الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

ما المنهاج والمنهج؟ (6) الشيخ عبد العزيز بن ندَى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



ما المنهاج والمنهج؟ (6) 

 

د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

مازلنا مع بيان أصول وضوابط تعين على فهم المنهاج، ونكمل اليوم الأصل الثالث وهو: عدم التقليد ونبذه، فنقول:

الافتتان بتقليد المشايخ والمذاهب والأحزاب سراب بقيعة

إن افتتان بعض الناس بالتعصب للأحزاب والمراجع والمذاهب وذلكم اللهث خلف فرق وجماعات فارقت جماعة المسلمين، ما هو إلا السراب بعينه، قال تعالى: { أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا } (النور:39)، والتاريخ خير شاهد، فلا تلتفتوا إلى فتاوى العواطف، - وفاقد الشيء لا يعطيه- ، أناس اتبعوا غيرهم على غير بصيرة، وتجمعات مفتقرة إلى الحجة والبرهان، فمن المتعذر أن الأمر الذي أذاعوه، والشيء الذي أشاعوه؛ قائم علَى الأدلة والبراهين والقواعد الشرعية، قال تعالَى:{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ } (الحج :3)، قال ابن كثير في تفسيره: وهذا حال أهل البدع والضلال المعرضين عن الحق المتبعين للباطل يتركون ما أنزله الله على رسوله من الحق المبين ويتبعون أقوال رؤوس الضلالة الدعاة إلى البدع بالأهواء والآراء ولهذا قال في شأنهم وأشباههم: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ }؛ أي: علم صحيح ا. هـ.

تعريف التقليد وبيان المراد بالحجة

قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (173/2):

قال أبوعبد الله بن خويز منداد البصري المالكي: التقليد: معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، وهذا ممنوع منه في الشريعة، والاتباع ما ثبت عليه حجة.

وما المراد بالحجة؟

إن الحجة قد حُصرت فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى:{ رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } (النساء: 165)، ويؤيِّدُه قوله تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } (الإسراء: 15)، وقوله تعالى: { وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى } (طه : 134)، وقوله تعالى: { ولولا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتِّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين } (القصص: 47).

وهذا بيان واضح وجلي من كلام الله عز وجل في أن الحُجَّة فيما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس في كلام غيره من البشر حجة وبرهان.

»ربي الله وديني دين محمد صلى الله عليه وسلم«

ودليل الحجة في السنة:

قوله: »وديني دين محمد صلى الله عليه وسلم«: إن هذا الجواب هو القول الصواب لمن أخذ دينه مشافهة من النبي صلى الله عليه وسلم، أو بالنقل والبلاغ عنه، ولم يلو على غيره، ويتخذ أقواله وأفعاله حجة وديناً يمتحن الخلق به، فاعلم يا عبد الله أن التثبيت في البرزخ كائن من الله عز وجل للذين آمنوا واتخذوا من رسوله وحده حجة في معرفة دين الله جملة وتفصيلا، ولا حجة في أحدٍ دونه، قال تعالى: { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } (الشورى: 21)، وذلك عند السؤال في القبر عن المبلغ لدين الإسلام الذي فرضه الله على العباد، فلن يسأل أحد عن غيره، فهو المبلغ لهذا الدين عن الله عز وجل، وما بعده نقلة عنه يذكرون الحجج والبراهين والأدلة التي بلغها للعباد.

وهو الحجة وحده؛ لقوله: »ألا هل بلغت؟«

حيث قال الرسول صلى الله عنه وسلم في حجة الوداع فيما رواه البخاري (1741)، ومسلم (1679) في صحيحيهما من حديث أبى بكرة رضي الله عنه: »ألا هل بلغت؟«، قالوا: نعم، »اللهم! اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مُبَلَّغٍ أوعى من سامع«، فلا حُجَّة في أحدٍ دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان ما ذكرنا من امتحان وسؤال القبر وتثبيت الله للمؤمنين على الحق، فقد روى دليله مسلم في صحيحه (2871) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ } قال: نزلت في عذاب القبر، فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم فذلك قوله عز وجل: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ }. وأصله في صحيح البخاري (4699) وفي لفظ للترمذي في سننه (3120) عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ }، قال: »في القبر إذا قيل له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟«. والحديث صحيح، ورواه النسائي على شرط مسلم في سننه (2057) ولفظه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ } قال: »نزلت في عذاب القبر يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله وديني دين محمد صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ } .

{ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ }

وهنا العجب من أمر المقلدة!! فهؤلاء القوم إذا دعوا إلى كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، جعلوا الحجة فيما عليه الأحزاب والمذاهب وأرباب الطرق، أولو جئتكم بأهدى مما عليه الأحزاب؟!، أولو جئتكم بأهدى مما عليه متعصبة المذاهب وأصحاب الطرق؟!،أولو جئتكم بأهدى مما عليه أساتذة المراجع والزوايا؟! واتخذوا من المراجع والفقهاء والمشايخ ملجأً يلوذون به، ولقد بَيَّنَ اللهُ تعالى حالَهم فِي كتابِه بقولهِ: { وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ }، وكان الإعراض منهم عن داعي الحق والصراط المُستقيم الذي تحداهم بالبراهين والحجج الدامغة بقوله: { قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ } (الزخرف: 23).

وإليك بعض الأدلة:

1- قال تعالى:{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ } (البقرة:170) .

2- وقال تعالى:{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ }(المائدة: 104).

وهذا ما ذكره أبو سفيان بن حرب رضي الله عنه عندما أجاب عن سؤال هرقل فيما كان يدعو النبي إليه النبي صلى الله عليه وسلم.

3- وروى البخاري في صحيحه (7) في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن أبا سفيان أخبره أن هرقل أرسل إليه في- الحديث الطويل- قال: »ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئاً واتركوا ما يقول آباؤكم«.

4- قال تعالى: { .. وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ } (المائدة: 77). في كلام الله نهي عن اتباع الأهواء والشعارات المحدثة في الدين؛ فهو سبب ضلال الأمم، وبه كانت الفرقة والاختلاف من قبل في الأمم السالفة، وهو السبب ذاته لنشأة الفرق والطوائف من بعد في هذه الأمة . ففي كل أمة أتباع للأنبياء وأنصار، وآخرون مخالفون أتباع هوى ومحدثو ضلالة. روى مسلم في صحيحه (50) من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي؛ إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف؛ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل«.

5- وقال تعالى:{ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا من دونه أولياء قليلا ما تَذَكَّرُونَ } (الأعراف: 3).

6- وقال تعالى:{ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } (الزخرف: 23- 24).

7- وقال تعالى: { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } (التوبة: 31). أي: علماءهم وقرّاءهم، ولأنهم أطاعوا علماءهم في المأمورات والمنهيات، فشابهت تلك الطاعة؛ طاعة الرب والإله المعبود. فأصبحوا بمنزلة من اتخذ أرباباً من دون الله.

8- وقال تعالى: { إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ } (الأنبياء:52-53)

9- وقال تعالى: { وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ } (الأحزاب: 67).

التشبيه بين التَّقْلِيدَيْنِ بغير حجة للمقلِّد

قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/160):

قال أبو عمر: وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد، ولم يمنعهم كفر أولئك من جهة الاحتجاج بها؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر؛ وإنما وقع التشبيه بين التَّقْلِيدَيْنِ بغير حجة للمقلِّد، كما لو قَلَّد رجل فكفر، وقلد آخر فأذنب، وقلد آخر في مسألة دنياه فأخطأ وجهها، كان كل واحدٍ ملوماً على التقليد بغير حجة؛ لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضاً وإن اختلفت الآثام فيه. وقال الله عز وجل: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ } (التوبة: 115) وقد ثبت الاحتجاج بما قدمنا في الباب قبل هذا، وفي ثبوته إبطال التقليد أيضاً، فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا؛ وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها وهي الكتاب والسنة أو ما كان في معناهما بدليل جامع بين ذلك .اهـ

