الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

ما المنهاج والمنهج؟ (3) الشيخ عبد العزيز بن ندَى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



ما المنهاج والمنهج؟ (3) 

 

د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي


سنبدأ معك أخي القارئ بذكر أصول تعين على معرفة المنهاج والطريق الواضح:


الاتباع والطاعة والامتثال


إن الإسلام مبني على أصلين؛ (1) أن لا نعبد إلا الله وحده، (2) وأن نعبده بِما شرع على لسان رسوله، لا نعبده بالأهواء والبدع. قال الشاطبي في الاعتصام (1/157): السنة حجة على جميع الأمة، وليس عمل أحد من الأمة حجة على السنة، لأن السنة معصومة عن الخطأ، وصاحبها معصوم، وسائر الأمة لم تثبت لهم عصمة؛ إلا مع إجماعهم خاصة، وإذا اجتمعوا تضمن إجماعهم دليلا شرعياً.... وقال: فالواجب علينا أن نقف مع الاقتداء بمن يمتنع عليه الخطأ، ونقف على الاقتداء بمن لا يمتنع عليه الخطأ، إذا ظهر في الاقتداء به إشكال، بل نعرض ما جاء عن الأئمة على الكتاب والسنة، فما قبلاه قبلناه، وما لم يقبلاه تركناه.اهـ


أولا: الاتباع والامتثال:

قال الله تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا }[الأحزاب: 21]. في هذه الآية الدليل على أن القدوة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا قدوة غيره، ولا حجة في كلام سواه كائناً من كان، فهو المعصوم وحدة، ولا عصمة لأحد من بعده، ولم يوحى إلى بشر آخر بشرائع الإسلام، وهذا المعصوم لم يزد في شرع الله على ما جاء من عند الله، ولم يبحث في التوراة والإنجيل وكتب الحكمة والحكماء، بحجة الانتصار للحق، والإبداع العقلي في إنجاح الدعوة إلى الله ونصرة الدين، فلم يخترع طريقة أو مذهباً، ولم يعظم قبر أمه وأبيه وبنيه، ولَم يقلد أحداً من آبائه وأبناء عشيرته وأصحابه، ولم يتأثر بمحيطه أو يجنح إلى التشبه بِأحدٍ مِمن حوله، ولَم يتخذ مرجعاً غير الوحي الذي أتى بخبره من عند الله جبريل الأمين.


لا عصمة للمشايخ والأولياء والمذاهب والأحزاب


والعصمة لواحد: رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ هو الأسوة والقدوة

اعلموا عباد الله أنها لن تكون، ولا ينبغي لها أن توجد؛ الأسوة الحسنة؛ في المراجع والمشايخ والأولياء، وكذلك لا ينبغي أن تُطْلَب الأسوة والقدوة الحسنة؛ لدى المذاهب والطرق والأحزاب. لذا يجب أن لا يمتحن الناس بمقالة أحد غير كتاب الله وسنة نبيه، فلم نؤمر إلا بطاعة الله الواحد الأحد الفرد الصمد؛ طاعة تكون محصنة بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى الطريقة والنهج الذي بلغه وأحسن بيانه.

وروى البخاري في صحيحه (6098) في كتاب الأدب - باب في الهَدْي الصالح، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: هو الطريقة الصالحة.اهـ ورواه البخاري أيضاً (7277) في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم - من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي؛ هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها.

ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من الخروج عن طريقته وسنته وسبيله، لما رواه البخاري (2697)، ومسلم (1718) في صحيحيها من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: »من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رَدٌّ«، وفي روايةٍ لمسلم في صحيحه (1718): »من عمل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ«.


أصول ابن عمر رضي الله عنه في المنهاج

قال: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أسوة وقدوة حسنة لأصحابه رضي الله عنهم في حياته وبعد مماته، كما روى البخاري في صحيحه (6705) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، سئل عن رجل نذر أن لا يأتي عليه يوم إلا صام، فوافق يوم أضحى أو فطر فقال: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }؛ لم يكن يصوم يوم الأضحى والفطر، ولا يرى صيامهما.

ولذا كان الصحابة رضي الله عنهم يرون الأمر واجباً بالطاعة والاتباع والامتثال للنبي صلى الله عليه وسلم.

-1 قال الله تعالى: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }[الأنعام: 153].

-2 وقال تعالى: { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } [آل عمران:32]، { فَإِنْ تَوَلَّوْا }؛ أي: خالفوا عن أمره.

-3 وقال تعالى:{ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ }[النور: 54].

-4 وقال تعالى: { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }[آل عمران:132].

-5 وقال تعالى:{ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا } [النساء: 80]

-6 وقال تعالى: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } [النساء: 69].

-7 وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } [الأنفال: 20-21].

-8 وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } [الأنفال: 24].

-9 وقال تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } [ آل عمران:31].

-10 وقال تعالى: { وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [الحشر: 7].


