الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

ما المنهاج والمنهج؟ (4) الشيخ عبد العزيز بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



ما المنهاج والمنهج؟ (4) 

 

د. عبد العزيز بن ندى العتيبي


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبي بعده القائل: »اللهم! من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم؛ فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم؛ فارفق به«؛ أما بعد: نحن اليوم مع العدد الرابع ونذكر فيه الأصل الثاني من الأصول التي تعين على معرفة المنهاج والطريق الواضح.

المشقة غير مقصودة في الطاعات؛

فالأجر على قدر الامتثال في الأعمال والعبادات

ثانياً: مراعاة الاستطاعة في الطاعة والامتثال:

إن اللَّه تعالى أَسقط عن العباد ما لا يقدرون عليه وأبقى عليهم ما يقدرون عليه مراعاة للقدرة والاستطاعة. وامتثال الطاعات والإتيان به؛ مُناطٌ بمقدور العباد، وما خرج عن القدرة والاستطاعة، فلا حرج على هذه الأمة، قال تعالى:{ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا } [البقرة: 233]، وقال تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [الحج: 78]. وفي أمم سابقة كانت المشقة مطلوبة، وأما شريعةُ محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن وُجِدَ نوع مشقة وكانت مصاحبة لعمل ما، فليست المشقة مقصودة لذاتها كما هو حال الأمم السالفة، فإن الآصار والأغلال عن هذه الأمة مرفوعة، والمشقة والتضييق على الأنفس ممنوعة في شريعة الإسلام، فأحلت الطيبات وحرمت الخبائث، قال تعالى:{ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [الأعراف: 157]. لقد منَّ الله على هذه الأمة بالحنيفية السمحة وجعل رسالة الإسلام هي رسالة التيسير والسماحة، فروى البخاري في صحيحه (1211،6127) من طريق شعبة وحماد بن زيد عن الأزرق بن قيس قال: كنا بالأهواز نقاتل الحرورية؛ فبينا أنا على جرف نهر إذا رجل يصلي، وإذا لجام دابته بيده، فجعلت الدابة تنازعه، وجعل يتبعها، قال شعبة: هو أبو برزة الأسلمي، فجعل رجل من الخوارج - وفي رواية: وفينا رجل له رأي -، يقول اللهم! افعل بهذا الشيخ، فلما انصرف الشيخ قال: إني سمعت قولكم - وفي رواية: فقال ما عنفني أحد منذ فارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم - وإني غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست غزوات أو سبع غزوات وثمان وشهدت تيسيرة.

نقف على منهجين في هذا النص:

الأول: »منهج مستقيم«: يتمثل في وصف أبو برزة الأسلمي رضي الله عنه لصحبة النبي صلى الله عليه وسلم ورفقه ومعاملته.

بقوله: 1- ما عنفني. 2- وشهدت تيسيرة.

الثاني: »منهج منحرف«: يمثله: وفينا رجل له رأي (أي: منحرف) وفي رواية: من الخوارج، ويتمثل في التعنيف الذي تعرض له أبو برزة الأسلمي؛ بقوله: 1- ما عنفني أحد منذ فارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: إلا ما وجد من هذا في ذلك اليوم.

2- وبدأ يذكر تيسير عهد النبوة مقارنة بالشدة والإنكار الذي وجده من ذلك الرجل.

هل الأجر على قدر المشقة أم على قدر موافقة السنة؟!

قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (10/620): قول بعض الناس: الثواب على قدر المشقة ليس بمستقيم على الإطلاق، كما قد يستدل به طوائف على أنواع من »الرهبانيات والعبادات المبتدعة«، التي لم يشرعها الله ورسوله، من جنس تحريمات المشركين وغيرهم ما أحل الله من الطيبات، ومثل التعمق والتنطع الذي ذمه النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: »هلك المتنطعون«؛ وقال: »لو مد لي الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم«، مثل الجوع أو العطش المفرط الذي يضر العقل والجسم ويمنع أداء واجبات أو مستحبات أنفع منه، وكذلك الاحتفاء والتعري والمشي الذي يضر الإنسان بلا فائدة: مثل حديث أبى إسرائيل الذي نذر أن يصوم، وأن يقوم قائماً ولا يجلس، ولا يستظل ولا يتكلم، فقال النبي: »مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه« رواه البخاري وهذا باب واسع. وأما الأجر على قدر الطاعة؛ فقد تكون الطاعة لله ورسوله في عمل ميسر كما يسر الله على أهل الإسلام »الكلمتين«، وهما أفضل الأعمال؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: »كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم« أخرجاه في الصحيحين ولو قيل الأجر على قدر منفعة العمل وفائدته لكان صحيحاً...

وقال أيضاً: فأما كونه مشقاً؛ فليس هو سبب لفضل العمل ورجحانه، ولكن قد يكون العمل الفاضل مشقاً ففضله لمعنى غير مشقته، والصبر عليه مع المشقة يزيد ثوابه وأجره، فيزداد الثواب بالمشقة، كما أن من كان بعده عن البيت في الحج والعمرة أكثر؛ يكون أجره أعظم من القريب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة في العمرة: »أجرك على قدر نصبك«، لأن الأجر على قدر العمل في بعد المسافة، وبالبعد يكثر النصب فيكثر الأجر، وكذلك الجهاد، وقوله صلى الله عليه وسلم: »الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأة ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران«، فكثيرا ما يكثر الثواب على قدر المشقة والتعب، لا لأن التعب والمشقة مقصود من العمل، ولكن لأن العمل مستلزم للمشقة والتعب، هذا في شرعنا الذي رفعت عنا فيه الآصار والأغلال، ولم يجعل علينا فيه حرج، ولا أريد بنا فيه العسر؛ وأما في شرع من قبلنا فقد تكون المشقة مطلوبة منهم. وكثير من العباد يرى جنس المشقة والألم والتعب مطلوباً مقرباً إلى الله؛ لما فيه من نفرة النفس عن اللذات والركون إلى الدنيا وانقطاع القلب عن علاقة الجسد، وهذا من جنس زهد الصابئة والهند وغيرهم.

ولهذا تجد هؤلاء مع من شابههم من الرهبان يعالجون الأعمال الشاقة الشديدة المتعبة من أنواع العبادات والزهادات، مع أنه لا فائدة فيها ولا ثمرة لها ولا منفعة...

وقال والناس أقسام:

- أصحاب »دنيا محضة« وهم المعرضون عن الآخرة.

- وأصحاب »دين فاسد« وهم الكفار والمبتدعة الذين يتدينون بما لَم يشرعه الله من أنواع العبادات والزهادات.

- و القسم الثالث: وهم »أهل الدين الصحيح أهل الإسلام المستمسكون بالكتاب والسنة والجماعة«.اهـ


»لولا أن أشق على أمتي«

كان النبي صلى الله عليه سلم رفيقاً بأمته مشفقاً على الجميع؛ أشفق على المرأة والرجل والطفل الصغير، وعلى الكبير والضعيف والمريض، وكان يحب الرفق في كل شأنه؛ لما روى البخاري (6024)، ومسلم (2165) في صحيحيهما من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »يا عائشة! إن الله يحب الرفق في الأمر كله«. ولهذا كان لا يرى الشدة والمشقة على المسلمين، وأوصى بهم، ودعا بالخير لمن رفق بهم، ودعا بالمشقة في الدنيا والآخرة على من شد وشق على أمته، فقد روى مسلم في صحيحه (1828) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا: »اللهم! من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم؛ فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم؛ فارفق به«.

فليتنبه كل من ادعى الاتباع والسير على إثر طريقة ومنهاج النبي صلى الله عليه وسلم، بالرفق واللين والتيسير بهذه الأمة، والبعد عن الشدة والتعسير، فلم يكن هذا المسلك يوما ما؛ منهجاً صالحا ولا طريقاً مستقيماً، فالشدة أبعد ما تكون عن هذا الدين، وإن محاسن الإسلام وميزته عن مختلف الشرائع والمناهج الأخرى؛ هو في رفقه ويسره، والتبشير بالخير، والبعد عن التنفير.

