الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

نعم لمشروعية الصلح والهدنة مع المخالف (1) الشيخ عبد العزيز بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



نعم لمشروعية الصلح والهدنة مع المخالف (1) 

 


الدكتور/ عبد العزيز بن ندى العتيبي


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أما بعد:

أيها المسلمون! إن الانفعالات والعواطف لا تصنع أمجاداً، ولا تدرأ فساداً، والقول المزخرف لا يرفع شأن أمة مريضة، وسبك العبارات ليس علاجاًً ولا نرى له أثراً ونتاجاً، وانظر إلى تأثير كلام النساء على عقلاء الرجال من شدة التمويه والتلاعب بالألفاظ المغلفة بالعواطف، لِما روى البخاري (304)، ومسلم (80) في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: »ما رأيت من ناقصات عقل ودين؛ أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن«. وما ذلكم السحر والأثر لزخرف القول إلا كذلك، قال تعالى:*يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا * [الأنعام:112]، سُمِّي القول زخرفاً لِما فيه من التَّزْيِّين والتَّمويه وسراب الجمال، والحقيقة أنه لا علاقة له بأصل الكتاب والسنة، ومنه قول الله تعالى:*فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ* [الأعراف: 22].


*أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا*


أيها المسلمون! إن المحافظة على الدين والتشريع وحياة المسلمين، والاهتمام بِمصالح الأمة، والبعد عن الفساد والكوارث التي قد تحل بالمسلمين، هو بتدبر كتاب الله والتأسي برسوله، قال تعالى:* أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا* [النساء: 82- 83].


الرفعة والعز والمهابة لهذه الأمة بالكتاب والسنة


أيها المسلمون! إن الرفعة والعز والمهابة لِهذه الأمة؛ لا تكون إلا بالعودة إلى الكتاب والسنة، والأخذ منهما، قال تعالى: *مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ* [الأنعام: 38]؛ أي: ما تركنا شيئاً من أمر الدين؛ إلا وقد دللنا عليه في القرآن، إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يُتَلقَّى بيانها من الرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: *وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ* [النحل: 89]، وقال تعالى: * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا*[الأحزاب: 21]. قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم فِي أقواله، وأفعاله، وأحواله. و روى مسلم في صحيحه (1844) من حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص رضي الله عنهما قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فقال: »إنه لَم يكن نبيٌّ قبلي؛ إلا كان حقًّا عليه أن يدُلَّ أمَّته على خير ما يعلمُه لَهم، ويُنذرهم شرَّ ما يعلمه لَهم«.


كيف تُحسم نظرية الصياح والعويل وقلب الحقائق؟


أيها المسلمون! إن رد الأمور إلى كتاب الله وسنة نبيه كافٍ لحسم مادة الخلاف وقطع دابر الشر، وبيان الحق للناس وإعلانه على رؤوس الأشهاد، قال تعالى: *وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ* [الشورى:10]، وقال تعالى: *فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا * [النساء:59]، فالأخذ بيد العقل لينظر في النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، والخروج منه بالحلول والنتائج التي فيها أفضل علاج لِهذه الأمة التي أُرهقت بنظريات الزعيق والصياح وقلب الحقائق.


العلاج في وداع العواطف والقصص والصياح


أيها المسلمون! لقد جاء في الكتاب والسنة أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قد صبر وهاجر وقاتل وصالح.....فالصبر تشريع، والهجرة تشريع، والجهاد تشريع، والصلح تشريع؛ وكل ما تقدم ذكره من الشريعة، وكلٌ يُنَزَّل على الحالة التي بِها حفاظ على دين الأمة ومصالح المسلمين.


(شَرَعَ اللهُ الصبرَ)


فكان الصبر من النِّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وأمر أصحابه رضي الله عنهم بالصبر عندما كان الحال يقتضي الصبر والمصابرة، قال الله تعالى: *اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ* [ص: 17]، وقال تعالى: *فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ* [غافر: 55]، وروى البخاري في صحيحه (3612) من حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: »كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيشق فيجعل نصفين، وما يصده ذلك عن دينه، ويُمشط بأمشاط الحديد، ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله؛ ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون«.


(شَرَعَ اللهُ الهجرةَ)


ولذلك أُمر النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة، وهاجر عندما كان في ذلك حفظاً للإسلام وأهله، قال الله تعالى:*إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا* [النساء: 97]، قال ابن كثير في تفسيره: هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنا من إقامة الدين؛ فهو ظالم لنفسه، مرتكب حراما بالإجماع، وبنص هذه الآية، حيث يقول تعالى: *إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ*؛ أي: بترك الهجرة، *قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ* ؛ أي: لِمَ مكثتم ها هنا وتركتم الهجرة؟ *قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ* ؛ أي: لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض، *قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا *.اهـ

وقال تعالى:*إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ* [الأنفال: 72]، وقد روى البخاري (3851، 3902)، ومسلم (2351) في صحيحيهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة، يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة، فهاجر إلى المدينة، فمكث بِها عشر سنين، ثم توفي صلى الله عليه وسلم. وهذا لفظ البخاري.

وللحديث بقية.. والحمد لله رب العالمين





تاريخ النشر 09/02/2009 


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127