الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

ما المنهاج والمنهج؟! (8) الشيخ عبد العزيز بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



ما المنهاج والمنهج؟! (8) 

 


د/ عبد العزيز بن ندى العتيبي


الحمد لله رب العلمين والصلاة والسلام على الهادي الأمين؛ أما بعد:

في عدد اليوم نحن مع خامس الضوابط والأصول لعل فيها نفع يعين المسلمين إلى معرفة المنهاج والاستدلال على الطريق الواضح المبين والصراط المستقيم.


خامساً: عدم الغلو في الدين ومجاوزة الشرع.


تعريف الغلو:

والغُلوُّ: هو مُجاوزةٌ للحدِّ، ومفارقةٌ للحقِّ، ولذلك عُرفَ الغلو عند بعض أهل العلم: بتجاوزِ الحقِّ وتَخَطِّيهِ، بالإعراض عن الأَدِلَّةِ، واتباعِ الشُّبَهِ، كما هو حال وفعل أهل الأهواء والبدع، وهذا الفعل سبب رئيس في الهلاكِ الذي أصاب الأمم قبل هذه الأمة، التي جنحت إلى الغلو في الدين، والانحراف عن طريق الأنبياء والمرسلين، ولذلك نهى الله في مُحكم التَّنزِيلِ عن طريق المشركين، ووصفهم بِمفارقة الحقِّ عندما غَلوا في الدين، فقال تعالى: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ }[المائدة:77].

في العلم والغُلوِّ في الدين والبدع]

وقال البخاري في الصحيح في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: [باب ما يُكره من التَّعَمٌّق والتنازع في العلم والغُلوِّ في الدين والبدع] لقوله تعالى:{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ } [النساء:171].

وأَتْبَعَهُ بما رواه البخاري(7299)، ومسلم(1103) في صحيحهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: »لا تواصلوا«، قالوا: إنك تواصل، قال: »إني لست مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني«، فلم ينتهوا عن الوصال، قال: فواصل بهم النبي صلى الله عليه وسلم يومين أو ليلتين، ثم رأوا الهلال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: »لو تأخر الهلال لزدتكم«. كالمنكي لهم.

قوله: (كالمنكي لهم)؛ أي: عقوبة لهم لعدم طاعته عند النهي، والتحذير من التشديد على أنفسهم في دين الله، والغلو بمجاوزة ما شرع لهم.


»أهلك مَن كان قبلكم الغُلُوُّ في الدِّين«

واعلم أن أمر الغلو في الدين قد بَيَّنه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه وَأُمَّتِهِ من بعده، وحذر من هذا الانحراف، وخطورته على الإسلام، فإليك ما رواه الإمام أحمدُ في المسند (1754) والنَّسائيُّ في سننه (3057) وابن ماجه في سننه واللفظ له (3029) بسند صحيح مِن حديث ابن عباس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غداة العقبة، وهو على ناقته: »القُطْ لي حصىً«، فلقطت له سبع حصيات، هُنَّ حصى الْخَذْف، فجعل يَنْفُضُهُنَّ في كَفِّه، ويقول: »أمثال هؤلاء فارموا«، ثم قال: »يا أيُّها النَّاس! إيَّاكم والغُلُوَّ في الدِّين، فإنه أهلك مَن كان قبلكم الغُلُوُّ في الدِّين«. وروى أحمد في المسند (3/444) مما صح من حديث عبد الرحمن بن شبل رضي الله عنه قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: »تعلموا القرآن فإذا علمتموه؛ فلا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به«.