التقليد استهزاء بالأدلة الشرعية

وقال الشوكاني في فتح القدير عند قوله تعالى: { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } ( الأنعام: 68 )، وفي هذه الآية باعتبار عموم لفظها الذي هو المعتبر دون خصوص السبب؛ دليل على اجتناب كل موقف يخوض فيه أهله بما يفيد التنقص، والاستهزاء للأدلة الشرعية، كما يقع كثيراً من أسراء التقليد الذين استبدلوا آراء الرجال بالكتاب والسنة، ولم يبق في أيديهم سوى (قال إمام مذهبنا كذا، وقال فلان من أتباعه بكذا، وإذا سمعوا من يستدل على تلك المسألة بآية قرآنية، أو بحديث نبوي سخروا منه، ولم يرفعوا إلى ما قاله رأساً، ولا بالوا به بالة، وظنوا أنه قد جاء بأمر فظيع، وخطب شنيع، وخالف مذهب إمامهم الذي نزلوه منزلة معلم الشرائع، بل بالغوا في ذلك حتى جعلوا رأيه العايل، واجتهاده الذي هو عن منهج الحق مائل، مقدّماً على الله، وعلى كتابه، وعلى رسوله)، { إنا لله، وإنا إليه راجعون }، ما صنعت هذه المذاهب بأهلها، والأئمة الذين انتسب هؤلاء المقلدة إليهم براء من فعلهم، فإنهم قد صرّحوا في مؤلفاتهم بالنهي عن تقليدهم، كما أوضحنا ذلك في رسالتنا المسماة بـ »القول المفيد في حكم التقليد«، وفي مؤلفنا المسمى بـ »أدب الطلب ومنتهى الأرب« اللهم! انفعنا بما علمتنا، واجعلنا من المقتدين بالكتاب والسنة وباعد بيننا وبين آراء الرجال المبنية على شفا جرف هار، يا مجيب السائلين ا. هـ.

مثال فِي التجرد لله

والبحث عن الحق ولو كان ثمنه مخالفة الأفاضل

وطلباً للاتباع وهدماً للتقليد هذا سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أحد الفقهاء السبعة يخالف الآباء وبقول مسند صحيح: (وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع )، فخالف أباه عبد الله بن عمر، وخالف جدَّه عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، في بعض أحكام الحج، يخالف أباه الذي كانت تضرب به الأمثال في اتباع السنة واقتفاء الأثر، وجده ثاني الخلفاء الراشدين وأحد المبشرين بالجنة، وهما من أكثر الناس دعوة للتجرد واتباعاً للحق، فقد عرف سالمٌ أن الحق ليس باتباع هوىً أو تقليد أب، ولكنه بالثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك ما سواه، ولو كان من أقرب الناس، وقد ذهب عبد الله بن عمر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما إلى أن من رمى جمرة العقبة وحلق؛ حل له كل شيء إلا النساء والطيب، والدليل ما رواه مالك في الموطأ (491): بسند صحيح عن ابن عمر يقول: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من رمى الجمرة ثم حلق أو قصر ونحر هدياً إن كان معه حل له ما حرم عليه في الحج إلا النساء والطيب، حتى يطوف بالبيت. وخالفت عائشة رضي الله عنها بأنه يحل كل شيء إلا النساء، لما صح من رواية أحمد في المسند (6/107): عن عمرو، عن سالم بن عبد الله، عن عائشة قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى قبل أن يزور البيت. وحديث عائشة أصله رواه البخاري (1754)، ومسلم (1189) في صحيحيهما. وروى ابن خزيمة في صحيحه (4/303):بسند صحيح عن عمر وابن دينار قال: سمعت سالما يقول: قالت عائشة: أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، و سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع.