أصول ابن مسعود رضي الله عنه في المنهاج

قال: { وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ }

وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيامه ومن بعده من أفضل أهل الأرض إتباعاً له، وأخذاً لكتاب الله والعمل بما جاء به، وإليك ما روى البخاري (4886)، ومسلم (2125) في صحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والنامصات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن؛ المغيرات خلق الله، قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد، يقال لها أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته، فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن؛ المغيرات خلق الله، فقال عبدالله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهو في كتاب الله، فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف؛ فما وجدته، فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله عز وجل:{ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ } [الحشر: 7]، فقالت المرأة: فإني أرى شيئاً من هذا على امرأتك الآن، قال: اذهبي فانظري، قال: فدخلت على امرأة عبدالله، فلم تر شيئاً، فجاءت إليه، فقالت: ما رأيت شيئاً، فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها. وليس هذا بغريب على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقد روى البخاري في صحيحه (6097) من طريق الأعمش قال: سمعت شقيقاً قال: سمعت حذيفة يقول: إن أشبه الناس دلاً وسمتاً وهدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم لابْنُ أُمِّ عَبْدٍ، من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه، لا ندري ما يصنع في أهله إذا خلا. وقد روى الدارمي في سننه (205) ما صح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: اتَّبعوا، ولا تبتدعوا، فقد كُفيتم.


منهاج حذيفة بن اليمان رضي الله عنه

ولم يكن أمرُ الاتباع والامتثال هذا غريب عن الراوي عنه؛ أعني الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، الذي كان يوصي بالاتباع والاقتداء، ويدعو إلى التمسك بالكتاب والسنة، والتحذير من الانحراف الصراط المستقيم، لما رواه البخاري في صحيحه (7282) من حديث حذيفة قال: يا معشر القراء! استقيموا، فقد سبقتم سبقاً بعيداً، فإن أخذتم يميناً وشمالاً، لقد ضللتم ضلالاً بعيداً، والقراء: هم العلماء بالقرآن والسنة.

-9 وروى البخاري (7283)، ومسلم (2283) في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى قوماً فقال: يا قوم! إني رأيت الجيش بعَيْنَيَّ، وإني أنا النذير العريانُ، فالنجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مَثَلُ من أطاعني فاتَّبَع ما جئت به، ومَثَلُ من عصاني وكذب بما جئت به من الحق«.

-10 وروى البخاري في صحيحه (14) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »فوالذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم؛ حتى أكون أحب إليه من والده وولده«.

قال أبو جابر عبد الله بن حرام الأنصاري:

(لا أترك بعدي أَعَزّ علي منك غير رسول الله صلى الله عليه وسلم)

-11 وروى البخاري (15)، ومسلم (44) في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين«. وهذا ما عمل به الصحابة واعتقدوه؛ فقد روى البخاري في صحيحه (1351) من حديث جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري رضي الله عنهما قال: لما حضر أحد دعاني أبي من الليل، فقال: ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإني [لا أترك بعدي أعز علي منك غير رسول الله صلى الله عليه وسلم]؛ فإن علي ديناً فاقض واستوص بأخوتك خيرا«.

إن الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من آبائنا وأولادنا، وكذلك الناس أجمعين، وهذا التقديم في المحبة يقتضي تقديمه في المتابعة، فكيف نرضى لأنفسنا بعد أن تركنا الأهل والناس أجمعين، بأن نقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيخاً أو ولياً، وهل من العقل أن ندع الوحي ونقدم عليه مذهباً وطريقة وحزباً وشعاراً؟!

-12 روى البخاري فِي صحيحه (631) من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »صلوا كما رأيتمونِي أصلي«. وفيه دعوة إلى الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا نص عام وخاص؛ دليل عام في الاتباع في كل شرائع الإسلام، ودليل خاص في متابعته في عبادة الصلاة؛ فلا تكون صلاة الأحناف، ولا صلاة مالكية، ولا صلاة شافعية، ولا صلاة حنبلية؛ بل صلاة كصلاة من يستحق المتابعة وحده،

-13 وروى مسلم في صحيحه (1297) عن أبي الزبير أنه سمع جابراً يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر ويقول:»لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه«. ويستفاد من هذا الحديث أيضاً دليل عام ودليل خاص؛ دليل عام في الاتباع في كل شرائع الإسلام، ودليل خاص في متابعته في عبادة الحج. قال تعالَى:{ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ }[ يوسف: 108].

-14 روى مسلم في صحيحه (1690) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »خذوا عني، خذوا عني«.

قال أبو القاسم اللالكائي وفي شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/22): فلم نجد في كتاب الله، وسنة رسوله، وآثار صحابته؛ إلا الحث على الاتباع وذم التكلف والاختراع، فمن اقتصر على هذه الآثار كان من المتبعين، وكان أولاهم بهذا الاسم، وأحقهم بهذا الوسم، وأخصهم بهذا الرسم؛ أصحاب الحديث، لاختصاصهم برسول الله، واتباعهم لقوله، وطول ملازمتهم له، وتحملهم علمه، وحفظهم نفاسه وأفعاله، فاخذوا الإسلام عنه مباشرة، وشرايعه مشاهدة، وأحكامه معاينة من غير واسطة ولا سفير بينهم وبينه واصلة، فجاولوها عياناً، وحفظوا عنه شفاها، وتلقفوه من فيه رطباً، وتلقنوه من لسانه عذباً، واعتقدوا جميع ذلك حقاً، واخلصوا بذلك من قلوبهم يقيناً، فهذا دين أخذ أوله عن رسول الله مشافهة، لم يشبه لبس ولا شبهة، ثم نقلها العدول عن العدول، من غير تحامل ولا ميل، ثم الكافة عن الكافة، والصافة عن الصافة، والجماعة عن الجماعة، أخذ كف بكف، وتمسك خلف بسلف، كالحروف يتلو بعضها بعضاً، ويتسق أخراها على أولاها رصفاً ونظما.

والحمد لله رب العالمين، وتابعوا معنا في العدد القادم بقية الضوابط والأصول.





تاريخ النشر 16/03/2009


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127