الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

قسمة الخبر إلى مشهور وغير مشهور - الشيخ عبد العزيز بن ندَى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                

قسمة الخبر إلى مشهور وغير مشهور 

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أما بعد:


إن علم الحديث من أجلّ العلوم وأكثرها نفعاً وبركة، وكفى المشتغل بِهذا الفن فخراً كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قراءة أو حال الكتابة، ولقد حث ربنا تبارك وتعالى على الصلاة على نبيه بقوله: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا" [الأحزاب: 56]، وروى الترمذي في سننه (484)، وابن حبان في صحيحه (3/192) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أَولَى الناس بِي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة»، وقال ابن حبان في صحيحه (3/192): قال أبو حاتِم رضي الله عنه: في هذا الخبر دليل على أن أولى الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم في القيامة؛ يكون أصحاب الحديث، إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه صلى الله عليه وسلم منهم. قلت: وفي هذا الحديث منقبة لأهل الحديث وأنهم الطائفة المنصورة.



المصدر الثاني من مصادر التشريع


إن السنة الثابتة من الأحاديث والآثار الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم هي المصدر الثاني من مصادر التشريع، قال تعال:"وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا" [الحشر: 7]، وقال: "قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ"[آل عمران:31]، وأحاديث رسول الله صلَى الله عليه وسلم من الذكر الواجب المحافظة عليه والاهتمام به، لِما رواه أَحمد فِي مسنده (4/130)، وأبو داود في سننه (4604) بسند صحيح من حديث المقدام بن مَعْدِي كَرِب الكِنديِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أُوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، لا يوشك رجل ينثني شبعانا على أريكته؛ يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحِلُّوه، وما وجدتم فيه من حرام فَحَرِّموه».



يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه


تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين



فكان لابد أن ينبري لَهذا العلم طائفة تقوم على حراسته وحفظه وضبطه، ولذا قيل: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فإن في حمله وحفظه؛ حفظ للدين، قال تعالى: "إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظون" [الحجر : 9]. والأحاديث هي المصدر والأدلة التي تُبنى عليها العقائد والأحكام.



ينقسم الخبر إلى مشهور وغير مشهور


دفاعاً عن الأمة، وحماية للملة، وصيانة للديانة، وأداءً للأمانة؛ كان لا بد من مراجعة لتلك القسمة الموروثة؛ أعني قسمة الحديث والخبر إلى آحاد ومتواتر، ومعناه: أن الخبر ينقسم بحسب عدد طرقه المروية إلى خبر آحاد، وخبر متواتر، وهذه القسمة ليس عليها دليل من كتاب أو سنة أو إجماعٍ أو قول صاحب، ولَم تكن في القرن الأول؛ - فالواجب أن يسعنا ما وسع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من عدم الخوض فيها -، بل طريقها فرد، ودليلها آحاد، وخرجت بعد أن قالَها أحد الناس، وانطلقت من عقل صاحبها، ثم نُقِلت عنه، وتوارثها جماهير العلماء، كلٌ يقلّد من سبقه، وتبعهم طلاب العلم وعوام المسلمين، دون نقد ونظر، حتى رأينا عجباً من جمود أكثر الناس عليها، علماً أن ما ترتب عليها من أخطار؛ معلوم لدى الجميع، فقد جرّ الويلات وبثت الفُرقة والخلاف في أوساط الأمة.



قسمة الخبر إلى آحاد ومتواتر قسمة نظرية


أولا: الصناعة الحديثية تهدف إلى جمع الروايات، والبحث في حال الرواة بالنظر والاستدلال من أجل معرفة صحيح الحديث من سقيمه، وتمييز ما تصح نسبته الى النبي صلى الله عليه وسلم من الذي لا تجوز بل تحرم نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فالذي صحت وثبتت نسبته يكون وحياً ويفيد العلم ويوجب العمل به.



الخبر المتواتر لا يخضع للبحث والنظر


إذا كان الحديث أو الخبر المتواتر يفيد القطع بصحته فهو خارج ميدان النظر والدراسة، ولذا لا يعتني به أئمة هذا الشأن وأرباب صناعة الحديث، ولا يدور على ألسنتهم أو في مذاكراتهم وكتبهم.



المتواتر لا علاقة له بمباحث علوم الحديث


قال ابن الصلاح في المقدمة (392): ومن المشهور؛ المتواتر الذي يذكره أهل الفقه وأصوله، وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص، فإن كان «الحافظ الخطيب» قد ذكره ففي كلامه ما تشعر بأنه اتبع فيه غير أهل الحديث، ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتهم، ولا يكاد يوجد في رواياتهم؛ فإنه عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة اهـ. وقال الحافظ ابن حجر (النكت على نزهة النظر) (ص/60): وإنما أَبْهَمْتُ شروط التوتر في الأصل؛ لأنه على هذه الكيفية ليس من مباحث علم الإسناد، إذ علم الإسناد يبحث فيه عن صحة الحديث أو ضعفه؛ ليعمل به أو يترك من حيث صفات الرجال، وصيغ الأداء، والمتواتر لا يبحث عن رجاله، بل يجب العمل به من غير بحث. وقال السخاوي في فتح المغيث (3/36): وليس من مباحث هذا الفن، فإنه لا يبحث عن رجاله لكونه لا دخل لصفات المخبرين فيه، ولذلك لم يذكره من المحدثين إلا القليل؛ كالحاكم والخطيب في أوائل الكفاية، وابن عبد البر وابن حزم.


