الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

ما المنهاج والمنهج؟ (5) الشيخ عبد العزيز بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



ما المنهاج والمنهج؟ (5) 

 

د. عبد العزيز بن ندى العتيبي


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

نكمل ما وقفنا عنده في العدد السابق من ذكر الأدلة:

أدلة من كتاب الله:

1- قال تعالى: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } [البقرة : 185].

2- وقال تعالى:{ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا } [البقرة: 233]، وقال تعالى: { لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا } [البقرة: 286]، وقال تعالى:{ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } [الأنعام: 152].

3- وقال تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [الحج : 78].

4- وقال تعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }[التغابن: 16].

أدلة من السنة:

5- وروى البخاري (7288)، ومسلم (1337) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »دعوني ما تركتكم، إِنَّما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم«.

6- وروى البخاري (7202)، ومسلم (1867) في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنا إذا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة يقول لنا: »فيما استطعتم«. وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بعد ذلك يبايع على سنة الله ورسوله على قدر الاستطاعة، ودليلنا ما رواه البخاري (7203، 7205، 7272)، في صحيحه عن عبد الله بن دينار، أن عبد الله بن عمر كتب إلى عبد الملك بن مروان يبايعه؛ وأقر لك بذلك بالسمع والطاعة، على سنة الله وسنة رسوله؛ فيما استطعت.

6- وروى البخاري (7204)، ومسلم (56) في صحيحيهما من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فلقنني: »فيما استطعت والنصح لكل مسلم«.

7- وروى البخاري (5862)، ومسلم (782) في صحيحيهما من حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »يا أيها الناس! عليكم من الأعمال ما تطيقون«.


»وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت«


8- وروى البخاري (6306، 6323)، في صحيحه من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك [ما استطعت]، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت«،. قال: »ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة«.

وقوله: »ما استطعت«؛ أي: قدر استطاعتي، وهو الشاهد من ذكر حديث شداد بن أوس. قال الحافظ ابن حجر في الفتح (11/100): قوله : »ما استطعت«: إعلام لامته أن أحداً لا يقدر على الإتيان بجميع ما يجب عليه لله، ولا الوفاء بكمال الطاعات والشكر على النعم، فرفق الله بعباده؛ فلم يكلفهم من ذلك إلا وسعهم.اهـ


منع حظوظ النفس عن التطاول على عباد الله


قلت: قوله: »وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت«؛ أي: أنا على الطريقة والمنهاج ما استطعت إلى ذلك سبيلا، ولا يمنعني إلا العجز والعذر وعدم القدرة، فيا عباد الله! من كان من أمة الإسلام على قواعد سليمة، وجعل الميزان الشرعي في دينه ودنياه؛ هو الكتاب والسنة، فالواجب إحسان الظن به، وعلينا الإعراض عن الهوى وإيقاف حظوظ النفس التي تتطاول على عباد الله. ومن حظوظ النفس شهوة التقليد؛ ومحبة أن يسمع لها، ولا تخالف في رأي وقول أو فعل، بل تريد الانقياد دون طلب الحجة والدليل، وهي قاعدة فرعون؛ التي تجمع الضلال: [الانحراف والشدة]، قال تعالى: { قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ } [غافر:29]، ولذا يجب أن تروض تلك النفوس المريضة، وتعي وتعرف أنه قد خولف من هو أولى منها كالأفاضل من الصحابة والتابعين والأئمة المشهورين.

9- روى البخاري (1150)، ومسلم (784) في صحيحيهما من حديث أنس رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: »ما هذا؟« قالوا: لزينب تصلي، فإذا كسلت أو فترت أمسكت به، فقال: »حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتر قعد«.


التقليد يصد الناس عن الصراط المستقيم


ثالثاً: عدم التقليد وذمه:

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أما بعد:

هذا أحد الأصول والضوابط التي تعين على فهم المنهاج

وقال تعالى:{ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } [التوبة: 31].

قيل شعراً كما في كتاب جامع بيان العلم وفضله (2/169) لحافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر رحمه الله:

فجاهد وقلِّد كتاب الإله

لتلقى الإله إذا مُتَّ به

فقد قلَّدَ الناسُ رُهبـانَهم

وكلٌّ يُجـادل عن راهبـه

وللحق مسـتنبط واحـد

وكُلٌّ يَرَى الحقَّ في مذهبه

ففي ما أرى عجب غير أن

بيان التفرق من أعجبه

قال الله تعالى:{ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [الأعراف: 33]، وقال تعالى:{ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } [الإسراء: 36]، والتقليد ليس بعلم باتفاق أهل العلم، وما ليس بعلم فهو جهل ولذلك استحق الذم.


