الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

ما المنهاج والمنهج؟ (1) الشيخ عبد العزيز بن ندَى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



ما المنهاج والمنهج؟ (1) 

 


الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أما بعد:

يتردد على الأسماع كثيراً في هذا الزمان وفي كثير من الأماكن والبلدان ألفاظ المنهاج والمنهج، ونشأ الخلاف وزاد وكثر حول التمسك بالمنهاج، ومن هو على المنهج أو مخالف له؟ مِمّا كان دافعاً لتناول هذا الموضوع وكشف الغطاء عنه، وهل هو من العلوم الشرعية؟ محاولا الإيضاح والبيان والله المستعان.

الكتاب والسنة؛ طريق العلم بالإسلام، والعمل به، والدعوة إليه

أيها المسلمون! إن المراد بالمنهاج هو الطريق الواضح والسبيل الوحيد، وبيان أن دين الإسلام لا يكون لأحد معرفته وفهمه وعلمه؛ إلا بالأخذ بكتاب الله عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ }ابراهيم :1 }، وقال تعالى: { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } [النحل: 89]، وقال تعالى: { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ }[فاطر: 24].

ومع كثرة المدارس التي طرقت، والمحاولات التي بذلت، والطرق التي سلكت لمعرفة هذا الدين! لا بد من التسليم أنه لا طريق واضحاً، ولا سبيل قويماً، وصراطاً مستقيماً؛ إلا ما أنزله الله في كتابه العزيز، وبَيَّنَه نَبِيُّه في السنة الصحيحة، قال تعالى: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [الأنعام: 153]، وقال: { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ }[الجاثية:18]، وهذا خطاب وبيان ومنهاج للرسول صلى الله عليه وسلم، ولمن تبعه من أمته إلى يوم القيامة، وما الإسلام إلا آية من كتاب الله أو حديث صحيح من سنة نبيه، وتُحدد مَعالِم الفهم بعمل الرسول الله صلى الله عليه وسلم وقيامه بهذا الدين، وفهم الصحابة رضي الله عليهم، ومن سار على طريقهم وسلك سبيلهم من التابعين، وقد روى الإمام أحمد في المسند (1/435) بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خطَّ لنا رسول الله صلى الله عيه وسلم خطاً، ثُم قال: »هذا سبيل الله«، ثُم خطَّ خطوطاً عن يَمينه وعن شِماله، ثُم قال: »هذه سُبُل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثُم قرأ: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ }«.

فإياكم واتباع السبل، وعليكم التمسك بسبيل الله، ولا تعرضوا أو تنحرفوا عنه؛ كيف وقد عُرِفَت حدودُه، وَبُيِّنَتْ ضَوابِطُهُ؛ أَتَمَّ بيانٍ في كتاب الله وسنة نبيه، و بهذا السبيل تمسك الصحابة رضي الله عنهم، واعتصموا به، ولم يحيدوا عنه، والخير كله لِمن سلك منهج الصحابة، فهو على المنهج الحق.




تعريف المنهاج والمنهج

التعريف:


لغة: المنهاج: الطريق الواضح البين المستقيم، وقوله: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ }[الفاتحة:6]؛ أي: ثبتنا على المنهاج الواضح.

* قال أبو جعفر النحاس في معاني القرآن (3/359): والصراط في اللغة المنهاج الواضح.

* وقال ابن منظور في اللسان في مادة ( نَهج ): طريق نهج: بين واضح، وهو النهج، ومنْهَج الطريق: وضحه. والمنهاج: كالمنهج، وفي التنزيل: { لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً }[المائدة: 48]. وأنهج الطريق: وضح واستبان، وصار نَهجا واضحا بينا. و المنهاج: الطريق الواضح، واستنهج الطريق: صار نَهجا، و نهجت الطريق: أبنته وأوضحته، يقال: اعمل على ما نهجته لك، ونهجت الطريق: سلكته. وفلان يستنهج سبيل فلان؛ أي: يسلك مسلكه. و النهج: الطريق المستقيم.

المنهاج في »كتاب الله العزيز«

وفي كتاب الله: قال تعالى:{ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا }[المائدة: 48].