* والأدلة من كتاب الله:


{ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ }

-1 قال الله تعالى: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ } [المائدة: 77]، قال ابن كثير في التفسير؛ أي: لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق، ولا تُطْروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه، حتى تخرجوه عن حَيّز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتم في المسيح، وهو نبي من الأنبياء، فجعلتموه إلهاً من دون الله، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخ الضلال، الذين هم سلفكم ممن ضل قديمًا، { وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ }؛ أي: وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال، إلى طريق الغواية والضلال.اهـ


{ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا }

-2 وقال تعالى: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }[هود:112 ]. قال البغوي في تفسيره: { وَلا تَطْغَوْا } لا تجاوزوا أمري ولا تعصوني، وقيل: معناه ولا تغلوا فتزيدوا على ما أمرتُ ونهيتُ. اهـ

وقال الشوكاني في فتح القدير: ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بكلمة جامعة لأنواع الطاعة له سبحانه، فقال: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ }؛ أي: كما أمرك الله، فيدخل في ذلك جميع ما أمره به وجميع ما نهاه عنه، لأنه قد أمره بتجنب ما نهاه عنه، كما أمره بفعل ما تعبده بفعله، وأمته أسوته في ذلك، ولهذا قال: { وَمَنْ تَابَ مَعَكَ }؛ أي: رجع من الكفر إلى الإسلام، وشاركك في الإيمان، وهو معطوف على الضمير في { فَاسْتَقِمْ } ؛ لأن الفصل بين المعطوف والضمير المرفوع المعطوف عليه يقوم مقام التأكيد:أي: وليستقم من تاب معك، وما أعظم موقع هذه الآية وأشدّ أمرها، فإن الاستقامة كما أمر الله لا تقوم بها إلا الأنفس المطهرة، { وَلاَ تَطْغَوْا } الطغيان: مجاوزة الحد، لما أمر الله سبحانه بالاستقامة المذكورة؛ بين أن الغلوّ في العبادة، والإفراط في الطاعة على وجه تخرج به عن الحد الذي حدّه، والمقدار الذي قدّره؛ ممنوع منه منهيّ عنه، وذلك كمن يصوم ولا يفطر، ويقوم الليل ولا ينام، ويترك الحلال الذي أذن الله به ورغب فيه، ولهذا يقول الصادق المصدوق فيما صح عنه: »أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأنكح النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني«، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته تغليباً لحالهم على حاله، أو النهي عن الطغيان خاص بالأمة.اهـ

قلت: الحديث بتمامه رواه البخاري (5063)، ومسلم(1401) في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: جاء ثلاث رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا؛ كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: »أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إِني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني«.


{ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ }

-3 قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ }[المائدة: 87]، ولا تتعدوا حدود ما أحل الله لكم إلى ما حرّم عليكم، وقد يكون المراد بالنهي عن الاعتداء عدم مجاوزة الحد بتحريم الحلال والمباح، أو يكون التجاوز بالإسراف في الحلال والمباح.


{ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ }

-4 قال تعالى:{ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ }[ المائدة: 66]. وقوله: { مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ }: معنى مقتصدة؛ أي: عادلة غير غالية، ولا مقصرة جافية، ومعنى الاقتصاد في اللغة: الاعتدال في العمل من غير غلو ومجاوزة للحق بالإفراط، ولا تقصير يؤدي إلى الفسق والكفر.ولذلك قال تعالى:{ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ }.


{ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ }

-5 قال تعالى:{ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } [الأعراف:181]، { وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ }؛أي: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله:{ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ }؛أي: يدعون ويعملون بهذا الحق، { وَبِهِ يَعْدِلُونَ } ؛أي: بالدعوة والعمل بالحق يعدلون، فيجعلون الأمور متعادلة، بلا زيادة تؤدي إلى الغلو والإفراط، ولا نقص يؤدي إلى الخلل والتفريط، وهذه العدالة في الدعوة والعمل بالحق؛ هو نهج الطائفة المنصورة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه الطائفة رويت من طريق بعض الصحابة، ومنهم رواية معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما، فقد روى البخاري (3641)، ومسلم (1037) في صحيحيهما يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: »لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك«. وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيح البخاري(7312) رُويَ بلفظ: »ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله«.

وفي العدد المقبل موعدنا بإذن الله تعالى مع أدلة السنة في النهي عن الغلو، والحمد لله رب العالمين.





تاريخ النشر 20/04/2009 


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127