ونسب للشافعي:

كل العلوم سوى القرآن مشغلة

إلا الحديث وإلا الفقه في الدين

العلم ما كان فيه قــــال حدثنا

وما سوى ذاك وسواس الشياطين

وقال شرف الدين ابن أبي الفضل السلمي المرسي(655):

من كان يرغب في النجــاة فما له

غير اتباع المصـــطفى فـيما أتى

ذاك الســبيل المسـتقيم وغـــيره

سبل الضلالة والغواية والردى

فاتبع كتــاب الله والســنن التي

صحت فذاك إذا اتبعت هو الهدى

ودع السـؤال بكـم وكيـف فإنه

بـاب يجر ذوي البصـيرة للعمى


الإسلام جاء لمنع التقليد وإزالة ما جبل عليه الناس


لقد جُبل الناس منذ بدء الخلق على التقليد والمشابهة والمحاكاة حتى أن بعضهم تأثر بطباع البهائم التي عاش معها وخالطها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط(1/219): ولأجل هذا الأصل وقع التأثر والتأثير في بني آدم، واكتساب بعضهم أخلاق بعض بالمشاركة والمعاشرة، وكذلك الآدمي إذا عاشر نوعاً من الحيوان اكتسب من بعض أخلاقه، ولهذا صارت الخيلاء والفخر في أهل الإبل، وصارت السكينة في أهل الغنم، وصار الجمالون والبغالون فيهم أخلاق مذمومة من أخلاق الجمال والبغال، وكذلك الكلابون، وصار الحيوان الإنسي فيه بعض أخلاق الإنس من المعاشرة والمؤالفة وقلة النفرة، فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي. اهـ

فإن ما نراه من تقليد الأبناء للآباء، وتقليد الإخلاء، وتعصب التلاميذ للمشايخ والأولياء؛ هو من أعظم ما ابتليت بها البشرية، وما هو إلا نوع محاكاة ومشابهة ومتابعة من غير حجة، ولذا لا غرابة أن تكون المشاكلة والتقليد أصلا من أصول الشر والضرر الذي تتابع على الأمم وعظمت به البلية، وكان لقضية التقليد أهمية عظيمة في كتاب الله، ووجدت من الشرع اعتناء وتنبيهاً، بالتحذير منه تارة، وأخرى بالنهي عنه؛ وذلك من أجل نزع الرواسب وهدم العوائق التي في العقول، حتى تصبح عقولا غير ملوثة؛ بيضاء نقية، تقبل الحق وتذعن له، وهذا أمر يهيئ الناس ليصبحوا على استعداد لقبول ما أنزل إليهم من رب العالمين، وما جاء على لسان المرسلين، فلابد للأسوار التي بنيت من لبنات التقليد أن تزال، والحواجز التي نشأت من محاكاة الآخرين تهال، فلا وجود لما يحول بين الناس والحق المبين، وما يكون سببا لرفض الخير وعدم قبول ما جاء من عند الله.

وفي الفتح الرباني للشوكاني (5/2128) قال في ديوانه:

وبــادر بإلقــاء القـلادة مسرعاً

فإن الرضـى بالأسْر أعظمُ خِــزْيَةِ

فما فاض من فضلِ الإله على الألى

مَضُوْا فَهْوَ فَيَّاضٌ عليك بحكمةِ

فما جـاءنا نَقْلٌ بقصـرٍ ولا أتى

بذلكَ حُكمٌ للعُقُول الصحيحةِ

ولا تك مطواعاً ذلولاً لرائضٍ

تصير بهذا مُشْبِهـاً للبهيــــمةِ

فهذا هو الدَّاءُ العُضالُ الذي سَرَى

بهذا الوَرَى بلْ أَصْلُ كُلُّ بَليَّةِ

ومن اعرض وقلد ما عليه الآخرون بعد بيان الدليل وظهور الحجة، فإنه مكب على فعل من جنس فعل المشركين الذين ردوا الحق ورفضوه بقولِهم:{ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } [الزخرف: 24]، ولن ينفعه حينئذ رد الحق بحجة التقليد، وليس بنافعه من قلده يوم القيامة، بل يتبرأ المقَلَّدُ من المُقَلِّدِ، وتدبر قوله تعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا }[سبأ :31-33]، وقال تعالى: { إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ }[البقرة :166-167].

قال ابن القيم فِي أول كتابه »القيّم إعلام الموقعين«:

ثم خلف من بعدهم خلوف فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون وتقطعوا أمرهم بينهم زبرا وكل إلى ربهم راجعون، جعلوا التعصب للمذاهب ديانتهم التي بها يدينون ورءوس أموالهم التي بها يتجرون وآخرون منهم قنعوا بمحض التقليد وقالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون.اهـ

وللحديث بقية في العدد المقبل بإذن الله تعالى، والحمد لله رب العالمين.


تاريخ النشر 30/03/2009 


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127