ثانياً: كم عدد الأخبار المتواترة ؟! فإذا كان حد التواتر غير متفق عليه فكيف لهم أن يجتمعوا؟! فمنهم من جعله: (1) لا يقل عن ثلاثمائة وبضعة عشر؛ عدد أهل بدر. (2) وقال بعضهم لا يقبل إلا من خمسين، عدد القسامة. (3) وقيل: لا يقبل إلا من أربعين لأنه العدد الذي لما بلغه المسلمون أظهروا الدين، وهناك أقوال كثيرة بسطها ابن حزم في كتاب الإحكام في أصول الأحكام (1/117). وقد قال كثير من أهل العلم يصعب ويندر التمثيل بخبر متواتر.


ثالثا: على التسليم بوجودها فإنها لا تتجاوز عدد أصبع اليد الواحدة.


رابعا: هل من العقل أن تقسم آلاف الأحاديث إلى قسمين:


-1 أخبار الآحاد وعددها عشرات الآلاف، أي كل الأحاديث، بل مصدر التشريع الثاني، السنة، وتوضع في كفة.


-2 وحديث أو حديثان أو خمسة أحاديث وإن بالغت؛ فليكن العدد عشرة أحاديث في الكفة المقابلة.


حديث الآحاد لا يؤخذ به في العقائد


قال المخالفون لأهل السنة: لا يؤخذ بحديث الآحاد في العقيدة والتوحيد؛ وإنَّما العمل ينحصر بالحديث المتواتر، وقد بينا أنه لا وجود للخبر المتواتر أو يندر وجوده، وما هو إلا تصور موجود في الذهن لا في خارجه. فأصبحت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم معطلة، فا ستطاعوا القيام بعملية إلغاء كاملة للسنة المنقولة، وبقي الميدان للعقل وحده بعد إبطال العقل بهذه القسمة، فكانت المكانة للعقل حيث التحكم في دين العباد والإفساد في كل واد.



إحياء المدرسة العقلية بتعطيل السنة النقلية


وبما أن الاحتجاج عند أولئك القوم في العقائد والتوحيد والأمور الغيبية وكثير من العبادات؛ هو بالخبر المتواتر، لا بخبر الآحاد، ومن المعلوم؛ بل نعلن التحدي أن يجمعوا لنا أخباراً متواترة صحيحة، وذلك إن استطاعوا؛ ولن يستطيعوا أن يجتمعوا، ويتفقوا على حد معين للتواتر، فلن يتفقوا على كلمة وحدٍ للمتواتر، كما أنهم لن يأتوا بحديث واحد يجمع شروط التواتر المختلف عليها. قال ابن الصلاح في المقدمة (393): فإنه عبارة عن الخبر الذى ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة، ولا بد في إسناده من استمرار هذا الشرط في رواته من أوله إلى منتهاه، ومن سُئِلَ عن إبراز مثال لذلك فيما يروى من الحديث أعياه تطلبه.اهـ وقال المرتضى الزبيدي (ص18): «وفسرت العزة بالقوة؛ أي: لا يكاد يوجد، أو بمعنى العدم؛ إلا أن يدعى أنه ممكن الوجود في بعض الأحاديث»، ثم نقل عن ابن أبي الدم قوله تعليلا: «لأن من شر التواتر أن ينقله جمع لا يتصور تواطئهم على الكذب، ويحصل العلم الضروري أو النظري بصدقهم قطعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ [سماعاً] من فيه، ثم يسمع من هؤلاء الجمع جمع ثانٍ لا يتصور تواطئهم على الكذب، ويحصل العلم بصدقهم، ثم يسمع جمع ثالث عن الجمع الثاني، وهلم جرا.. إلى آخر الإسناد؛ فلا بد من حصول هذا الشرط وتحققه من الطرفين والوسط، ومثل هذا لا يقع في الأحاديث النبوية».انتهى بواسطة النكت على نزهة النظر (ص/61) لأخينا الفاضل الشيخ علي الحلبي.



كتب السنة كلها خبر آحاد


وهذا تعطيل للنقل وإعمال للعقل


وحيث لا أخبار متواترة، وكل ما تحويه الكتب المصنفة في الأحاديث هي عندهم من القسم المعطل؛ خبر الآحاد، فالنتيجة تعطيل النقل وإعمال العقل، فلا حجة في الوحي، ولسان الحال والمقال يقول: لا حاجة للوحي. اللهم انصر السنة وأعز الملة واجمع شمل هذه الأمة على السنة، والحمد لله رب العالمين



الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي




تاريخ النشر 10/11/2008 


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127