الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

مقـالاتُ غُنْثَر والغُلُوُّ في الجهـل - الدكتـور/ عبد العزيز بن ندَى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 09 / 2009
                                



مقـالاتُ غُنْثَر والغُلُوُّ في الجهـل 

قال شيخ الاسلام ابن تيمية: »وأما السيئات فمنشأها من الظلم والجهل.. وفي الحقيقة كلها ترجع إلى الجهل« 

 

الدكتـور/ عبد العزيز بن ندَى العتيبي


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين؛ أما بعد:

أخي القارئ لك أن تتصور معي عندما تجد أن الجهل قد فُرِضَ في حياة فرد، وضربت له أطنابٌ في عقله، حتى أصبح الجهل متمثلا في شخصه، وجزءا من السلوك والأقوال والأفعال في عالَمِهِ الخاص، ومع ذلك يجرؤ هذا الصنف من الناس؛ فتجده يخادع نفسه، ويخدع الآخرين؛ متظاهراً بثقة مزيفة؛ ويقدم على الخوض في الأمور العامة وشؤون الخاصة، على الرغم من شلل عقله، ومعاناته من عجز الإصابة بالجهل، قال تعالى: - *وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ* [الأنعام: 43].

* أتعلمون تفسيرا لِهذا؟ إنه الغلو في الجهل، أين التَّبَيُّن والتَّثَبُّت؟ إِنَّ التَّبَيُّنَ يدفع الجهل ويقصيه، قال تعالى: *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ*، وفي قراءةٍ مشهورة؛قال: *فَتَثَبَّتُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ*، [الحجرات: 6].


*إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ*

إن الغلو في الجهل يدفع الجاهل لنسيان نفسه، ولذا تراه قد يصاب بِمرحلة فقدانٍ للذاكرة، قال الله تعالى: *وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ* [الحشر: 19]، وعند نسيان النفس، وجهل توجيهها؛ فلا تسأل بعد عن عواقب الأمور؛ سيكون ذلك سبباً في صنع شخصية، تثير الشغب في أوساط الناس هنا وهناك، وتباشر حشر نفسها في كل ميدان؛ متكلما في شؤون الحياة، ومُمارساً للكتابة في كل الفنون، ويشارك أرباب العلم في ميدان العلم والثقافة، غير عابئ بِما يقوله الآخرون من نقدٍ لعقله، وبيان جسامة عيوبه، وإعلان شناعة جهله.

الجهل سببٌ للنقيضين التفريط والإفراط


قال تعالى: *وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا*-[الأحزاب: 72]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (14/224): وأما السيئات فمنشأها من الظلم والجهل، وفى الحقيقة كلها ترجع إلى الجهل، وإلا فلو تَمَّ العلم بِها لَم يفعلها، فإن هذا خاصة العقل، وقد يغفل عن هذا كله بقوة وارد الشهوة والغفلة، والشهوة أصل الشر، كما قال تعالى: *وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ* [الكهف: 28] الآية.


لمن تفتح الأبواب في زمن التراجع؟!


أيُّها القارئ! حذار أن تصعق عندما تواجهك المأساة بِمشاهدةِ هذا وأمثاله، وهو يعيش حالة من الوهم، عندما تفتح له أبواب ونوافذ زمن التراجع؛ معتقداً أن ظلام الجهل غير مطبق على عقله.


لمصلحة من لا يفرقون بين الجهل والعلم؟


وأين العدالة في عدم التسوية بين الجهال والعلماء؟ ولمصلحة من لا يفرقون بين الجهل والعلم؟ وأقول: إنها لمصلحة الدخلاء، وفتحُ بابٍ للكسالى والعاجزين عن نيل العلوم، ليعبثوا جهلا بِمصالح الدنيا، ومنافع الدين، قال تعالى: *وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً* [النحل: 56]؛أي: جعلوا للجاهل الذي لا علم له نصيبا مفروضا.