وقال عبد الله بن عمر: أأمر أبي نتبع،

أم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

وكذلك عبد الله بن عمر لم يقلد أباه عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، واتبع ما عليه الدليل والحجة لما رواه الترمذي في سننه (824) بإسناد صحيح عن ابن شهاب، أن سالم بن عبد الله حدثه: أنه سمع رجلاً من أهل الشام، وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج؟ فقال: عبد الله بن عمر: هي حلال، فقال الشامي: إن أباك قد نهى عنها، فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها، وصنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أأمر أبي نتبع، أم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لقد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كان عمر بن الخطاب وقافاً عند كتاب الله

روى البخاري في صحيحه (4642، 7286) في كتاب التفسير وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم - حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، فنزل على بن أخيه الحر بن قيس بن حصن، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته؛ كهولاً كانوا أو شباناً، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي! هل لك وجه عند هذا الأمير فتستأذن لي عليه؟ قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن لعيينة، فلما دخل، قال يا ابن الخطاب! والله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر، حتى هم بأن يقع به، فقال الحر: يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } (الأعراف: 199)، وإن هذا من الجاهلين، فوالله، ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله .

قال ابن القيم في مقدمة إعلام الموقعين

ونختم بما قال ابن القيم في مقدمة إعلام الموقعين: فتنة عمت فأعمت، ورمت القلوب فأصمت، تربى عليها الصغير، وهرم فيها الكبير، واتخذ لأجلها القرآن مهجورا، وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطوراً، ولما عمت بِها البلية وعظمت بسببها الرزية بِحيث لا يعرف أكثر الناس سواها، ولا يعدون العلم إلا إياها، فطالب الحق من مظانه لديهم مفتون، ومؤثره على ما سواه عندهم مغبون، نصبوا لِمن خالفهم في طريقتهم الحبائل، وبغوا له الغوائل، ورموه عن قوس الجهل والبغي والعناد، وقالوا لإخوانِهم إنا نخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد.

فحقيق بمن لنفسه عنده قدر وقيمة ألا يلتفت إلى هؤلاء، ولا يرضى لها بما لديهم، وإذا رفع له علم السنة النبوية؛ شَمَّرَ إليه ولم يحبس نفسه عليهم، فما هي إلا ساعة حتى يبعثر ما في القبور؛ ويحصل ما في الصدور، وتتساوى أقدام الخلائق فِي القيام لله، وينظر كل عبد ما قدمت يداه، ويقع التمييز بين المحقين والمبطلين، ويعلم المعرضون عن كتاب رَبِّهم وسنةِ نبيهم أَنَّهم كانوا كاذبين ا. هـ.

قال ابن القيم في نونيته:

يا من يريد نجاته يوم الحسا ب

من الجحيم ومـوقد النيران

اتبــع رســول الله في الأقو

ال والأعمال لا تخرج عن القرآن

وخذ الصحيحين اللذين هما

لعقد الدين والإيمان واسطتان

واقرأهما بعد التجرد من هوى

وتعصب وحمية الشيطان

واجعلهما حكما ولا تحكم على

ما فيها أصلا بقول فلان

وانصر مقالته كنصرك للذي

قلدته من غير ما برهان

قدر رسول الله عندك وحده

والقول منه إليك ذو تبيان

ماذا ترى فرضا عليك معيناً

إن كنت ذا عقل وذا إيمان

عرض الذي قالوا على أقواله

أو عكس ذاك فذانك الأمران

هي مفرق الطرقات بين طريقنا

وطريق أهل الزيغ والعدوان

قدر مقالات العباد جميعهم

عدما وراجع مطلع الإيمان

فالرب رب واحد وكتابه

حق وفهم الحـق منـه دان

ورسوله قد أوضح الحق المبيــــن

بغاية الإيضـاح والتبيان

ما ثم أوضح من عبارته فلا

يحتاج سامعها إلى تبيان

والنصح منه فوق كل نصيحة

والعلم مأخوذ عن الرحمن

فلأي شيء يعدل الباغي الهدى

عن قوله لولا عمى الخذلان

فالنقل عنه مصدق والقول من

ذي عصمة ما عندنا قولان

والعكس عند سواه في الأمرين يا

من يهتدي هل يستوي النقلان

تالله قد لاح الصباح لمن له

عينان نحو الفجر ناظرتان




تاريخ النشر 06/04/2009 


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127