الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

ما المنهاج والمنهج؟! (9) الشيخ عبد العزيز بن ندَى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



ما المنهاج والمنهج؟! (9) 

 


د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعد، أما بعد:

نحن نكمل معكم (ظاهرة الغلو) الأصل الخامس: من أصول وضوابط المنهاج، وذكرنا في العدد السابق تعريفه وأثره في الانحراف عن الطريق المستقيم، وكذلك بيّنا شيئاً من الأدلة في كتاب الله.

واليوم نكمل الضابط الخامس وهو الغلو في الدين.

أدلة السنة في النهي عن الغلو:

»هلك الْمُتَنَطِّعون«

-6 وروى البخاري (1865)، ومسلم (1648) في صحيحيهما من حديث أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيخاً يهادَى بين ابنيه قال: »ما بال هذا؟!«، قالوا: نذر أن يمشي، قال: »إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني«، وأمره أن يركب.

-7 روى مسلم في صحيحه (2670) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »هلك الْمُتَنَطِّعون قالها ثلاثا«. والمُتَنَطِّعون: قال النووي في شرح صحيح مسلم؛ أي: المتعمقون الغالون المجاوِزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم. اهـ

وقال الخطابي: المتنطع المُتَعَمِّق في الشيء، المتكلِّف للبحث عنه على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم، وفيه دليل على أن الحكم بظاهر الكلام، وأنه لا يترك الظاهر إلى غيره ما كان له مساغ وأمكن فيه الاستعمال.اهـ

-8 وروى البخاري في صحيحه (6704) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب؛ إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: »مره فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه«. قال مالك في الموطأ (1012): ولم أسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بكفارة، وقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتم ما كان لله طاعة، ويترك ما كان لله معصية.اهـ

قال ابن حزم في المحلى: وقد قال أبو ثور: يلزمه ترك الكلام، واحتج له بقوله تعالى: { إنِّي نَذَرتُ لِلرَّحمَنِ صَومًا فَلَن أُكَلِّمَ اليَومَ إنسِيًّا } وبقوله تعالى: { آيَتُكَ أَن لاَ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاَثَ لَيالٍ سَوِيًّا }.

قال علي: هذه شريعة زكريا ومريم عليهما السلام، ولا يلزمنا شريعة غير نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، مع أن شأنهما آية من آيات النبوة، وليست الآيات لنا، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ترك الكلام كما ذكرنا.اهـ


النهي عن الغلو في الأنبياء والصالحين


كثير من الناس تدفعه محبته لنبيٍّ أو شيخ ٍ أو أحد من البشر إلى مجاوزة الحد المشروع في المحبة، فيذهب دون وعي إلى تقليده، وبعضهم بلغ به الأمر إلى عبادته، وذلك من غير عقل يحرص على طلب الحجة ومعرفة البرهان على ما يقوم به، وما يكلف من الأعمال، وهل تجاوز الحق، ووقع في المحذور وتعدي الحدود؟! فالأصل في العلاقة بين الخالق و المخلوق، هو العبادة له وحده وليس لأحد سواه، قال الله تعالى:{ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } [الأنبياء: 92]، وقال تعالى:{ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ } [العنكبوت: 56]، وما ذلكم الاتصال بالمخلوقين إلا من أجل معرفة مراد الخالق من الخلوقين، وعبادته وحده على الوجه الذي أحبه وأراده، قال تعالى:{ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ }[النحل: 36] { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } [الأنبياء: 25]، وإن قيمة وقدر الخلائق من الأنبياء والصالحين والكفار يحددها الوحي والشرع، وليست بدعا يحدثه الناس على ما يشتهون.


تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو فيه


لقد حذر النبي صلى الله عليه مسلم ونهى عن التعدي والغلو ومجاوزة حدود الشرع، وبدأ بنفسه ليكون قدوة لغيره، فلا يقدس أحد و لا يعظم مخلوق من بعده، ولا يطلب الهدى إلا بالطريق الواضح المرسوم، ولا اقتداء بأحد غير المبعوث رحمة للعالمين، قال تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ }[ آل عمران:31]، وقال تعالى: { وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } [الحشر : 7]. وينبغي أن لا يتخذ هذا الاقتداء والمحبة المشروعة؛ ذريعة إلى الغلو والمجاوزة في التكاليف، والدليل فيما رواه البخاري في صحيحه (3445) من حديث ابن عباس سمع عمر رضي الله عنه يقول على المنبر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: »لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده؛ فقولوا: عبد الله ورسوله«.

هكذا قدمها النبي صلى الله عليه وسلم بدءاً بنفسه، وتركنا من بعده على بيضاء نقيه لا يزيغ عنها إلا هالك، حتى لا يقع الناس في الغلو، ويعظم غيره، ويحج إليه وتقدم له القرابين من دون الله، ويتخذ معبوداً، كـود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وأصبح وسيلة شركية يتقرب به إلى الله تعالى.

وروى أبو داود في سننه(2042) بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »ولا تجعلوا قبري عيدا«، وروى البخاري (1330)، ومسلم (531) فِي صحيحيهما من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لَم يقم منه: »لعن الله اليهود والنصارى؛ اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد«.


الغلو آفة وانحراف في منهاج الأمم


قال الله تعالَى:{ وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً } [نوح:23]، والْمَعنَى مبيّنٌ فيما رواه البخاري فِي صحيحه (4920) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العربِ بَعْدُ؛ أَمَّا وُدٌّ كانت لِكلب بدومة الجندل، وأما سُوَاعٌ كانت لِهذيل، وأما يَغُوثُ فكانت لِمُراد، ثُمَّ لِبنِي غطيف بالجوف عند سبأ، وأما يَعُوقُ فكانت لِهَمْدَانَ، وأما نَسْرٌ فكانت لِحمْيَرَ لآل ذي الكلاع، أَسْماءُ رجال صالِحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إِلَى قومهم أن انصبوا إِلَى مَجالسهم التي كانوا يَجلسون أنصاباً وسَمُّوها بِأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعْبَدْ حتَّى إذا هلك أولئك؛ وَتَنَسَّخَ العِلمُ، عُبِدَتْ. وَفِي قوله: »هلك أولئك«؛ مَاتَ الذين نصبوا الأنصاب وكانوا يعلمون لماذا نُصِبَت، »تَنَسَّخَ العِلْمُ«؛ زالت معرفة الناس بأصل نصبها، وفي رواية: »نُسِخَ العِلمُ«؛ أي: نسخ العلم بقصة تلك الصور وتاريخها وأسباب نصبها.

وفي عدد قادم نكمل المسير في ذكر ما يعين على تحديد المنهاج وضبطه والحمد لله رب العالمين.



تاريخ النشر 27/04/2009 


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127