* أتدركون تفسيراً لِهذه الفوضى إنه الغلو في الجهل، ولِتَقْوِيْمِ هذا الانحراف؛ فصل الله تعالى بين الفريقين: فأعلى شأن العقلاء والحكماء والعلماء، وبين حال الذين لا يعلمون، قال تعالى: *ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ* [الجاثية: 18]، وقال تعالى: *قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ* [الزمر: 9].

قال الشاعر:

إن الجهالة شر من وطئ الحصى

من كل أنس ناطق أو جان


إن الغلو في الجهل؛ دعوة صريحة لطمس الحقائق، وتزوير المسلمات؛ حتى صار الاستخفاف بالعلم مذهباً، وتشويه المعرفة منهجاً ومطلباً، ولا يرون قيمة أو حاجة مرجوة للتوثيق والتثبت والضبط لِما ينقل بالقول والكتابة؛ من الأخبار والمعارف والمعلومات،

* أتعلمون لِماذا؟ إنه قبول الجهل والغرق في ظلماته.وليعلموا أن النار موعدٌ لكثير من الجهال، فقد روى أبو داود (3573)، والترمذي (1322) وابن ماجه (2315) في السنن ما ثبت وصح من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »القضاة ثلاثة؛ واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة؛ فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم؛ فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل؛ فهو في النار«.


الإشفاق على المصاب بالجهل أفرادا وطوائف


وكذلك الحال عندما يصبح الجهل وصفاً ملازماً لمجموعة معينة، وشعارا لفرقة، وعلما تعرف به طائفة من الناس، وما هي الكيفية للتعامل مع هذا الوضع؟ حيث تجد النفس مجبرة للإشفاق على هؤلاء، ومحاولة انتشالهم من بيئة الجهل، وعلاج هذا الداء؛ خاصة أن المصاب بداء الجهل غالباً لا يراه، أو أن أصحابه ومن حوله لا يرون ما يعانيه، ولا يجدون فيه نقصاً، ولَم يكتشفوا أن مكانهم الحقيقي قد أصيح في آخر الصفوف، ولا يحق لأحد منهم أن ينطق بكلمة إلا عندما ينتهي الآخرون، وهذا المكان والموقع المؤلم فرضته الحالة العلمية والمعرفية؛ لِمن لَم يكتشفوا مرض الجهل؛ حتى وجدوا أنفسهم في المؤخرة.


مقالاتُ غُنْثَر والكتابة على سطح الماء


غُنْثَرُ: لقب لمن اتصف بالجهل وشيء من الحماقة، فعندما يُمارس غُنْثَر مشروع كتابةِ مقالٍ بقلمه المحروس على سطح الماء أو نقش أفكاره في الْهواء، دون الاستغناء عن مشاركة الذبابة الزرقاء، التي تلازمه، وتكاد لا تفارق مداعبته، فتحوم حول رأسه، مستمتعة بِما يدون في أوراق الماء، وصفحات الهواء، ثُمَّ إن ما نقف عليه من مشكلةِ عدمِ تَماسكِ الكلام، وضحالة الأفكار، ومعاناة القلم من حامله لما يجد من ضعف العلاقة بين العقل والقلم في تمويله للمداد، فإن الذي نراه من كتابة لِهذا الكاتب أو ذاك الصحافي هو بِمنزلة الكتابة على الماء، والرقم في الْهواءِ لضعفه الشديد، وقيام مبناه على أعمدة الجهل، قال تعالى: *كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ* [العنكبوت: 41]. وبعد هذا ماذا تريد من الاستدراك على مقالة غُنْثَر؟

-1 الكاتب هو غُنْثَرُ جامع بين الجهل والسفه والحماقة.

-2 الكتابة على صفحات الماء، وجريد الهواء لن تجد شيئاً يذكر، ولن تقف لَها على أثر.

-3 فأين الكاتب وأين المكتوب؟! حتى نعرف الصادق من الكذوب.

