الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

موسى خرج من أرضه، وحافظ على دينه وشعبه - الشيخ عبد العزيز بن ندَى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                

موسى خرج من أرضه، وحافظ على دينه وشعبه 

 


الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أما بعد:

إن حياة الناس من لدن آدم عليه السلام إلى يومنا هذا، قائمة على ترحال الأفراد، والقبائل والشعوب، من الأماكن التي لا تجد الأمن والحرية في ممارسة ما يريدون من شعائر الدين وحقوق النفس فيها، واللجوء إلى الأماكن التي تجمع نعمة الأمان، ولقمة العيش الطيبة، والمحافظة على الدين والنفس، وجلب المنافع التي تكفل لَها حياة كريمة، قال تعالى: *وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ* [الإسراء:70]، وقد كان على رأس هؤلاء الذين خرجوا من مكان إلى غيره، وهاجروا من موقع إلى آخر، الأنبياء وأتباعهم.


الأذى والتعذيب الذي تعرض له شعب بني إسرائيل


حكم مصر ملك ظالم كافر ( فرعون ) سُلط على بني إسرائيل الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب بن نبي الله إسحاق بن نبي الله إبراهيم خليل الله، وكانوا في ذلك الزمن خيار أهل الأرض، وتعرضوا للأذى والدليل قال تعالى: *فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ* [غافر: 25]، وقوله تعالى: *قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا* [الأعراف: 129]، وهذه الشكوى لموسى من قومه تفسر المعاناة، وما واجه بنو إسرائيل وذاقوه في بلدهم، وأرضهم، وفي مقامهم، ووطنهم؛ من أنواع التعذيب والبطش والتنكيل ما تَهول العقول لوصفه، وذلك قبل ولادة موسى وتكليفه بالنبوة وحمل الرسالة، وزاد العذاب والأذى بِموسى ومن آمن معه من بني إسرائيل وغيرهم كالقبط، وما كان ارسال موسى إلا سنة الله الجارية على إبلاغ الأمم وإقامة الحجج بالأنبياء والرسل، قال تعالى: *وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ* [النحل : 36]، فكان إرسال موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل قال تعالى: *ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ*[ الأعراف: 103-104].


خروج موسى عليه السلام من مصر


وحفاظا على موسى وقومه من بطش الظلمة؛ أمر الله موسى أن يخرج بأتباعه من بني إسرائيل ومن آمن معه، قال تعالى:*وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لاَ تَخَافُ دَرَكًا وَلاَ تَخْشَى*[طه: 77]. وقال تعالى: *وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ* [الشعراء: 52]. قال محمد بن جرير الطبري في جامع البيان: وقوله: *وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ* يقول: وأوحينا إلى موسى إذ تمادى فرعون في غيه، وأبى إلا الثبات على طغيانه بعدما أريناه آياتنا؛ أن أسر بعبادي: يقول أن سِر ببني إسرائيل ليلاً من أرض مصر *إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ* إن فرعون وجنده متبعوك وقومك من بني إسرائيل، ليحولوا بينكم وبين الخروج من أرضهم أرض مصر.اهـ


الأمر بالخروج سنته تعالى في إنجاء عباده المؤمنين


أمر الله موسى بالخروج بقومه وأتباعه من مصر وترك الدور والديار والأطان، ومغادرة مرابع الصبا والأرض التي ألفتها الأنفس والقلوب، وجبلت على محبتها، وذلك لأجل توحيد الله ودينه وهي الغاية الأسمى من الخلق والإيجاد على الأرض، ومحافظة على الموحدين، وتقديماً لها على غيرها من الأهداف والغايات الأخرى قال تعالى:*وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ*[الذاريات: 56]. وقال القرطبي في تفسيره: لَمَّا كان من سُنَّته تعالى في عباده إنجاءُ المؤمنين المصدقين من أوليائه، المعترفين برسالة رسله وأنبيائه، وإهلاك الكافرين المكذبين لَهم من أعدائه، أمر موسى أن يخرج بِبَني إسرائيل ليلاً وسَمَّاهم عباده، لأنَّهم آمنوا بِموسى.اهـ

وخرج موسى بقومه، وكان طريق المغادرة صعباً، فقد أمرو بالمغادرة والهرب عبر البحر، قال تعالى:*وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لاَ تَخَافُ دَرَكًا وَلاَ تَخْشَى* [طه: 77]، وكتب الله لهم النجاة من بطش فرعون وجنوده، قال تعالى:*يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ* [طه : 80]، وكانت العقبى لمن آمن وعمل وفق أمر الله، قال تعالى:*وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ * [الأعراف : 137]، وقال تعالى: *كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ* [الشعراء: 59 ].


فرح النبي صلى الله عليه وسلم بإنجاء موسى


وخروجه من أرضه ونجاته من الظلمة

روى البخاري (2004)، ومسلم (1130) في صحيحيهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا ؟». قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله نبي إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. قال: «فأنا أحق بموسى منكم». فصامه وأمر بصيامه. وفي رواية في الصحيحين: فسئلوا عن ذلك، فقالوا: هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، ونحن نصومه تعظيماً له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحن أولى بموسى منكم». ثم أمر بصومه.


لا يوجد إجماع من بني إسرائيل على موسى وآرائه


يعتقد بعض الناس أن كل أمر ولو كان من المسلمات، ومما يعرف ضرورة، سوف يسلم له الخلق ويعترفوا به ويقروه أو ينصروه، ولذا خرج على طريقة موسى ودعوته وآرائه وأفكاره المؤيدة بالوحي بعض قومه، وعارضوه ولم يتابعوه في الدعوة والإيمان بما دعا إليه من توحيد الله عز وجل، وعبادته وحده لا شريك له، أو في أمر مغادرة الموطن والتراب، والبحث عن الحياة الكريمة في أرض الله الواسعة، فلم يكن هناك إجماع على موسى من قومه، ولم يؤمن بعض بني إسرائيل بِما دعا إليه موسى عليه السلام، ومن الأمثلة التي ذكرت في كتاب الله قصة معارضة قارون لدعوة موسى قال تعالى: *إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ* [القصص: 76]، وانتهى المآل بهذا المعارض كما في قوله تعالى *فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ* [القصص: 81]، فهل من متعظ؟

(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)


تاريخ النشر 12/01/2009 


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127