسمين:

-1 قسم يفيد العلم واليقين

-2 قسم لا يفيد العلم واليقين

وهي قسمة مبنية على ان كل ما هو صحيح ثابت النسبة الى النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث والأخبار يقسم الى قسمين:

(1) جملة من الأحاديث لا تتجاور المائة، والاصطلاح على تسميتها بالمتواتر.

(2) وبقية الأحاديث، بل كل ما تحويه كتب ودواوين السنة من آلاف الأحاديث والأخبار الثابتة النسبة الى الوحي؛ اصطلح على تسميتها بالآحاد. وأحدثوا مقالة: (ان الخبر الصحيح يفيد الظن أو غلبة الظن)، والتي أصبحت قاعدةً لعملية التشكيك والالغاء، وبعدها قالوا: ان الآحاد يفيد يظن ولا يفيد العلم، والمتواتر يفيد العلم واليقين.


الحديث الصحيح يفيد العلم آحاداً كان أو غيره

وبهذه القسمة المحدثة التي لم تكن في العهد الأول، ولم يقل بها أحد من الصحابة رضي الله عنهم، وكذلك اطلاق الظن على ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بالقواعد العلمية، وثبتت نسبته اليه باستخدام آلة الصناعة الحديثية، والقول بان الحديث الصحيح يفيد الظن؛ لا يتجاوز ان يكون قولاً محدثاً لم يقل به أحد من الصحابة وأعلام القرن الأول، والحق الذي لا مرية فيه، ولا يسع مسلم ان يحيد عنه، هو القول: بان ما ثبت نسبته الى السنة يفيد العلم قطعاً وبلا تردد، دون نظر الى الكثرة والقلة في عدد الطرق والأسانيد.


المدرسة العقلية هي إلغاء الكتاب والسنة، وإبطال الاحتجاج بهما

وكان لدعاة المدرسة العقلية من تقديم للعقل على النقل ما أرادوا بسلوك هذا الطريق، فاستطاعوا الغاء السنة، وابطال الاحتجاج بالآلاف من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وبما أحدثوه من القول بان الآحاد يفيد الظن، وبما ان السنة كلها آحاد كما هم معلوم عند العارفين؛ فالحقيقة والنتيجة ان السنة لا تفيد العلم.

وما ذهبوا الى انه يفيد العلم واليقين كـ (المتواتر) لم يسلم منه شيءٌ أيضاً، فتناولته قبضة العقل وسيطروا عليه باحتوائه في قسمة مخترعة.

ثانياً: تقسيم دلالة اللفظ على معناه الى قسمين؛ الحقيقة والمجاز.

-1 الحقيقة: استعمال اللفظ في ما وضع له.

-2 المجاز : استعمال اللفظ في غير ما وضع له.


المجاز قول محدث

والقول بالمجاز طريقة مخترعة، وقول محدث لم يقل به أحد من العهد الأول وعلماء الشريعة من الصحابة والتابعين، والحق انه لا يوجد في اللغة العربية مجاز، وكذلك لا مجاز في كلام الله، بل الكلام على الحقيقة في كتاب الله وفي اللغة العربية.


عطلوا الرسالة وأبطلوا الديانة

وقد ذكرت هنا جزءاً من محاولة تقديم العقل على النقل، ففي الخطوة الأولى تم الغاء قسم كبير من النقل بحجة انه يفيد الظن ولا يفيد العلم، وفي الخطوة الثانية جاؤوا على الذي يفيد العلم واليقين كما في كتاب الله؛ وتم الغاء معناه بحجة ان المراد به المجاز وليس الحقيقة فتم تعطيل اللفظ وسلبه معناه، فاذا قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قالوا: يفيد الظن ولا يفيد العلم، واذا قلت: قال الله في كتابه: قالوا: ظاهر الآية غير مراد، فعطلوا الرسالة وأبطلوا الديانة، وهكذا لم يسلم من النقل كلِّه شيءٌ، سواء كان على قسمتهم التي أحدثوها؛ آحاداً أو متواتراً، أو أفاد العلم أو لم يفد الا الظن أو غلبة الظن زعموا، وتم لهم الغاء النقل كله ظنية وقطعية، وكان المصير بعد ذلك هو العودة الى العقل، لينفرد ويصبح هو المصدر الوحيد للتشريع، وبذلك انتهى الأمر الى حجب النقل والغاءه، والتحاكم الى عقول البشر !!

ملاحظة: بل ان بعضهم لم يكلف نفسه عناء اختراع طريقة معينة، للتخلص من النصوص الشرعية، وذهب الى ردها بحجة انها لا تجد قبولاً وموافقةً لدى عقله، ومثاله ما رواه البخاري في صحيحه (3320، 5782) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اذا وقع الذباب في شراب أحدكم، فليغمسه كله، ثم لينزعه، فان في احدى جناحيه داء، والأخرى شفاء». حيث ذهب الى رده ورفضه بعض مدعي العلم والمثقفين بحجة انه لا يتناسب وعقولهم.


قال شيخ الاسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (19/71):

من نصب القياس أو العقل أو الذوق مطلقاً من أهل الفلسفة والكلام والتصوف، أو قدمه بين يدي الرسول، من أهل الكلام والرأي والفلسفة والتصوف، فانه بمنزلة من نصب شخصاً، فالاتباع المطلق دائر مع الرسول وجوداً وعدماً.اهـ


الصحابة عظموا النقل وأيقنوا انه لا يخالف العقل

روى البخاري في صحيحه تعليقاً، والنسائي في الكبرى (6/238) موصولاً بسند صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، وقلت: والله لأرفعنك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: اني محتاج، وعلي عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك البارحة»، قال: قلت: يا رسول الله! شكا حاجة شديدة وعيالاً، فرحمته فخليت سبيله، قال: «أما انه قد كذبك وسيعود»، فعرفت انه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انه سيعود»، فرصدته فجاء... الحديث.

لم يُعمل أبو هريرة عقله في الخبر ولم يجعله ظناً

(1) في قوله: فعرفت انه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انه سيعود»، تصديق تام لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا التصديق علم لا يحتمل الظن.

(2) ولم يجعل لعقله أو لغيره خياراً في الأمر وماذا سيفعل، ولذا قال: (فرصدته)؛ أي: فعل ذلك تصديقاً للمُخْبِرِ، وحصلت نتيجة التصديق كما كان أبو هريرة متيقناً: (فجاء)؛ وذلك تصديقاً لقوله:«كذبك وسيعود». والحمد لله أولاً وآخراً على الهداية والتوفيق.



تاريخ النشر 04/05/2009

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127