لولا أن أشق على....

(أ) روى البخاري (571)، ومسلم (642) في صحيحيهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما يقول: أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بالعشاء حتى رقد الناس واستيقظوا ورقدوا واستيقظوا فقام عمر بن الخطاب فقال الصلاة قال عطاء: قال ابن عباس: فخرج نبي الله صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إليه الآن يقطر رأسه ماء واضعا يده على رأسه فقال: »لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا«.

(ب)روى البخاري(887)، ومسلم (252) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة«.

(ج) وروى البخاري(36)، ومسلم (1876) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »تضمن الله لمن خرج في سبيله؛ لا يخرجه إلا جهاداً في سبيلي، وإيماناً بي وتصديقاً برسلي، فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه؛ نائلا ما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفس محمد بيده لولا أن يشق على المسلمين؛ ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، ولوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل«.

* قال النووي في شرح صحيح مسلم: قوله: »والذي نفس محمد بيده لولا أن يشق على المسلمين؛ ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله« وفيه: ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الشفقة على المسلمين والرأفة بهم، وأنه كان يترك بعض ما يختاره للرفق بالمسلمين، وأنه إذا تعارضت المصالح بدأ بأهمه. وفيه: مراعاة الرفق بالمسلمين، والسعي في زوال المكروه والمشقة عنهم. اهـ

(د) وروى البخاري (707) في صحيحه من حديث أبي قتادة رضي الله عنه، عن النبي - قال: »إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي؛ كراهية أن أشق على أمه«.

لا ينكر المصلي قائما على المصلي قاعداً

ولذا علينا مراعاة أحوال الناس في الدعوة إلى كتاب الله وسنة نبيه، فقد أُمرنا بالتيسير وترك التعسير، في العمل وفي الدعوة إلى هذا الدين تعليمًا وتفهيماً، كما روى البخاري في صحيحه (220) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: »فإِنَّما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين«، وقد بوب محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله في صحيحه باباً خاصاً في كتاب العلم تحذيراً من التنفير قال: »باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا«، وَأَوْدَعَ فيه ما رواه البخاري (69)، ومسلم (1734) في صحيحيهما من حديث أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا«. وأعاد ذكره في كتاب الأدب - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: »يسروا ولا تعسروا«، وكان يحب التخفيف واليُسر على الناس - وروى عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: »يسروا ولا تعسروا، وسكِّنوا ولا تُنَفِّروا«، فدعا إلى التيسير ونهى عن المشقة على العباد بقوله: »ولا تُنَفِّروا«، فالدعوة إلى ما فيه عسر ومشقة على الناس تنفره منه النفوس وتأباه، وقال الحافظ في الفتح: قوله: »يسروا« هو أمر بالتيسير، والمراد به: الأخذ بالتسكين تارة؛ وبالتيسير أخرى؛ من جهة أن التَّنفير يصاحب المشقة غالباً وهو ضد التَّسكين، والتَّبشير يصاحب التسكين غالبا وهو ضد التَّنفير.اهـ. وعند النظر إلى منهاج هذه الشريعة بالطلب والحث على أن تكون الطاعة والمتابعة والامتثال على قدر الاستطاعة، فالكل مطيع بقدر استطاعته، والكل قد أدى واجب الطاعة، والكل قد أدى الصلاة، [فلا ينكر المصلي قائما على المصلي قاعداً، فإن من عجز عن القيام ففرضه الجلوس وليس القائم بأفضل منه بالنص والإجماع] فقد روى البخاري في صحيحه (1117) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال: كانت بي بواسير فسألتُ النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال: »صَلِّ قائماً فإن لَم تستطع فقاعداً فإن لَم تستطع فعلى جنب«.

وفي العدد المقبل بإذن الله نذكر الأدلة من الكتاب والسنة على ذلك والحمد لله رب العالمين.




تاريخ النشر 23/03/2009 

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127