* قال البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان... وقال ابن عباس: { شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا }[المائدة: 48]، سبيلاً وسنة. وفي كتاب التفسير - باب تفسير سورة المائدة - { شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا }[48] سبيلاً وسنة. قلت: وقول ابن عباس روي موصولاً، فقد رواه عبد الرزاق الصنعاني في التفسير (2/22)، والطبري في التفسير (10/387) بإسناد صحيح عن ابن عباس في قوله تعالى: (شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) قال: سبيلا وسنة. وقال الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق (2/25): حديث صحيح. قلت: وهو كما قال.

* وقال شيخ المفسرين محمد بن جرير الطبري:

و [الشرعة]: هي الشريعة بعينها، تجمع الشرعة: شِرَعًا، والشريعة: شرائع، ولو جمعت الشرعة: شرائع، كان صوابًا، لأن معناها ومعنى: الشريعة واحد، فيردّها عند الجمع إلى لفظ نظيرها، وكل ما شرعت فيه من شيء فهو شريعة. ومن ذلك قيل: لشريعة الماء: شريعة، لأنه يُشْرع منها إلى الماء. ومنه سميت شرائع الإسلام؛ شرائع، لشروع أهله فيه. ومنه قيل للقوم إذا تساووا في الشيء: هم شَرَعٌ؛ سواءٌ.

وأما[ المنهـاج ]، فإن أصله: الطريقُ البيِّن الواضح، يقال منه: هو طريق نَهْجٌ، وَمنهْجٌ بيِّنٌ، كما قال الراجز:

من يكُ في شـك فهذا فَلْجُ * * * ماءٌ رَوَاءٌ وطريقٌ نَهْـجُ

ثم يستعمل في كل شيء كان بيناً واضحاً سهلاً.

= فمعنى الكلام: لكل قوم منكم جعلنا طريقاً إلى الحق يؤمُّه، وسبيلاً واضحاً يعمل به.اهـ

* قال ابن كثير في التفسير: أما ( المنهاج ): فهو الطريق الواضح السهل، فتفسير قوله: { شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } بالسبيل والسنة أظهر.اهـ

* وقال الشوكاني في فتح القدير: ومعنى الآية: أنه جعل التوراة لأهلها، والإنجيل لأهله، والقرآن لأهله، وهذا قبل نسخ الشرائع السابقة بالقرآن، وأما بعده؛ فلا شرعة ولا منهاج إلا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.اهـ

المنهاج في السنة: »خلافة على منهاج النبوة«

وفي الحديث: روى أبو دود الطيالسي في مسنده (ص 58)، ومن طريقه أحمد في المسند (4/273) بإسناد جيد من طريق حبيب بن سالِم عن النعمان بن بشير قال: كنا قعوداً في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان بشير رجلاً يكف حديثه، فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد! أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته، فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضاً، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة«، ثم سكت.

قال حبيب: فلما قام عمر بن عبد العزيز وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته، فكتبتُ إليه بِهذا الحديث أذكره إياه، فقلت له: إني أرجو أن يكون أمير المؤمنين يعنى: عمر بعد الملك العاض والجبرية، فادخل كتابي على عمر بن عبد العزيز فَسُرَّ به وأعجبه.

= وفي الأثر السابق: »تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون،.

.. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة« الحديث. ويفسره ما رواه أحمد في المسند (4/126) وأصحاب السنن مِما صح من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، قلنا: يا رسول الله! إن هذه لَموعظة مودع؛ فماذا تعهد إلينا؟ قال: »قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بِما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين الْمَهْدِيِّينَ، وعليكم بالطاعة؛ وإن عبداً حبشياً، عَضوا عليها بالنواجذ«. وفي روايةٍ صحيحة لأحمد (4/126): »فإنه من يعش منكم؛ يرى بعدي اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعَضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة«.

قوله: »تكون النبوة«؛أي: يبقى فيكم الإسلام كاملا كما أنزل، ولذا فُسِّرَ عهدُ النبوة المذكور هنا بما جاء في حديث العرباض؛ بقوله: »تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك«، وبين أن عهد الخلفاء الراشدين الأربعة؛ سيكون عهد خير وبركة؛ على سنته ونهجه وطريقته؛ »خلافة على منهاج النبوة«، وذَكَّر الناس وبين لَهم؛ أن عليهم عند ظهور الفتن التمسك بمنهاجه ومنهاج خلفاءه الراشدين من بعده؛بقوله: »فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعَضوا عليها بالنواجذ«.

ونختم بحمد الله رب العالمين، وتابعوا معنا في الأعداد القادمة تتمة لبيان المنهج والمنهاج.




تاريخ النشر 02/03/2009 


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127