الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

نعم لمشروعية الصلح والهدنة مع المخالف (2) الشيخ عبد العزيز بن ندَى العتيبيي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



نعم لمشروعية الصلح والهدنة مع المخالف (2) 

 

الدكتـور عبد العزيز بن ندَى العتيبيي


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أما بعد:

نكمل ما بدأناه في العدد السابق من تشريع الله عز وجل للصبر وتشريعه للهجرة، فنقول:


الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة


وروى البخاري في صحيحه (5807) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: هاجر ناس إلى الحبشة من المسلمين، وتجهز أبو بكر مهاجراً، فقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: »على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي«، فقال أبو بكر: أو ترجوه بأبي أنت؟ قال: »نعم«. فحبس أبو بكر نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم لصحبته، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر، قال عروة: قالت عائشة: فبينا نحن يوما جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة، فقال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا، متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، قال أبو بكر فدى له: بأبي وأمي والله إن جاء به في هذه الساعة لأمر، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فاستأذن، فأذن له، فدخل فقال حين دخل لأبي بكر: »أَخْرِج من عندك«، قال إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال: »فإني قد أذن لي في الخروج«، قال: فالصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله ؟ قال: »نعم«.

وذكر البخاري في صحيحه: باب هجرة الحبشة، وقالت عائشة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: »أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين«. فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة.


(شرع الله الجهاد حماية للدين ونشرة)


قامت قريش بمعارضة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وبغى المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه رضي الله عنهم، فواجهوهم بأنواع الأذى، حتى أخرجوهم من ديارهم وأرضهم ووطنهم؛ مكة، فكان الأذن من الله لَهم بالخروج من دورهم، وكان لِهذا الامتثال بالصبر على الأذى، والخروج فراراً بالدين والعرض والنفس، أن يسر الله لَهم التمكين في الأرض ونصرهم على من بغى عليهم، قال تعالى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا } [الطلاق: 3-2]، وأُذن لهم في البداية برد العدوان، قال تعالى: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } [الحج :39]، ثم بعد ذلك شُرع جهادُ الطلب نشراً للتوحيد والدعوة إلى عبادة الله وحده، لا شريك له، قال تعالى: { وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } [التوبة: 36].


(شرع الله الصلح مع المخالف مصلحة للأمة)


كان النبي صلى الله عليه وسلم يصالح إذا رأى أن في ذلك مصلحة للإسلام والمسلمين، حيث إن الصلح يكون منهياً عنه في بعض الأحوال، قال تعالى: { فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ } [محمد: 35]، وأما ما كان من فعله وجنوحه للمصالحة؛ فذلك تشريع لأمته، لتسلك السبيل نفسه، عندما يرى ولاة الأمر وأهل الحل والعقد أن المصير في حفظ الدين هو الصلح ومصالحة المخالف ومهادنته، ومثاله ما حصل في صلح الحديبية، قال تعالى: { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ } [الأنفال:62-61]، وهذه الآية ليست منسوخة بآية السيف في براءة: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } [التوبة:29]، فقد قال ابن كثير في تفسيره: وفيه نظر أيضا لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إن كان العدو كثيفاً؛ فإنه يجوز مهادنتهم، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص والله أعلم، وقوله: { وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } ؛ أي: صالحهم وتوكل على الله، فإن الله كافيك، وناصرك، ولو كانوا يريدون بالصلح خديعة ليتقووا ويستعدوا، { فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ } ؛ أي: كافيك وحده.اهـ


شروط الصلح قُبِلت للمصلحة


روى أحمد في المسند (302/4)، وأبوعوانة في مسنده (90/8)، والبيهقي في السنن الكبرى (226/9) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: صالح النبي صلى الله عليه وسلم المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياء؛ على من أتاه من المشركين رده إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لَم يردوه، وعلى أن يدخلها من قابل، ويقيم يها ثلاثة أيام، ولا يدخلها إلا بجلبَّان السلاح السيف والقوس ونحوه. فجاء أبو جندل يحجل في قيوده فرده إليهم. ورواه البخاري في الصحيح تعليقاً والحديث صحيح؛ وله شاهد من حديث مسور بن مخرمة في صحيح البخاري (2734)، وحديث أنس في صحيح مسلم (1784).


طلب الكفار خروجه فخرج التزاماً بالمواثيق


وروى البخاري في صحيحه (2701، 4252) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمراً، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحا عليهم إلا سيوفا، ولا يقيم بِها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما كان صالحهم، فلما أقام بِها ثلاثا أمروه أن يخرج، فخرج.


للإمام أن يعقد الصلح على ما رآه مصلحة للمسلمين


قال النووي في شرح صحيح مسلم عند حديث البراء (1783): وفيه أن للإمام أن يعقد الصلح على ما رآه مصلحة للمسلمين، وإن كان لا يظهر ذلك لبعض الناس في بادئ الرأي، وفيه احتمال المفسدة اليسيرة لدفع أعظم منها أو لتحصيل مصلحة أعظم منها إذا لَم يمكن ذلك إلا بذلك.اهـ

والحمد لله على منه وكرمه وتوفيقه وإحسانه.




تاريخ النشر 16/02/2009 


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127