فاعلم أنه لا إله إلا الله

قال تعالى: *فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ* [محمد-19]، والعلم ضد الجهل وهذه دعوة إلى توحيد الله وإفراده بالعبودية، غير قابلة للتحديث والتجديد والعودة إلى عبادة غير الله كعبادة النار والاحتفال بأعياد النيروز، وغير ذلك من التراث المجوسي، ونذكر هنا فائدة: أن النيروز: كلمة فارسية مركبة من: نَوْ، بِمعنى: جديد، وروز بِمعنى: يوم، ويوم النوروز عند الفرس هو أول يوم من أيام السنة الشمسية الفارسية حيث يفرح الناس به ستة أيام، وتوقد فيه النيران، ويوافق يوم الحادي والعشرين من شهر مارس من السنة الإفرنجية، وعيد النوروز أو النيروز أكبر أعياد الفرس على الإطلاق.

قال البحتري الطائي:

إن يوم النيروز عاد إلى العهـ ـد

الذي كان سَنّه أردشـير


لا تتعقب جهالات غُنْثَر ولا ترد عليه


أيها القراء! هل في استطاعتكم أن تقرأوا ما يكتب على ماء الخليج العربي؟! وحتى محترفي القراءة على سطح الماء لن يبقى في عقولهم اثر من ذلك، أم هل تشاهدون مقالة نشرها في صفحات الهواء؟! إن ما خطه صاحب القلم الجهول، لن يدفعنا لتعقبه، فلا أثر لشيء حتى يستدرك عليه، فإن غنثر لا يدع هواية الكتابة على الماء، وفي حالات كسله؛ يستعين بصفحات هواء لوثته البيئة، والغازات المنبعثة من المناطق المحيطة.


الإعراض من سبل الدعوة إلى الله


يقتضي الأمر ممن أقبل على الله، وانصرف للعلم والعمل والدعوة إلى الله، عدم التشاغل بالمعوقات، قال الله تعالى:*قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ* [المؤمنون 1-3]، فالفلاح كل الفلاح بالإعراض عن جهالات المغرضين، وتجاهل كل صارف عن طريق الخير، وذلك هو المطلوب شرعاً، قال تعالى: *خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ* [الأعراف: 199]، وعدم الاكتراث لتصرفات المخالفين، وكيد الجهلة، وحقد الحاسدين، قال تعالى: *وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ* [القصص: 55]، وقال تعالى: *وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً* [الفرقان: 63].

وقال الشاعر:

وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي

فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ: لاَ يَعْنِينِي


وقال تعالى: *وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ* [القصص: 55]، معرضين عنه غير ملتفتين إليه واللغو: هو الساقط من قول أو فعل وما لا يترتب عليه فائدة ولا نفع.


إكرام النفس بالترفع عن الجاهلين


قال الله تعالى: *وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا* [الفرقان : 72]، إن من الحكمة والعقل السديد النأي بالنفس، ورفعها عن مواطن الخلل، ومواقع الزلل وإكرامها بالتغافل عن جهل الجاهلين، وعدم الالتفات إلى الجهالات والمقالات التي تصدر من أولئك، والإعراض عن خوض الخائضين قال تعالى: *وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* [الأنعام: 68].

وقال ابن العجاج :

وَرَبِّ أَسْرَابِ حَجيـجٍ كُظَّمِ

عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَـلُّمِ


وكُظًّم جمع كاظم: وهو الساكت الذي أمسك لسانه، وأصله من الكَظَمِ، وقوله: *مَرُّوا كِرَامًا*؛ أي: فإذا سمعوا كلامَ الجهول ورأوا قبيح أفعاله؛ أكرموا أنفسهم، وسَموا بِها عن الدخول فيه، ومخالطة بيئته أو مجاراة أهله. وأختم بالصلاة على سيد الأولين والآخرين، والحمد لله رب العالمين.




تاريخ النشر 01/09/2008


 الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127